الذاكرة الوطنية لا تُورث تلقائيا، ولا تنتقل في الدم كما نتوهم. الذاكرة الوطنية تُصنع في البيت، وفي المدرسة، وفي الشارع، وفي اللغة التي نصف بها أنفسنا. ولهذا فإن بناء ذاكرة وطنية لدى الناشئة هو شرط من شروط تماسك المجتمع وقدرته على فهم نفسه عندما تتبدل الأزمنة وتتسارع الضغوط.
أكثر الطرق شيوعا لإنتاج «ذاكرة» لدى الأطفال هي أقلها فاعلية: التلقين، والإنشاد، وتكرار قصص مصقولة بلا أسئلة.
الأسلوب الأمثل يبدأ من تحويل الذاكرة إلى خبرة قابلة للفهم. أن يُعرَّف الناشئة بالوطن عبر «الأثر»: وثائق وصور ورسائل قديمة، حكايات من الأسرة ومن المهنة ومن البحر ومن السوق، خرائط تتغير عبر الزمن، وأسماء أماكن تُقرأ بوصفها طبقات من تاريخ الشعب. وحين يصبح الماضي مادة محسوسة، يخرج من دائرة الأسطرة إلى دائرة الإدراك.
ثم يأتي دور المدرسة بوصفها مختبرا للوعي: تعليم القراءة النقدية للمصادر، والتمييز بين الرواية والدعاية، وإتاحة مساحة لأسئلة محرجة دون خوف. الذاكرة القوية لا تخشى السؤال؛ لأنها تعرف أن السؤال لا يهدم الانتماء بل ينقّيه. ومن هنا يصبح إدراج التعدد ضرورة: أن يرى الطالب وطنه في أكثر من مرآة ـ في السواحل والداخل، في المدن والقرى، في قصص النساء كما الرجال، وفي تجارب العمل والهجرة والتعليم لا في الحروب والقرارات فقط.
أما الإعلام والثقافة فمهمتهما أن يحميا الذاكرة من الاستهلاك، فلا تتحول إلى «محتوى» موسمي، وأن تُروى بحسّ إنساني لا بلغة انتصار دائم. عندما تُبنى الذاكرة بهذه الأدوات ـ الأثر، السؤال، التعدد، والصدق ـ تصير وطنا داخليا لا ينهار مع أول اختبار، بل يشتدّ كلما تعلّم أبناؤه كيف يفكرون فيه، لا كيف يرددونه.
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
إقرأ أيضاً:
الساعي : مصر تمتلك مقومات قوية لبناء الهوية الوطنية وتعزيز قوتها الناعمة
أكد الدكتور عماد الساعي، مستشار الأمم المتحدة لإدارة الأزمات والمخاطر، أن مصر تمتلك القدرة على ترسيخ وتعزيز الهوية الوطنية، مشيرًا إلى أن توظيف عناصر القوة الناعمة بشكل أكثر تكاملًا من شأنه أن يدعم حضور الدولة وتأثيرها على المستويين الإقليمي والدولي.
وقال الساعي، خلال لقاء له لبرنامج “حقائق وأسرار”، عبر فضائية “صدى البلد”، تقديم الإعلامي “مصطفى بكري”، أن القوة الناعمة المصرية لا تزال تعمل بصورة منفصلة، وهو ما يستدعي توحيد الجهود ضمن رؤية متكاملة تعزز السردية المصرية وتبرز تاريخها وثقافتها وإنجازاتها بصورة أكثر تأثيرًا.
وأشار الساعي إلى أن السردية المصرية ارتبطت في مراحل سابقة بنماذج تعكس البعد الشعبي والثقافي، مؤكدًا أهمية تطوير خطاب وطني يعكس مكانة مصر وقدراتها الحضارية والإنسانية.
إسهاماتها العلميةوأضاف أن مصر تمتلك سجلًا متميزًا على المستوى الأفريقي، إذ تُعد الدولة الأكثر حصولًا على جوائز نوبل في القارة، وهو ما يعكس حجم إسهاماتها العلمية والثقافية ويعزز من رصيدها في مجال القوة الناعمة.