التفتيش عن حياة الكتَّاب في أعمالهم!
تاريخ النشر: 28th, January 2026 GMT
في عام 2003 فوجئ القاص العماني يحيى سلام المنذري باستدعائه من قبل مركز شرطة "بوشر". أخبروه أن هناك شكوى تقدم بها ثلاثة أشقاء يزعمون أن قصته "ضجيج البيت الكبير" تسيء لهم!
ولأن القضية غريبة ولم تمر على مركز الشرطة سابقاً حوَّلوها إلى الادعاء العام ومنه إلى المحكمة، كان على يحيى أن يدافع عن نفسه فجأة ضد اتهامات لا تخطر له على بال، حتى أن الشاكين قالوا إنهم يعيشون في نفس المكان بالقصة!
ليس يحيى سلام وحده مَن وجد نفسه في هذا الموقف الغريب، الكاتب المصري الراحل صنع الله إبراهيم عانى من تفسير عائلته لروايته "تلك الرائحة"، فقد تعاملوا مع الراوي على أنه صنع الله، وبما أن الراوي يتعرض لانتهاك جسدي في السجن، فهذا يعني أنه أيضاً مَن تعرض لذاك الانتهاك!
الكاتب السوري خليل صويلح أيضاً فوجئ بقصة له تتحول إلى ما يشبه فضيحة في قريته.
هذه الوقائع وغيرها تدفعنا للتساؤل عن سبب محاولة نبش الأعمال الأدبية بحثاً عن دليلٍ لإدانة أصحابها، ولماذا ينظر القراء العرب لضمير "الأنا" باعتباره يخص الكاتب؟
الكاتب العماني سعيد الحاتمي نشر في ملحق "أقاصي" مجموعة من النصوص القصيرة جداً بعنوان" مشاهد صباحية في سوق عبري"، وكانت في أحد النصوص جملة حوارية على لسان شخص في حالة سُكْر يلتقي بشخص لا يعرفه في الشارع، ويدور بينهما حوار قصير، وفوجئ بعد أسبوع بأن شخصاً ما تقدم بشكوى إلى مركز شرطة "عبري" ضده ويزعم أنه تعرض له في النص وأهان كرامته.
أسأله: هل تأويل قصتك بشكل خاطئ أوجد نوعاً من الرقابة الذاتية لديك أم تجاوزت الأمر ببساطة؟
ويجيب: "لا شك أن ما حدث شكل لي صدمة وقتها، ولا أقصد بالصدمة هنا هو ذلك المستوى النفسي من التأثر، وإنما أقصد بها ذلك الحدث الذي يقول لك: عليك أن تنتبه لاحقاً. ففي خضم الحماس للكتابة آنذاك لم يكن أحدنا يشعر باحتمال وجود مطبات أو يخشى من اقتحام تابوهات، لكن انتبهنا بعد تلك التجربة الصعبة.
لقد جرت في مرحلة مبكرة من عمري الأدبي، وترددت كثيراً على جلسات المحاكمة ومن ثم واجهت الحكم بالسجن وجربته قبل استئناف الحكم والحصول على البراءة في مرحلة لاحقة، ولا أخفيك سراً أن تجربة السجن وإن كانت يومين فقط إلا أنها كانت كافية لتلفت انتباهي إلى فخاخ يجب أن أنتبه لها في المرات القادمة أثناء الكتابة".
ويضيف: "لم يقتصر الموضوع على فكرة التأويل الخاطئ، وتعداها إلى محاولة التكسب، وهذا ما تبدى لي لاحقاً.
بعد هذه التجربة أصبحت أكثر حذراً وتوجساًعن ذي قبل ونشأ ما يمكن اعتباره الرقابة الداخلية على النص وبدأت ممارسة بعض حيل لا تفسد القصة أو تعيق نموها ولكن تجعلها هلامية ولا يمكن تأويلها أو تفسيرها بشكل خاطئ وجازم. أصبحت حذراً في اختيار الأسماء وفي تمويه أي أحداث يمكن أن تتشابه أو تتماس مع الواقع".
أسأله مجدداً: في تقديرك هل عدم انتشار أدب السيرة الذاتية عربياً سببه أن الأدباء العرب لا يحبون البوح أو يخشون من النظرة الخاطئة لهم؟
يقول إن الشخصية العربية تأسست بشكل فطري على الكتمان واعتبار الحياة الشخصية أمراً مقدساً لا يجب إطلاع الآخرين عليه، ويرى أن علاقة الكاتب العربي مع السلطة غالباً ما تكون ملتبسة فهو بذلك يقع بين محذوري "مجابهة السلطة" أو "التدليس في سيرته" بحيث لا تتصادم معها.
ويضيف عاملاً ثالثاً هو عدم امتلاك الكاتب العربي الثقة في ما يمكن أن تمثله سيرة حياته من أهمية لدى الآخرين أو ما تعنيه لهم ليتجشموا عناء قراءتها، لكن الخوف من سوء التأويل يأتي كأحد أهم هذه الأسباب خاصة إذا تماس بشكل مباشر مع حياة الآخرين، لذلك نجد أن الكاتب إما قد يلجأ لكتابة سيرة ذاتية مشوهة ذات فجوات كثيرة نتيجة الحذف أو يركن إلى الحل الأسهل وهو عدم المجازفة بالكتابة من الأصل.
المتلقي على حق!
الشاعر والكاتب العماني خميس قلم تعرض بدوره لحادثة شبيهة بسبب قصة قصيرة فازت بجائزة، وسببت له قلقاً اجتماعياً وقانونياً، والموضوع لم يتصل بالتأويل أو الإسقاط بل إن شريحة استقبلوها بسوء طوية، وحملوا - حسب تعبيره - أثقالاً خارجية للنص لا مبرر لها داخله، مستدركاً: "وأنا أعذرهم لجموح شخصيتي حينئذ".
هل سبَّبت لك الواقعة نوعاً من الفوبيا؟ يجيب: "نعم، جفلت بسبب سلوكهم فترة عن الكتابة والتفاعل الثقافي، لكن المرض الذي لا يقتلك يكسبك مناعة، لذلك عدت بحذرٍ أكبر بل انتفعت من الأزمة في إدارة نصوصي بلغة تتجاوز المباشرة إلى الإشارة، وذلك مطمح فني، فشكراً لهم".
يرى خميس أن المتلقي على حق، فلا يمكن فصل الكاتب عن نصه فصلاً كلياً، فالنص امتداد لتجربة الشاعر، ليس التجربة الشخصية بل التجربة المعرفية الأوسع بمعنى أن الكاتب لا يكتب ما عاشه فحسب، إنما ما اتصل بوعيه من تجارب الآخرين، إذ هو يخطر في أفكارهم ضمن حيز فكره، راصداً، متسائلاً، محللاً للأحداث والهواجس والمشاعر وحتى الخيالات المفترضة، ومن جهة أخرى، لا ينصف المتلقي ذوقه حين يُسقط آثار النص على حافر الكاتب، دون مراعاة لأصول الفن.
يحكي: "الطريف أن أحد الزملاء الكتَّاب، بعد أن قرأت له قصيدة اسثمرت فيها رمز الأم/فلسطين، والأب/التاريخ، الطفولة/المستقبل، أقول فيها:
ملائكة وشياطين ترقص في داخلي
وأمي تبيع أبي وطفولتنا للغريب
وتبكي على كل سرب يهاجر.
سألني بحزن: خميس، هل تعاني من مشاكل عائلية؟!".
يعلق: "إذن الخلط ليس من القراء فقط، وإذا كان سؤال "لماذا؟" مهماً في البحث عن تشخيص سبب خلط بعض القراء بين أنا الكاتب وأنا النص، فإن الأهم هو سؤال كيف؟ الباحث عن حلول لتجنب ذلك الخلط، وإلى ذاك يذهب الساردون إلى تصدير قصصهم بعبارة: "إن الشخصيات والأحداث من محض الخيال"، تجنباً لوجع الرأس. ورغم ذلك يبقى بعض المتصيدين يقفون آثار المؤلف في روايته. وهل يوجد نص بلا ظلٍ لكاتبه أو أثر؟!".
ويختم حديثه قائلاً: "إذن لا يستطيع الكاتب أن يتنصل من نفسه تماماً في أوراقه، لكن على القارئ أن يتفاعل مع ما يتقاطع ودوائر اهتماماته في النص دون النظر إلى كاتبه، ومَن أراد أن يقرأ عن حياة الكاتب سيجدها في سيرته الذاتية، وليس نصوصه الإبداعية".
الكاتب السوري خليل صويلح تعرض بدوره لموقف صعب بسبب قصة قصيرة نشرها في صحيفة حكومية روى له وقائعها أحد أقرباء بطل القصة، تتناول جريمة شرف عن إقطاعي عمل على إغواء إحدى العاملات في حقول القطن، وأهان حبيبها أمام الجميع، فانتقم العاشق من الإقطاعي بطلقة من بندقيته وهرب إلى العراق.
بعد عشرين عاماً قررت القبيلة أن تدفع دية لأهل القتيل، فاستيقظت وقائع الحكاية مجدداً. يحكي خليل: "كان عليَّ كرجل بالغ من العشيرة أن أدفع حصتي من الدية المقررة، بدا نشر القصة وتداولها في القرية أقرب إلى الفضيحة الشخصية، إذ اجتمع وجهاء العشيرة وقرروا كتابة رد ينفون فيه انتسابي للعشيرة، فاضطررت إلى مغادرة المكان إلى العاصمة لهذا السبب وأسباب أخرى.
سأكتشف لاحقاً أن الخطاب الشفوي وما يتداوله الآخرون عند العتبات أو في المجالس همساً لا يطاله المنع إلا حين يتحول إلى خطاب مكتوب، وكأن خطر الحكاية يكمن في تدوينها لا روايتها شفوياً. بعد هذه الحادثة ستتسلل إلى نصوصي شفويات كثيرة لكن السرد المخادع سيحميها من لائحة الاتهام أو الإدانة".
صورة مموهة
يبدأ الكاتب العراقي علي خيون بحكاية تسردها صوفيا أندرييفا زوجة الروائي الروسي ليو تولستوي في مذكراتها: "كان يقف خلف إحدى الأشجار، وسألتُه: لماذا لم تعد تكتب؟ فقال لي: يا عزيزتي، سأخبرك بأنني قبل أن أكتب أي شيء جديد، أحتاج إلى أن ألتهب بالحب، وهذا ما انتهى الآن.
قلت له بروح النكتة: يمكنك أن تقع في حبي، إن أحببت لكي تستطيع أن تكتب شيئاً ما، فقال: كلا، لقد فات الآوان"!
تلك الحكاية بحسب خيون تعبر عن حقيقة أن كثيراً من الروائيين العالميين والعرب، أدخلوا تجاربهم الحياتية ــ بما فيها المؤلمة ــ في أعمالهم الأدبية، وتعرض عدد كبير منهم لمشكلات عائلية ونفسية واجتماعية، بل إن هذا التداخل بين الحياة والكتابة يُعد سمة واضحة في تاريخ الرواية العالمية.
أما بالنسبة له، فلقد تنبه إلى هذا الأمر مبكراً، يوم كان طالباً في الإعدادية، وقد فُتن بفن القصة، ومن بين ما قرأ يومئذ، كتاباً بعنوان "فن القصة" للدكتور محمد يوسف نجم، أكد فيه أن هناك فروقاً كبيرة بين المذكرات والسيرة وفن القصة، وهي أنك في المذكرات تكتب عن نفسك، وفي السيرة تكتب عن سواك، أما في الفن القصصي والروائي فتعمد إلى تمويه الواقع، فتقدم صورة مموهة عما عشت وشفت وعلمت، لكي تعطي مساحة واسعة لخيالك المبدع.
يعلق: "الحق، أن الأمر كان محرجاً، فأنت لا تستطيع أن تفصل تجاربك عن أدبك، وهو ما وجدناه في أدب دوستويفسكي وما عانى منه حقيقة مثل الفقر والصرع والإدمان على القمار، وعند همنغواي الذي عاش حياة قاسية مليئة بالحروب والانكسارات، ونجيب محفوظ الذي تمثل أعماله الصراع الشديد بين القيم القديمة والتحولات الاجتماعية الجديدة، ولم أكن بعيداً عن هذا، نحن الجيل الذي خبرنا الحروب القاسية والملمات ووقعنا في حب غير متكافئ مرات عديدة، وكان مثالي الذي اتبعته هو الكاتب العالمي ماركيز، يبدو هادئاً رزيناً، ولكنه في الواقع كتوم وغامض إلى حد بعيد، وتجده يشيد بجهود وحضور زوجته مرسيدس بارشا.
لقد تزوجها عام 1958، ثم فوجئنا به يصدر روايته "الحب في زمن الكوليرا" خلال نفس العام، واتضح للجميع أنه خبير بالحب. وصرت مثله، تقرأ لي زوجتي سهير أعمالي من بعدي، وتشجعني، وعندما تسألني عن مصدر تلك العلاقات الصعبة، لا أقول لها سوى جملة واحدة: إنه الخيال ياعزيزتي! حدث ذلك عقب نشر روايتي "في مديح الحب الأول"، وهي عن أول تجربة حب في حياتي!".
ضرورة فنية
اضطر الكاتب العماني سليمان المعمري مرة أن يشرح بمنتهى الجدية – رغم أن الموقف برمته كان هَزَلياً بامتياز - أن إحدى شخصيات قصته "جدي والعريش" تحولت إلى قِط لضرورة فنية، وأنه حين أطلق عليها ذلك الاسم البشري لم يدُرْ بخلده قَطْ أن يظن قارئٌ للقصة يحمل الاسم نفسه أنه يقصده هو!
يستدرك: "أما تأويلات بعض شخصيات روايتي "الذي لا يحب جمال عبدالناصر" فهذه تستحق وحدها مقالاً خاصاً، يكفي أن أخبرك أنني تلقيتُ عن شخصية "رئيس التحرير" وحدها، ثلاثة تأويلات لثلاثة أسماء واقعية من ثلاثة قراء مختلفين، وفي كل مرة لا أجد إلا الصمتَ جواباً، وأنا أترحم في داخلي على قارئ "اسم الوردة" النبيه".
من يقصد سليمان بهذا القارئ؟
إنه رجل أسعَدَ إيكو بملاحظة نبيهة حول روايته، حتى أنه كتب في "حاشية على اسم الوردة": "لا شيء يواسي مؤلف روايةٍ ما سوى اكتشافه لقراءات اقترحها القراء، ولم تكن لتخطر له على بال". هذا القارئ قال لإيكو إن اسم الراهب في الرواية نيكولا دا موريموندو يُوحي لُغوياً بـ"موت العالم" وربط ذلك بجملة الراهب في نهاية الرواية: "المكتبة تحترق"!. علَّق إيكو على هذا الالتقاطة أنه حين أطلق على شخصيته هذا الاسم في مستهل الرواية لم يكن يعلم بعدُ أنها ستنطق هذه الجملة في نهايتها، وأن هذا الربط لم يكن -في الجانب الواعي منه في الأقل- مقصوداً، لكن ذلك التأويل أثرى نصه بالفعل.
يعلق سليمان: "في المقابل فإن المؤلف يشعر بحزن شديد وخيبة أمل حين يأتي قارئ ليس له نباهة وحصافة ذلك القارئ لرواية إيكو فيتعسف في تأويل حدث ما في النص السردي أو شخصية، أو حتى اسم هذه الشخصية، فيخرجه من إطاره الأدبي التخييلي إلى الواقع الصرف.
وأشدد هنا على نقطة في غاية الأهمية، وهي أن الكاتب حتى وإن أخذ شيئاً من الواقع (حدثاً ما، أو شخصية) فإنه يتحول في مَصهر الكتابة إلى شيء آخر مختلف تماماً، ومرة أخبرنا فرناندو بيسوا أن "الحقول تبدو أكثر خضرة في الوصف منها في الواقع".
قد يقول قائل لكن القارئ من حقه أن يؤول الكتابة كما يشاء ما دمتَ تُشيد بالقراءات المختلفة للنص الأدبي، وبالفعل لا اعتراض لي على أي قراءة حتى وإن لم تشبه قراءة قارئ إيكو الذكي، لكن بشرط ألا تضعني كمؤلف في موضع اتهام، لأجد نفسي مضطراً أن أدافع عن نفسي ضد خطأ لم أرتكبه".
ذاكرة بعيدة
أسأل الكاتبة السورية شهلا العجيلي: ما مقدار استفادتك من سيرتك الذاتية في أعمالك؟ وهل تلجأين إلى تمويه التفاصيل؟
تجيب: "لا شك أنني وظفت تفاصيل كثيرة منها في رواياتي، لكن لا تعني السيرة الذاتية في سياق الكتابة الروائية، أن تكون كل رواية جزءاً من حياتي الشخصية، أو أن رواية من رواياتي تمثل حياتي الشخصية، بوصفها (أوتو بيوغرافي).
ثمة عناصر محددة، يتذكرها الكاتب، أو ستقفز إلى ذهنه أثناء الكتابة من ذاكرة بعيدة، من الطفولة، وهذا كثيراً ما يحدث، لعلها شخصيات، أو مواقف، أو أحداث عرفها أو عايشها، أو شهد عليها، ولعلها مرت به مرورا ًمن غير أن يتفاعل معها، أو أن يدخل معها في علاقة حقيقية، فيعمل عليها بوصفها عنصراً بنائياً، ويطورها، وقد يخرجها من سياقها التاريخي، ويجردها ليضعها في سياق آخر، أو يستحضرها بسياقاتها التاريخية والاجتماعية ويشبكها في بنائه السردي".
بحسب شهلا يوزع الكاتب سيرته، ومعارفه، وتاريخه على شخصياته، ويوزع أحداثاً من حياته على أحداث رواياته. وكلما كانت طفولة الكاتب غنية، بالمعارف، والأحداث، والأماكن، والأشخاص، اغتنت رواياته بالتفاصيل والأزمنة والأماكن.
لابد من الإشارة في هذا الإطار إلى توافر فرصة أخرى توازي في غناها هذا التنوع، وهي فرصة التأمل والانعزال عن العالم في مرحلة ما من حياة الروائي، والتواصل مع عالمه الداخلي من غير مؤثرات، نتيجة ظرف معين، كالحرب، أو المرض، أو الفقد، ولعل فرصة كهذه تمكنه من فهم معنى الحياة وإدراك مغزاها، والتعرف إلى سيرورتها برؤية مغايرة للسابق، وهذا بالضرورة سيغير في عناصر كتابته، في اللغة، والبناء، والرؤية، وتشكيل الأحداث، ومنح أبعاد جديدة للشخصيات، وهذا ما حدث معها في عمليها "سماء قريبة من بيتنا" و"صيف مع العدو".
وتقول: "يمكنني هنا أن أقدم مثلاً عن روايتي "سجاد عجمي"، إذ تعود أحداثها إلى أواخر القرن الثالث الهجري، لكن العديد من هذه الأحداث التي تمر بها شخصياتها، بما فيها حواراتهم، هي لشخصيات عرفتُها في محيطي الاجتماعي، لا سيما ما يتعلق برؤية النساء إلى العالم، فثمة في الأدب ما يجمع الحقب وناسها بعضهم إلى بعضهم الآخر، وهو ما يسمى بـ(الأغراض المستمرة)، وهذا ما عالجه الشكلانيون الروس في وقت مبكر من القرن العشرين، فالحب، والكره، والرغبة في التحرر، والخيانة والوفاء، هذا كله سيبقى، بوصفه جوهراً، محركاً للبشر، وقد تتغير الأدوات، والوسائل، والصور، لكن حين يعالج الروائي إشكاليات أبطاله، سيمسك بالجوهر أولاً، ليتمكن بعدها من بناء علاقاته الروائية.
فخ السيرة
ماذا عن الرأي الأكاديمي؟
يقول الناقد المصري الدكتور عادل ضرغام إن الكتَّاب يعتمدون غالباً في بداية حياتهم الإبداعية على سيرهم الذاتية، لأنها ربما تقدم نمطاً شبه جاهز، يمكن الاستناد إلى خطواته ومرتكزاته في بناء عمل روائي في ظل ملكة كتابية ربما تكون غير مكتملة. ولكن ذلك ليس قانوناً، فإذا تأخر إصدار الكاتب لعمله الأول أو تكوَّن لديه وعي موضوعي خاص قائم على الرصد وليس على التعبير، يمكن أن يتجاوز هذه المرحلة دون توازيات مع نثاراته الواقعية السيرية.
في كل ذلك – والكلام لضرغام - سواء ظهرت السيرة في شكل نثارات واقعية أو مرتكزات أو محطات للحركة، أو جاءت مرتبطة بوعي تهويمي تعبيري أو موضوعي تجريبي، لا يمكن للكاتب أن ينجو من سيرته الذاتية، لأنها تشكل مساحة الإدراك الذاتية الأولى التي تنسحب على الموضوعي بالتدريج.. يقول إيكو: "سيرتي الذاتية في رواياتي"، وهذا معناه أن كل رواية أو أي عمل موضوعي روائي أو سردي يحمل جانباً من سيرة كاتبها، وإن كانت روايته "الشعلة الغامضة للملكة لوانا" تُعتبر أقرب أعماله الروائية اقتراباً من سيرته الذاتية في التفاتها إلى الجيل الذي ينتمي إليه، وتكوينه الخاص في ظل سطوة إعلامية فاشية.
أما ارتباط ضمير الأنا بالإسقاط على الكاتب فهذا يعود إلى لحظة ماضية ترتبط بالمجتمع العربي، كما يرى ضرغام، وعنايته بالتلصص والكشف في مقابل الستر والإخفاء الذي يشكل جزءاً من جزئيات هويته على مر العصور، وكأن الكشف عن ترابط ما بين الكاتب وشخصية ما في النص يمثل اكتشافاً له قيمته في سياق مجتمع ما يزال قابعاً داخل حدود الستر والإخفاء والقمع.
وربما يعود الأمر في حد ذاته إلى طبيعة القص العربي في بدايته وطبيعة النظرة إليه، وارتباطه بالنماذج، خاصة النماذج التي تخرق (التابو) في تجلياته العديدة، فارتبط الأمر في ذهن القارئ العربي بحتمية الربط بين المؤلف والشخصية ارتباطاً نابعاً من حدود هذه العقلية التي لم تحقق انتصاراً للحرية الفردية.
يضيف ضرغام أن مجتمعنا لا يزال لديه خلل في مساحة الحرية الذاتية، فحريتنا الفردية مقهورة، لا تتحقق كاملة، وقد يصلح ذلك تفسيراً لقلة أعمال السيرة الذاتية في أدبنا العربي بشكل عام، وقلة الأعمال التي تحكي بصدق عن إشكالياتها وعقدها ونواقصها.
فباستثناء أعمال قليلة لطه حسين ولويس عوض وشريف حتاتة وسهيل إدريس ومحمد شكري لم يقدم الأدب العربي سيرة صادقة تمام الصدق. فهناك مجالات أو مساحات للإخفاء، ومساحات للتجمل، وفجوات يشعر بها القارئ أثناء القراءة، بداية من سيرة ابن خلدون "التعريف"، وما جاء من سير تراثية. فالسيرة الذاتية في الأدب العربي قديما وحديثا تخشى من التلصص الذي يمارسه القارئ.
*
ثمة أسئلة أخرى يمكن أن نطرحها على قارئ هذا التحقيق: هل قرأت عملاً ذات يوم وظننت أن راويه هو المؤلف؟ وهل حقق ذلك لك نوعاً من المتعة؟ وهل يمكن أن تحاكم رواية فنياً وأنت تقرؤها وفق مازورة أخلاقية؟ وهل يغريك التفتيش عن الكاتبات أكثر من تفتيشك عن الكتَّاب؟ وهل تقرأ الأدب لفهم الحياة حياتك أم بحثاً عن النمائم في حياة الآخرين؟! إجاباتكم تكمل هذا التحقيق.
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: السیرة الذاتیة الذاتیة فی یمکن أن فی النص وهذا ما
إقرأ أيضاً:
د. أمل منصور تكتب : الأمان والونس والعفوية .. الثالوث الذي يحفظ الحب حيًا
يخطئ كثيرون عندما يظنون أن الحب يبدأ وينتهي عند المشاعر. ويخطئ آخرون عندما يعتقدون أن اللهفة هي الدليل الأكبر على الحب، أو أن الشوق وحده يكفي لبناء علاقة طويلة العمر. فالمشاعر الجميلة قد تفتح الأبواب، وقد تشعل البدايات، لكنها وحدها لا تكفي لتجعل قلبًا يستقر، ولا روحًا تطمئن، ولا علاقة تصمد أمام تفاصيل الحياة الكثيرة.
فالإنسان لا يبحث في الحب عن شخص يحبه فقط، بل يبحث عن شخص يشعر معه أنه بخير. يبحث عن شخص يهدأ في حضرته ضجيج العالم، وتخف معه وطأة الأيام، وتصبح الحياة أقل قسوة وأكثر احتمالًا.
لهذا السبب، فإن أجمل العلاقات ليست بالضرورة تلك التي بدأت بأكبر قدر من الانبهار، وإنما تلك التي استطاعت أن تمنح أصحابها ثلاثة أشياء لا غنى عنها: الأمان، والونس، والعفوية.
بين الأمان والونس والعفوية... يولد الحب الحقيقي.
الحب الذي يعيش طويلًا ليس الحب الذي يجعل القلب يخفق أكثر، بل الحب الذي يجعله يطمئن أكثر. فالخفقان حالة مؤقتة، أما الطمأنينة فهي وطن.
ولعل الأمان هو أول ما يحتاجه القلب بعد أن يتجاوز مرحلة الانبهار الأولى. فكل إنسان يحمل داخله مخاوفه الخاصة، وجروحه القديمة، وتجارب لم يخبر بها أحدًا. وكل إنسان يدخل أي علاقة وهو يتمنى، في أعماقه، أن يجد شخصًا لا يضيف إلى أوجاعه وجعًا جديدًا.
الأمان العاطفي هو أن تتحدث دون أن تخاف من السخرية. أن تعبر عن مشاعرك دون أن تشعر أنك في قفص الاتهام. أن تخبر الطرف الآخر بما يزعجك دون أن يتحول اعترافك إلى نقطة ضعف تُستخدم ضدك لاحقًا.
الأمان العاطفي هو أن تكون نفسك بلا أقنعة.
فالإنسان يتعب من التمثيل. يتعب من مراقبة كلماته، ومن حساب ردود أفعاله، ومن الخوف الدائم من أن يُساء فهمه. ولهذا فإن الراحة الحقيقية لا تأتي من الحب وحده، بل من الشعور بأنك مقبول كما أنت.
ثم يأتي نوع آخر من الأمان، ربما يكون أكثر تأثيرًا في العلاقات العاطفية، وهو أمان الاحتياج.
ذلك الشعور الجميل بأن هناك شخصًا يمكن الاتكاء عليه عندما تتعب الحياة. شخصًا لا يختفي عند الأزمات، ولا يصبح وجوده مشروطًا بظروف معينة.
أجمل ما في الحب... أن أشعر بك دون أن أطلبك.
كم من الأشخاص لا يحتاجون حلولًا لمشكلاتهم بقدر حاجتهم إلى شعور واحد فقط: أن هناك من انتبه إلى تعبهم قبل أن يشرحوه، ومن لاحظ حزنهم قبل أن يعترفوا به، ومن اقترب منهم قبل أن يطلبوا ذلك.
فالاحتياج ليس ضعفًا كما يتصور البعض، بل جزء أصيل من طبيعتنا البشرية. وكلنا نحتاج إلى من يشعر بنا، وإلى من يلتقط إشاراتنا الصغيرة التي قد لا نملك القدرة على التعبير عنها بالكلمات.
أن أجدك وقت حاجتي إليك... تلك هي الحكاية كلها.
ليست الحكاية في عدد الرسائل، ولا في كثرة الكلمات، ولا في المظاهر التي يراها الناس. الحكاية الحقيقية تكمن في ذلك الحضور الذي يأتي في اللحظة المناسبة. في ذلك الشخص الذي يظهر عندما تضيق بك الدنيا، وكأنه يقول لك: أنا هنا.
وهناك أيضًا أمان المكانة.
ذلك النوع من الأمان الذي يجعل الإنسان يعرف موقعه في قلب من يحب. فلا يعيش في حيرة دائمة، ولا في اختبارات متكررة، ولا في قلق مستمر حول قيمته عند الطرف الآخر.
فالعلاقات التي تُبنى على الشك تستهلك أصحابها أكثر مما تسعدهم. والإنسان لا يستطيع أن يمنح الحب وهو منشغل طوال الوقت بالسؤال: هل ما زلت مهمًا؟ هل ما زلت مرغوبًا؟ هل ما زلت أحتل نفس المكانة؟
الحب الصحي لا يجعل صاحبه يلهث خلف الطمأنينة، بل يمنحه إياها.
ثم يأتي أمان الضعف.
وهذا من أجمل أنواع الأمان وأندرها.
أن تسمح لنفسك بأن تكون هشًا أمام شخص ما، وأنت مطمئن أنه لن يكسرك. أن تكشف له مخاوفك وأحزانك ونقاط ضعفك، وأنت واثق أنها ستكون في أيدٍ أمينة.
فالناس يحبون من يشاركونهم لحظات القوة، لكن العلاقات العميقة تُبنى في لحظات الضعف.
في اللحظة التي تسقط فيها كل الأقنعة، ويبقى الإنسان على حقيقته.
لكن الأمان وحده لا يكفي.
فالعلاقة قد تكون آمنة، لكنها جافة. مستقرة، لكنها بلا روح. وهنا يأتي العنصر الثاني من هذا الثالوث الجميل: الونس.
الونس ليس كلمة عابرة، بل حاجة إنسانية عميقة.
فقد يعيش الإنسان وسط عشرات الأشخاص، ويظل يشعر بالوحدة. وقد يجلس مع شخص واحد فقط، فيشعر أن العالم كله أصبح أخف.
أحبك لأنني أرتاح في حضرتك.
وربما تكون هذه الجملة من أصدق تعريفات الحب.
فالراحة ليست أمرًا بسيطًا كما يظن البعض. الراحة أن تتمكن من الحديث دون تكلف. وأن تصمت دون حرج. وأن تشعر أن وجودك مرحب به دائمًا.
هناك ونس الحديث، عندما يصبح الكلام سهلًا وعفويًا، وتمضي الساعات دون شعور بالملل.
وهناك ونس الحضور، وهو أعمق من الكلام نفسه. فبعض الأشخاص يكفي وجودهم ليخفف عنك ما لا تستطيع الكلمات تخفيفه.
وهناك ونس المشاركة. أن تجد شخصًا يريد أن يشاركك تفاصيل يومه، ويسأل عن تفاصيل يومك، وكأن ما يخصك يخصه أيضًا.
وهناك ونس الصمت.
نعم، الصمت.
فمن علامات العلاقة الناضجة أن يصبح الصمت مريحًا لا محرجًا. أن يجلس شخصان معًا دون حاجة دائمة إلى ملء الفراغ بالكلمات.
أما العنصر الثالث فهو العفوية.
العفوية هي الروح التي تمنع الحب من التحول إلى واجب ثقيل.
العفوية هي الضحكة التي تخرج دون تخطيط، والكلمة التي تُقال من القلب مباشرة، والاهتمام الذي يأتي بلا حسابات معقدة.
العلاقات التي تفقد عفويتها تفقد شيئًا من جمالها كل يوم.
فالإنسان لا يريد أن يشعر أنه يتعامل مع مشروع إداري، أو مع معادلة حسابية دقيقة. يريد أن يشعر أنه مع إنسان حقيقي، يتصرف بطبيعته، ويعبر عن مشاعره دون خوف أو تصنع.
كم من علاقة بدأت جميلة ثم أرهقتها الحسابات الدقيقة؟
من اتصل أولًا؟
ومن اعتذر أكثر؟
ومن بادر أكثر؟
ومن أعطى أكثر؟
فتتحول المشاعر إلى دفاتر حسابات، ويتحول الحب إلى عملية مراجعة مستمرة للأرصدة العاطفية.
العفوية لا تعني الفوضى، لكنها تعني الصدق.
والصدق دائمًا أكثر جمالًا من الكمال المصطنع.
ولذلك فإن أجمل العلاقات هي تلك التي تسمح للطرفين بأن يكونا على سجيتهما، دون خوف من الأحكام أو الانتقادات أو المقارنات.
ومن هنا نصل إلى حقيقة مهمة يغفل عنها كثير من الناس.
ما الذي يجعل شخصًا يكبر في قلبنا كل يوم؟
ليس الشكل وحده.
ولا الكلمات وحدها.
ولا البدايات المبهرة وحدها.
الذي يجعل شخصًا يكبر في القلب هو طريقته في التعامل معنا.
فالناس في العلاقات نوعان لا ثالث لهما.
هناك شخص نحبه كثيرًا منذ البداية. ندخل معه العلاقة ونحن نحمل له مشاعر كبيرة، وتوقعات كبيرة، ومكانة كبيرة. ثم تبدأ الأيام في كشف طريقة تعامله، فنفاجأ بأن الحب الذي كان يملأ القلب بدأ يتراجع تدريجيًا.
ليس لأن المشاعر كانت كاذبة.
بل لأن المعاملة كانت أقوى من المشاعر.
وهناك شخص آخر لا يبدأ القصة بنفس القدر من الانبهار. قد تكون مشاعرنا نحوه عادية، أو متوسطة، أو هادئة. لكنه مع الوقت يكبر في القلب بشكل مدهش.
يكبر لأنه كان حاضرًا عند الحاجة.
ويكبر لأنه منحنا الأمان.
ويكبر لأنه كان مصدر ونس.
ويكبر لأنه تصرف بعفوية وصدق.
فيتسلل إلى أعماق القلب خطوة خطوة، حتى يحتل مكانة لم يكن يتوقعها أحد.
وهنا تكمن إحدى أهم الحقائق النفسية في العلاقات الإنسانية.
القلوب لا تحتفظ بحبها بناءً على الانطباع الأول فقط، بل بناءً على التجربة اليومية المتكررة.
فنحن لا نحب الأشخاص بسبب ما وعدونا به، بل بسبب ما جعلونا نشعر به.
نحب من جعلنا أكثر اطمئنانًا.
ونقترب ممن جعلوا الحياة أخف.
ونتمسك بمن منحونا الشعور بأننا لسنا وحدنا في مواجهة العالم.
لهذا السبب يبقى الأمان والونس والعفوية أعمدة الحب الحقيقية.
فالأمان يجعل القلب يستقر.
والونس يجعل الروح تبتسم.
والعفوية تجعل العلاقة تحتفظ بنبضها وجمالها.
أما الحب الذي يخلو من هذه الثلاثة، فقد يبقى اسمًا للحب، لكنه يفقد الكثير من معناه.
فالإنسان في نهاية المطاف لا يبحث عن شخص يثير مشاعره فقط، بل عن شخص يشعر معه أنه في بيته. شخص لا يحتاج معه إلى الحذر، ولا إلى التمثيل، ولا إلى شرح كل ما يشعر به.
شخص يستطيع أن يقول له العالم كله: أنت وحدك، بينما يخبره حضوره الصادق أنه ليس وحده أبدًا.
وهذه، في رأيي، هي أجمل صورة للحب، وأصدقها، وأبقاها.
ومادام هذا الثالوث حاضرا يبقي الحب قادرا علي مقاومة الزمن .لأن القلوب لا تتعب من الحب بقدر ماتتعب من غياب مايجعل الحب جديرا بالبقاء .