تحول عميق.. كيف حققت الصين نهضة تكنولوجية عظيمة؟
تاريخ النشر: 28th, January 2026 GMT
نشرت صحيفة "فاينانشال تايمز" تقريرًا يسلط الضوء على التحوّل العميق الحادث في تدفقات التكنولوجيا العالمية؛ حيث تنتقل الصين حاليًا من موقع المتلقي إلى موقع الريادة في جميع مجالات الابتكار العالمي.
وقالت الصحيفة، في هذا التقرير الذي ترجمته "عربي21"، إن الصين كانت لعقود طويلة متأخرة عن الغرب في مجال التكنولوجيا العالمية؛ وقد تدفقت التكنولوجيا خلال هذه الفترة في اتجاه واحد استغلته الشركات الأمريكية والأوروبية لبيع منتجاتها للمستهلكين الصينيين وإقامة مصانع في البلاد، مدفوعة بحجم السوق الهائل وتكاليف العمالة المنخفضة.
غير أن انتشار التكنولوجيا بين الصين والغرب أصبح بشكل متزايد طريقًا ذا اتجاهين، وأصبحت الصين الآن في طليعة العالم عبر مجموعة متنامية من المنتجات، كالسيارات الكهربائية، والبطاريات، والطائرات المسيّرة، والمعادن النادرة.
وأشارت الصحيفة إلى أن هذا التحول لم يكن مجرد صدفة؛ فقد اتبعت الصين منذ فترة طويلة إستراتيجية صناعية مدروسة تهدف إلى الحصول على التكنولوجيا من القادة العالميين وتطوير اقتصاد البلاد، ودفعت الصين الشركات الأجنبية إلى مشاركة التكنولوجيا والمعرفة في كل شيء مقابل تسهيل وصول هذه الشركات إلى السوق، وقد أدى ذلك إلى خروج جيل كامل من العمال والمديرين والمهندسين الصينيين الماهرين، وساعد الموردين الصينيين على الصعود في سلسلة القيمة.
ويظهر هذا التحول بوضوح في مجالي السيارات الكهربائية والبطاريات، حيث أصبحت الصين القائد العالمي فيهما بلا منازع؛ وقد حصلت شركة فورد على ترخيص لتقنية البطاريات من شركة "كاتل" الصينية لإنتاج بطاريات الليثيوم للسيارات الكهربائية وتخزين الطاقة في ميشيغان.
وتتعاون أيضًا شركات صناعة السيارات الغربية مثل "فولكسفاغن" و"ستيلانتس" مع شركات ناشئة صينية في مجال السيارات الكهربائية؛ حتى أن شركة "رينو"، التي لا تبيع سيارات في الصين أصلًا، أنشأت مركزًا جديدًا للبحث والتطوير في شنغهاي للاستفادة من منظومة التكنولوجيا الصينية في السيارات الكهربائية.
وأكدت الصحيفة أن هذا التحول ليس هذا مقتصرًا على صناعة السيارات، بل يمتد أيضًا إلى مجال التكنولوجيا الحيوية؛ حيث توقع شركات الأدوية الغربية صفقات ترخيص بمليارات الدولارات للحصول على الملكية الفكرية من شركات الأدوية الصينية، لتصل إلى 41.5 مليار دولار في عام 2024. وفي مجال الروبوتات، تبني الشركات الناشئة الأمريكية نماذجها باستخدام منصات الأجهزة الصينية، مثل الروبوت البشري الرشيق "جي1" من شركة "يونيتري"، كما يستخدم المطورون الأمريكيون في مجال الذكاء الاصطناعي النماذج الصينية مفتوحة المصدر مثل سلسلة "كوين" من علي بابا.
ويقدم استحواذ شركة "ميتا" مؤخرًا على شركة مانوس الناشئة المتخصصة في الذكاء الاصطناعي في صفقة قيمتها تزيد عن 2 مليار دولار دراسة حالة مثيرة للاهتمام في سباق الذكاء الاصطناعي المتزايد؛ حيث لجأت إحدى أكبر شركات التكنولوجيا الأمريكية إلى شركة ناشئة تأسست في الصين من أجل الحصول على ميزة تنافسية.
وأوضحت الصحيفة أن صفقة "ميتا" مع "مانوس" تُبرز أيضًا التعقيدات الجيوسياسية حول مثل هذه التدفقات التكنولوجية. ففي نيسان/ أبريل 2025، حصلت "مانوس" على جولة تمويل بقيمة 75 مليون دولار بقيادة شركة رأس المال المغامر الأمريكية "بينشمارك" التي تعرضت لانتقادات في الولايات المتحدة لاستخدامها رأس المال الأمريكي لدعم تطوير الذكاء الاصطناعي في الصين.
وفي أيار/ مايو، أطلقت وزارة الخزانة الأمريكية تحقيقًا في الأمر؛ نقلت بعده "مانوس" مقرها من الصين إلى سنغافورة، في خطوة انتقدها المعلقون الصينيون باعتبارها رضوخًا للضغط الأمريكي. وعندما أُعلن عن الصفقة مع ميتا في كانون الأول/ ديسمبر، قال متحدث باسم ميتا إن "مانوس" ستوقف عملياتها في الصين وتُسوي جميع الحصص المملوكة للصينيين.
لقد تمكنت "مانوس" من اجتياز رحلة دقيقة من شركة ناشئة صينية إلى هدف استحواذ أمريكي عبر نقل مقرها، في مسار قد تتبعه الشركات الناشئة الصينية المستقبلية. وفي 2022، انتقلت شركة الذكاء الاصطناعي "هايجين" من شينزن إلى لوس أنجلوس وقيل إنها تخلت عن معظم حصص الملكية الصينية، كما تخلى عدد متزايد من الشركات الصينية عن هويتها المؤسسية الصينية وانتقلت إلى سنغافورة لتجاوز القضايا الجيوسياسية، بما في ذلك "تيك توك" و"شي إن".
غير أنه من المرجح أن تتخذ بكين إجراءات صارمة ضد مثل هذه التحركات إذا أصبحت شائعة؛ وقد شددت الصين بالفعل ضوابط التصدير على التقنيات الرئيسية، مثل البطاريات، ومعالجة الليثيوم، والمعادن النادرة، كما أثبتت بكين في النزاع حول تيك توك أنها مستعدة لمنع تسليم خوارزميات بايت دانس والشيفرة المصدرية، التي يبدو أنها لا تزال تحت السيطرة الصينية. وهناك تقارير تفيد بأن وزارة التجارة الصينية تراجع صفقة "مانوس" لتحديد ما إذا كانت تنتهك ضوابط تصدير التكنولوجيا الصينية.
وختمت الصحيفة بأنه مع استمرار الصعود التكنولوجي للصين، ستسعى بكين إلى الاستفادة من ابتكاراتها المتقدمة مع حماية تفوقها التكنولوجي الذي تحقق بشق الأنفس، تمامًا كما حاول الغرب أن يفعل. ويبقى السؤال: كيف ستسعى بكين إلى الحفاظ على هذا التحول في تدفقات التكنولوجيا العالمية؟
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي صحافة صحافة عربية صحافة دولية صحافة إسرائيلية صحافة دولية التكنولوجيا الصين التحول مانوس الصين التكنولوجيا تحول مانوس صحافة دولية صحافة دولية صحافة دولية صحافة دولية صحافة دولية صحافة دولية صحافة صحافة صحافة سياسة سياسة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة السیارات الکهربائیة الذکاء الاصطناعی هذا التحول فی الصین فی مجال
إقرأ أيضاً:
الحرب التجارية تتجدد.. كيف تستعد الصين لجولة جديدة مع واشنطن؟
يشير تصاعد الحديث عن "الاستقرار الإستراتيجي" بين الولايات المتحدة والصين، في أعقاب قمة مايو/أيار بين الرئيسين الأمريكي دونالد ترمب والصيني شي جين بينغ، إلى مسعى لضبط التنافس ضمن أطر قابلة للإدارة.
ويتزامن ذلك مع اقتراب فرض الولايات المتحدة تعريفات جمركية عالمية جديدة، إلى جانب ترقب لقاء محتمل بين الزعيمين في واشنطن في سبتمبر/أيلول المقبل، مما يعكس مرحلة دقيقة تتداخل فيها السياسة مع الاقتصاد.
اقرأ أيضا list of 4 itemslist 1 of 4ترمب يستعد لفرض رسوم جمركية جديدة تستهدف 60 دولةlist 2 of 4الصين تكسب معركة الصورة.. هل بدأت مكانة أمريكا العالمية بالتراجع؟list 3 of 4الصين تصدر أكثر من مليون سيارة في شهر واحد رغم التعريفات الجمركيةlist 4 of 4حرب تجارية تتسع.. كيف تستخدم الصين سلاسل التوريد في معركتها مع الغربend of listفي هذا السياق، ركزت بعض الصحف الصينية على أبعاد متعددة للعلاقات الثنائية، من فهم الخطاب المتبادل إلى التفوق الصيني في بناء السفن ومحاولات واشنطن لموازنته، وصولا إلى القيود التجارية وتوقعات الردود المقابلة، مما يضعنا أمام السؤال الأهم، وهو هل نحن أمام تصعيد جديد في الحرب التجارية أم احتكاك اقتصادي يدار ضمن قواعد هذا الاستقرار؟
لا ينبغي أن يقتصر بناء المعرفة اللغوية على تلبية الاحتياجات الدفاعية، فضعف برامج اللغات المدنية، يفقد واشنطن المعرفة الثقافية والتاريخية والسياسية والاجتماعية اللازمة لفهم الصين
بواسطة شينغ يو وانغ
توافق لغوي واختلاف جوهريبحسب ما أوردته صحيفة ساوث تشاينا مورنينغ بوست ، ظهر مفهوم "الاستقرار الإستراتيجي" في بيانات الجانبين عقب لقاء الرئيسين في بكين في مايو/أيار الماضي، لكن بصياغتين مختلفتين تعكسان تباينا في الدلالة والرؤية.
فقد قدم البيت الأبيض العلاقة على أنها "بناءة على أساس الإنصاف والمعاملة بالمثل"، بينما اكتفت بكين بوصفها "علاقة ثنائية بناءة للاستقرار الإستراتيجي".
وتشير الصحيفة إلى أن هذا الاختلاف اللغوي ليس تفصيلا شكليا، بل يعكس فجوة أعمق في تفسير النوايا الإستراتيجية، إذ يرى محللون أن اللغة الصينية الرسمية "غامضة بشكل مقصود" بما يمنح القيادة مرونة سياسية، في حين تعاني واشنطن من صعوبات متزايدة في تفسير الخطاب الصيني بسبب تراجع قدراتها في الكوادر اللغوية والمعرفية.
إعلانووفقا لكايل تشان، الباحث في مركز جون إل ثورنتون الصيني في معهد بروكينغز "فإن تراجع الدعم الحكومي والاهتمام بين الطلاب الأمريكيين يترك فجوة كبيرة في القدرات اللغوية الصينية"، ويؤيده في هذا الرأي شينغ يو وانغ، الباحث في معهد سياسات جمعية آسيا ، الذي يشير إلى أهمية اتباع نهج أوسع لبرامج اللغة.
ويقول إنه "لا ينبغي أن يقتصر بناء المعرفة اللغوية على تلبية الاحتياجات الدفاعية فقط، فإذا ما ضعفت برامج اللغات المدنية، فقد تفقد واشنطن المعرفة الثقافية والتاريخية والسياسية والاجتماعية الأوسع اللازمة لفهم الصين كنظام متكامل".
تصعيد أم احتكاك مدروسفي السياق ذاته، أفادت صحيفة ساوث تشاينا مورنينغ بوست أن الولايات المتحدة تقترب من فرض إطار جديد لتعريفات جمركية عالمية، قد يشمل نحو 60 اقتصادا تمثل 99% من وارداتها، ويستند هذا التوجه إلى أدوات قانونية أكثر مرونة مثل المادة 301، بما يسمح بفرض رسوم موجهة وقابلة للتوسع.
وترى أليسيا غارسيا هيريرو، كبيرة الاقتصاديين لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ في بنك الاستثمار الفرنسي ناتيكس ، أن هذا الإطار يمثل "أداة إستراتيجية طويلة الأجل" وليس إجراءً مؤقتا، مشيرة إلى احتمال فرض رسوم إضافية أو قطاعية إذا استمرت اختلالات التجارة أو المخاوف الأمنية.
ورغم ذلك، ترجّح الصحيفة أن التأثير الفوري سيكون محدودا، وأن المسار العام يعكس "منافسة مُدارة" أكثر من كونه قطيعة كاملة، خاصة في ظل استقرار نسبي شهدته العلاقات هذا العام بعد فترة من التصعيد الجمركي المتبادل.
الإجراءات العقابية على قطاع صناعة السفن قد ترفع التكاليف على المستهلكين الأمريكيين إذا لم تقترن بإعادة بناء القدرة الإنتاجية المحلية
بواسطة ماثيو فونايول
رد مقيد وقنوات مفتوحةتجمع التقديرات التي نقلتها الصحيفة على أن بكين ستتجه إلى ردود "مقيدة ومدروسة"، تشمل تعريفات مستهدفة أو قيودا غير جمركية أو ضوابط على الصادرات، مع الحفاظ على قنوات التفاوض لتجنب تداعيات اقتصادية أوسع.
ويشير شو تيان تشن من وحدة الاستخبارات الاقتصادية إلى أن الإجراءات الأمريكية الحالية لا تستهدف الصين حصرا، وأن بكين قد "تقبل إلى حد كبير" هذه الرسوم إذا بقيت ضمن حدود معينة. ويضيف أن أي رد صيني سيكون "رمزيا في جوهره"، وقد يستخدم كورقة ضغط للحصول على تنازلات أمريكية في ملفات أخرى.
وتظل قضية "العمل القسري" أحد محاور الخلاف المستمرة منذ الولاية الأولى لترمب، حيث تستخدمها واشنطن لتبرير القيود التجارية، وهو ما يعزز الطابع السياسي للنزاع التجاري بين البلدين.
في موازاة ذلك، تبرز صناعة بناء السفن كجبهة جديدة في التنافس، وتفيد ساوث تشاينا مورنينغ بوست أن الكونغرس الأمريكي يدرس فرض تعريفات ورسوم موانئ وعقوبات تستهدف هذا القطاع، الذي بات يُنظر إليه كقضية اقتصادية وأمنية في آن واحد.
ويعكس هذا التوجه قلقا أمريكيا متزايدا من تفوق الصين، التي تستحوذ على أكثر من نصف الإنتاج العالمي للسفن التجارية، مقابل أقل من 1% للولايات المتحدة.
إعلانوأشار نواب أمريكيون، مثل النائب الديمقراطي عن ولاية كاليفورنيا آمي بيرا، إلى أن واشنطن "تتخلف أكثر فأكثر عن الصين" في هذا المجال.
وتتهم الولايات المتحدة الصين بالاعتماد على دعم حكومي لتوسيع هذا القطاع، وهو ما تنفيه بكين، مؤكدة أن تفوقها يعود إلى الابتكار والكفاءة الصناعية.
كما يحذر خبراء، مثل ماثيو فونايول، من أن الإجراءات العقابية قد ترفع التكاليف على المستهلكين الأمريكيين إذا لم تقترن بإعادة بناء القدرة الإنتاجية المحلية.
من الصدمة إلى الضغط
في المقابل، تقدم تقارير صحفية أخرى قراءة مغايرة للاتهامات الغربية، معتبرة أن مفاهيم مثل "صدمة الصين" و"الفائض الإنتاجي" وصولا إلى "الضغط الصيني" تعكس جميعها "سرديات مضللة".
وترى صحيفة تشاينا ديلي أن هذه المفاهيم تخلط بين التنافسية والممارسات غير العادلة، وتتجاهل دور الصين كمحرك للنمو العالمي، ويستشهد تقرير الصحيفة بدراسة لصندوق النقد الدولي عام 2025 خلصت إلى أن الصين ساهمت بشكل كبير في النمو الاقتصادي العالمي وتأثيراته الإيجابية.
كما تؤكد تشاينا ديلي أن صعود الصين الصناعي يستند إلى عوامل هيكلية مثل الاستثمار في البنية التحتية والتعليم والابتكار، وأن اندماجها في سلاسل القيمة العالمية يخلق فرصا للدول النامية بدلا من إقصائها.
في ضوء هذه المعطيات، توحي الصحف الصينية بأن العلاقات التجارية بين الصين والولايات المتحدة تتجه نحو نموذج هجين متشكل من تصعيد محسوب ضمن إطار "استقرار إستراتيجي"، إذ بينما تطور واشنطن أدوات ضغط أكثر مرونة واتساعا، تستعد بكين لردود انتقائية تحافظ على التوازن وتتفادى الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
وحيث تتوسع ساحات التنافس لتشمل قطاعات إستراتيجية كصناعة السفن والتبادلات البحثية والعلمية، يبقى العامل الحاسم هو قدرة الطرفين على إدارة هذا الاحتكاك دون تقويض الاستقرار الاقتصادي العالمي، وهو ما تعكسه الدلالات اللغوية التي تؤكد التنافس وتقيّده في آن واحد.