عربي21:
2026-06-03@06:29:24 GMT

دافوس وغزة: نموذج للهيمنة والاستعمار الاقتصادي

تاريخ النشر: 28th, January 2026 GMT

انعقد مؤتمر دافوس الاقتصادي العالمي في دورته الأخيرة في لحظة دولية بالغة الصعوبة والاضطراب، والتداخل الملحوظ بين السياسة والاقتصاد، وربط الاستثمارات بالاستعمار الاقتصادي ومشاريع الهيمنة وإعادة تشكيل المجتمعات.

ففي الوقت الذي يقدّم فيه المؤتمر، الذي ينظمه المنتدى الاقتصادي العالمي، نفسه كمنصة للحوار والسلام والاستدامة، تكشف الوقائع المصاحبة له عن تحوّل خطير في وظيفة الاقتصاد العالمي، حيث يُستخدم كأداة لإدارة الصراعات وإعادة إنتاج السيطرة، لا لإنهائها.



أبرز ما ظهر في هذا المؤتمر كان توقيع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الميثاق التأسيسي لما عُرف بـ"مجلس السلام" وقد انطلق المجلس من ملف غزة بوصفه الحالة الأولى التي يُراد اختبار ما يسمى نموذج "السلام الاقتصادي" فيها، قبل أن يُوسَّع نطاقه ليصبح إطارا دائما لإدارة نزاعات أخرى حول العالم. غير أن هذا التوسّع لا يغيّر من حقيقة أن غزة كانت المختبر الأول، وأن ما يُجرَّب فيها يُراد تعميمه لاحقا، بمنهج يقوم على الاستعمار الاقتصادي باسم إعادة الإعمار، فضلا عن إدارة ما بعد الحرب، دون معالجة جذور الصراع أو إنهاء الاحتلال.

غزة كانت المختبر الأول، وأن ما يُجرَّب فيها يُراد تعميمه لاحقا، بمنهج يقوم على الاستعمار الاقتصادي باسم إعادة الإعمار، فضلا عن إدارة ما بعد الحرب، دون معالجة جذور الصراع أو إنهاء الاحتلال
إن مصطلح "السلام" هنا لا يعني العدالة أو التحرر أو إرجاع الحقوق لأصحابها، بل هو إدارة طويلة الأمد للنزاعات عبر الاقتصاد، وتحويل الكارثة الإنسانية إلى فرصة استثمار، والركام إلى نموذج أعمال. وفي حالة غزة، يتخذ هذا المنهج بعدا أخطر، إذ يُراد إعادة هندسة القطاع اقتصاديا وديموغرافيا وثقافيا، وتحويله إلى مساحة خاضعة للوصاية، تُفتح فيها الأبواب أمام استثمارات مشروطة، وتُنتزع فيها السيطرة على الموارد والموقع الجغرافي والمنافذ المحتملة، بما يخدم مصالح الهيمنة الأمريكية ويصب في مصلحة الكيان الصهيوني.

ولا يكتمل تحليل هذا المشروع دون التوقف عند الدور العربي والإسلامي، الذي لم يعد يقتصر على الصمت أو العجز، بل تطوّر في بعض الحالات إلى شراكة سياسية واقتصادية مباشرة. فمشروع إعادة هندسة غزة لا يمكن أن يمر دون غطاء إقليمي، يتمثل في أنظمة ونخب ترى في الاستقرار المزعوم أولوية تتقدم على العدالة، وفي السكون والخنوع والتآمر بديلا عن إزاحة الاحتلال، وفي الاستثمار بديلا عن التحرر. والأخطر أن هذا الغطاء لا يسهّل الاستعمار الاقتصادي فحسب، بل يندمج في حرب أوسع على الهوية الإسلامية لغزة، عبر تفريغها من بعدها العقدي والثقافي، وتحويلها من فضاء مقاومة إلى فضاء استهلاك وسياحة وخدمات. هكذا يُمنح المشروع شرعية زائفة، ويُعاد إنتاج الاحتلال بأدوات متعددة الأيدي، تُدار فيها الهيمنة باسم التنمية، وتُستهدف الهوية باسم السلام.

جوهر هذا الطرح يتمثل في السعي إلى تحويل غزة إلى ما يُسوَّق له بوصفه "ريفيرا شرق المتوسط"، وفق تصور يُلغي التاريخ ويعيد تشكيل الجغرافيا والإنسان معا. فالمسألة ليست إعادة بناء ما دمّرته الحرب، بل إعادة تعريف غزة نفسها: من أرض ذات هوية إسلامية مقاومة إلى كيان اقتصادي منزوع الذاكرة، خاضع للرقابة الأمنية، ومفتوح لرؤوس الأموال المشروطة. وبذلك، تصبح السيطرة على الموارد والممرات جزءا من مشروع هيمنة شامل، تُدار فيه السياسة بلغة الصفقات.

تقديم هذا المشروع داخل منصة عالمية مثل دافوس يمنحه غطاء دوليا، ويُسهم في تطبيع فكرة أن السلام يمكن أن يتحقق دون إنهاء الاحتلال، وأن الإعمار يمكن أن يتم فوق أنقاض الهوية
هذا المنهج لا ينفصل عن نهج ترامب القائم على القومية الاقتصادية ومنطق الصفقات، حيث يُعاد تعريف السياسة الخارجية بوصفها سوقا مفتوحة للنفوذ. فالرجل الذي يوقّع على مجلس سلام ينطلق من غزة كنموذج، هو ذاته الذي يرى العالم من زاوية السيطرة على الموارد والمواقع الاستراتيجية، ويُقوّض منظومة التعاون متعدد الأطراف. وبهذا المعنى، لا يهدد هذا المسار غزة وحدها، بل يكشف اتجاها عالميا يُحوّل السلام إلى إدارة نزاعات، والتنمية إلى أداة إخضاع، ومجلس السلام إلى وسيلة لفرض إتاوات، والبقاء على ما تبقي من مهام مؤسسات دولية يحركها الغرب كما يشاء.

إن تقديم هذا المشروع داخل منصة عالمية مثل دافوس يمنحه غطاء دوليا، ويُسهم في تطبيع فكرة أن السلام يمكن أن يتحقق دون إنهاء الاحتلال، وأن الإعمار يمكن أن يتم فوق أنقاض الهوية. وهنا تتجلى أزمة النظام الاقتصادي العالمي، الذي بات مستعدا للتعامل مع التدمير كفرصة، ومع الشعوب كعقبة، ومع القيم كخطاب بلا مضمون. كما تتجلى أزمة التبعية التي باتت منهجا لبعض النظم العربية والإسلامية، بل بعدها تعدى من التبعية إلى التآمر، وأرض غزة التي تشعبت بدماء الشهداء سينكسر عليها مشروع ترامب وأعوانه، وستبقى غزة منطلق العزة والإباء والنصر والتمكين.

x.com/drdawaba

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه قضايا وآراء دافوس الاقتصادي ترامب السلام غزة اقتصاد غزة دافوس سلام ترامب قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء مقالات مقالات مقالات مقالات سياسة صحافة سياسة سياسة سياسة صحافة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة إنهاء الاحتلال یمکن أن

إقرأ أيضاً:

من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟

 

 

 

عباس الزدجالي

abbas@omanamana.com

 

كشفت التقارير المتزامنة التي نشرتها صحف ومؤسسات إعلامية دولية بارزة، من بينها هآرتس وفايننشال تايمز ورويترز وأكسيوس، عن مشهد غير مألوف في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فبحسب هذه الروايات، لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستعد فقط لتوسيع العمليات العسكرية في لبنان، بل كانت هناك خطط لضربات أكبر قد تطال بيروت نفسها، قبل أن يتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا في اللحظات الأخيرة لوقف التصعيد أو الحد منه.

وتذهب بعض التقارير إلى أبعد من ذلك، متحدثة عن مكالمة غاضبة وغير مسبوقة بين ترامب ونتنياهو، استخدم خلالها الرئيس الأمريكي لغة حادة عكست حجم التوتر بين الرجلين. وبغض النظر عن دقة كل عبارة منسوبة إلى المكالمة أو مدى صحة التسريبات المتداولة، فإن تعدد المصادر وتطابق الخطوط العامة للرواية يشيران إلى وجود خلاف حقيقي حول مسار الحرب وحدودها، وليس مجرد اختلاف تكتيكي عابر.

اللافت في هذه التطورات أن ترامب لم يكن طوال السنوات الماضية معروفًا بممارسة ضغوط جدية على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بل على العكس، ارتبط اسمه بأكثر المواقف الأمريكية دعمًا لإسرائيل. ولذلك فإن تدخله المفاجئ لوقف أو تأجيل عملية عسكرية واسعة يثير تساؤلات عديدة حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التحول.

قد يكون أحد التفسيرات أن الإدارة الأمريكية بدأت تدرك أن استمرار التصعيد يهدد بتوسيع دائرة الحرب إلى مستوى يصعب احتواؤه. فبعد أشهر طويلة من القتال والدمار في غزة، والتوتر المتصاعد على الجبهة اللبنانية، والمواجهة المفتوحة مع إيران، باتت المنطقة أقرب إلى حافة انفجار إقليمي شامل. وفي مثل هذا السيناريو، لن تكون الكلفة مقتصرة على إسرائيل أو خصومها فقط، بل ستمتد إلى المصالح الأمريكية المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط، وإلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية.

كما أن واشنطن تُدرك أن صورتها الدولية تعرضت خلال الفترة الماضية إلى ضرر كبير نتيجة مشاهد الدمار وسقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين؛ فالدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل أصبح موضع انتقاد متزايد حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، وبين قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي. ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية الداخلية، لا يمكن تجاهل أثر هذه التطورات على الحسابات الانتخابية والسياسية لأي إدارة أمريكية.

أما نتنياهو، فيبدو بدوره محاصرًا بين ضغوط متناقضة. فمن جهة يواجه مطالب متزايدة من اليمين المتطرف بمواصلة التصعيد وتوسيع العمليات العسكرية، ومن جهة أخرى يواجه انتقادات داخلية متصاعدة بسبب طول أمد الحرب وتكاليفها البشرية والاقتصادية والسياسية. ولذلك فإن أي تراجع أو قبول بوقف التصعيد قد يُفسَّر من قبل خصومه وحلفائه على حد سواء باعتباره رضوخًا للضغوط الأمريكية.

لكن ما تكشفه هذه الأزمة يتجاوز شخص ترامب أو نتنياهو؛ فهي تُذكِّر بحقيقة كثيرًا ما يجري تجاهلها في الخطاب السياسي والإعلامي، وهي أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، مهما بدت وثيقة، ليست علاقة تطابق كامل في المصالح. فعندما تشعر واشنطن بأن سياسات تل أبيب تهدد أولوياتها الاستراتيجية الأوسع، فإنها لا تتردد في التدخل، ولو خلف الأبواب المغلقة، لإعادة رسم الحدود التي لا ينبغي تجاوزها.

وفي المقابل، تكشف الأحداث أيضًا حجم المأزق الذي وصلت إليه المنطقة بأسرها. فبعد شهور طويلة من الحروب والدمار وسقوط الضحايا في غزة ولبنان وإيران، لم يعد السؤال من انتصر ومن خسر في معركة هنا أو هناك، بل إلى أين يقود هذا المسار الجميع. فالحروب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها كثيرًا ما تنتهي بنتائج لم يتوقعها حتى الذين أشعلوها.

ولهذا فإن السؤال الأهم في نهاية المطاف ليس ما إذا كان ترامب قد أوقف هجومًا على بيروت، ولا ما إذا كان نتنياهو قد تراجع تحت الضغط الأمريكي، بل لماذا حدث ذلك الآن تحديدًا؟ هل كان الأمر تعبيرًا عن إدراك متأخر بأن المنطقة تقف على حافة انفجار شامل؟ أم أنه محاولة من واشنطن لإنقاذ نفسها من تداعيات سياسات ساهمت هي نفسها في صنعها؟ أم أن كلفة استمرار الحرب أصبحت ببساطة أعلى من قدرة الجميع على تحملها؟

ذلك هو السؤال الذي ستحدد إجابته ليس فقط مستقبل العلاقة بين ترامب ونتنياهو، بل ربما مستقبل الشرق الأوسط بأسره في السنوات المقبلة.

مقالات مشابهة

  • وزارة التربية توضح بخصوص الحريق الذي اندلع بمقرها
  • أكبر ثروات العراق فيها.. تقرير عن ثنائية السلطة في البصرة
  • التعاون الخليجي: استمرار اقتحامات الأقصى مرفوض ويقوض فرص السلام
  • ﺟﻮﻟﺔ ﻣﺒﺎﺣﺜﺎت ﺟﺪﻳﺪة ﻓﻰ »اﻟﻘﺎﻫﺮة« اﻟﻴﻮم
  • البديوي: نرفض جميع إجراءات قوات الاحتلال الهادفة لتغيير الوضع التاريخي والقانوني بمدينة القدس
  • حماس: مستعدون لتسليم إدارة غزة ومجلس السلام عاجز أمام الاحتلال
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • حماس تؤكد جاهزيتها لتسليم مجالات الحكم بغزة كافة "بما فيها الأمن"
  • مساعدات سعودية للمحتاجين في اليمن وغزة ومالي
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟