ما يجب أن تفكر فيه الشركات بعد دافوس
تاريخ النشر: 28th, January 2026 GMT
ترجمة: قاسم مكي
قبل قرن ذكر الاقتصادي فرانك نايت في كتاب بعنوان «المخاطرة وعدم اليقين والربح» أن بعض الحقب التاريخية تتشكل بمخاطر يمكن قياسها بينما تعاني حقب أخرى من عدم يقين لا يمكن سبر غوره. (الفكرة التي جادل نايت بشأنها في كتابه المذكور هي أن الربح الحقيقي والوفير للمستثمر يتحقق بالمجازفة في أوضاع عدم اليقين المطلق وليس بالدخول في المخاطر المحسوبة- المترجم.
هذا التمييز (بين بيئتَي استثمار مختلفتين) شكل هاجسًا في منتدى دافوس الاقتصادي هذا الشهر. نُخَب دافوس عموما ماهرة في قياس المخاطر الاقتصادية والمالية. والبعض منها يبني أيضا النماذجَ البيئية كنموذج التنبؤ بالطقس المتطرف. لكن قليلين من يشعرون أنهم على استعداد التعامل مع عدم اليقين المحلي والجيوسياسي الحالي والذي يفاقمه تغير تكنولوجي غير مسبوق.
فقط فكروا فيما حدث خلال الأيام القليلة الفائتة. بدأ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالتهديد بغزو جرينلاند وفرضِ رسوم جمركية، ثم بدا إنه يتراجع. والآن كشف عن «مجلس سلام» محيِّر.
شكا مسؤول عن المخاطر بشركة منتجات صيدلانية كبرى من أنهم لا يرون «أية نهاية لهذا الاضطراب.» وأضاف «في الحقيقة نحن نتوقع أن يزداد.»
إذن كيف يمكن لرؤساء الشركات أو المستثمرين تفكيك كلَّ «عدم اليقين» هذا؟ قياسا بالثرثرة الجانبية في دافوس (والتي كثيرا ما كانت تبدو أشبه بجلسة تشاورية لكبار التنفيذيين في احدى الشركات) هنالك أربعة دروس أساسية يمكن الاستفادة منها.
أولها، وهي الأكثر وضوحا، أخذُ ما قاله رئيس الوزراء الكندي مارك كارني على محمل الجد. فقد أعلن أننا نواجه «تصدُّعا» جيوسياسيا. عمليا يعني ذلك انبعاثَ الشعبوية والحمائية والنزعة الوطنية المتطرفة (أو القومية) بطرائق تذكِّر بالسنوات المضطربة بين الحربين العالميتين، كما ذكرت كريستين لاجارد رئيسة البنك المركزي الأوروبي أمام المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس.
قاد ذلك الى إعادة ترتيب سلاسل التوريد بالنظر الى التأثير المهم للحمائية على السلع المتداولة. لكن القومية يمكن أن تؤثر على التمويل أيضا. فالتاريخ يُظهِر أن الحروب التجارية كثيرا ما تتحول الى حروب رأس المال، كما أشار راي داليو مؤسس صندوق التحوط «بريدْجواتر» قبل أيام.
والأسواق الاستهلاكية قد تتحوّل أيضا. مثلا، يوضح استطلاع جديد من مجموعة «ايدلمان» للعلاقات العامة أن المستهلكين العالميين تتزايد ثقتهم بالعلامات التجارية المحلية مقارنة بالعلامات التجارية الأجنبية.
الدرس الثاني المستفاد هو أننا يلزمنا أيضا أن نهيِّئ أنفسنا لتصاعد التدخل الحكومي والذي يتم تأطيره كرأسمالية وطنية النزعة وشعبوية. ترامب مثال على ذلك. فعلى الرغم من أن قضية جرينلاند حازت على معظم الاهتمام من خطابه في دافوس لكن ما كان لافتا احتفاؤه بخطط فرض ضوابط جديدة على الاستثمار في العقارات الأمريكية ورسوم بطاقات الائتمان.
هذا أعقب تحركاتٍ مؤخرا من البيت الأبيض للتدخل في سوق الأوراق المالية المدعومة بالرهونات العقارية وكذلك قطاعات التعدين والطاقة والدفاع لأسباب شعبوية وقومية وأمنية على التوالي.
يقول الاقتصادي نورييل روبيني شاكيا «هذه رأسمالية دولة مرفوعة للقوة اثنين. نحن نتحول الى بلد مثل الصين.» ويرى أن ذلك يفوق أي شيء وعد به زهران مامداني عمدة نيويورك الذي نعت نفسه بأنه «اشتراكي.»
البلدان الأوروبية لم تتجه الى تقليد ترامب حتى الآن. لكن هذا النوع من الرأسمالية ذات النزعة الوطنية والشعبوية يمكن أن تنتشر بسهولة. والشركات يلزمها على وجه السرعة أن تعرف كيف تحصل على «رخصة حكومية وشعبية» لكي تعمل، كما أخبرتني نايري وودز رئيسة مدرسة «بلافاتنك» للحكم بجامعة أكسفورد.
الدرس الثالث للرؤساء التنفيذيين هو أن لا أحد يمكنه الاكتفاء بالأفكار المألوفة والمريحة والتي يتكرر تداولها.
لننظر كمثال واحد لذلك الى حكاية توربينات الرياح. ففي عام 2021 أعد الإعلامي الأمريكي تكر كارلسون فيلما وثائقيا يهاجم التوربينات معتبرا إياها اختراعا أوروبيا شريرا. قلة من النخب الليبرالية اهتمت بذلك أو حتى علمت به. فأنظمتنا الإعلامية اليوم تتسم بانغلاق «قَبلِي» ضيّق يحدّ من تداول المعلومات.
لكن يوم الأربعاء 22 يناير ترامب نفسه صدم الحضور بحديثه الحاد عن تلك التوربينات. الدرس المستفاد من ذلك؟ لا تتجاهل أي شيء تقوله الشخصيات السياسية مهما بدا حديثها غريبا أو غير لائق.
أو إذا استشهدنا بما قالته وودز مرة أخرى «في حين من الطبيعي أن يتشبث البشر بمن يشبهونهم في الأوقات التي ينعدم فيها اليقين نحن نحتاج أن نفعل العكس والقبول بالمزيد من التنوع الفكري. «
الدرس الرابع المستفاد هو أننا يجب ألا يسيطر علينا التشاؤم حتى إذا كان ذلك ردَّ فعل بشري آخر لانعدام اليقين. بالنسبة لمسؤولي الشركات أو المستثمرين تجاهل المخاطر (الاحتمالات) الايجابية لا يقل خطورة عن إهمال المخاطر (الاحتمالات) السلبية.
لننظر في الولايات المتحدة مرة أخرى. عندما «قطع» ترامب مع السياسات القائمة قبل عام استثار بذلك توقعاتٍ اقتصادية كئيبة. لكن وكما تباهَي في دافوس، الاقتصاد الأمريكي يزدهر في عام 2026 ويعود ذلك الى مزيج من الحوافز النقدية والمالية والإجرائية.
ما هو لافت بقدر أكبر إبلاغُ المسئولين الأمريكيين الحضورَ في دافوس بأن النمو السنوي سيصل قريبا إلى معدل 5%. قد يكون هذا شططا في التفاؤل. فرؤساء شركات عديدون يتهامسون الآن حول تباطؤ النمو لاحقا في هذا العام. لكن هذا الاتجاه يظهر مخاطر تجاهل السيناريوهات الإيجابية.
وهذا هو السبب في أن كل الرؤساء التنفيذيين تقريبا الذين تحدثت معهم مؤخرا لا يخططون لتجنب الاستثمار في الولايات المتحدة مهما كان رأيهم في السياسة، ولماذا يقول لي كبار المستثمرين إنهم لن يتخلصوا من الدولار حتى إذا تحوَّطوا بالذهب.
بعبارة أخرى، الرد العقلاني الوحيد على الاضطراب الذي أثاره ترامب في دافوس هو التنويع بشدة والخروج من فقاعة الأفكار المألوفة والمريحة واللجوء الى الخيال عند التفكير في المستقبل. ثم بعد ذلك قراءة كتاب «المخاطرة وعدم اليقين والربح» لمعرفة أنها ليست المرة الأولى التي واجهت فيها البشرية مثل هذا التحدي وتخطته وتمكنت من النجاة.
جيليان تيت كاتبة رأي وعضو هيئة التحرير بصحيفة الفاينانشال تايمز
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: عدم الیقین فی دافوس
إقرأ أيضاً:
إطلاق مبادرة "ساس للتميز" لتعزيز تنافسية الشركات التقنية العُمانية عالميًا
◄ الشيذاني: المبادرة تدعم توطين التقنيات وتعزيز نمو الصناعة الرقمية الوطنية
◄ العويني: دعم "المالية" للمبادرة ترجمة لتكامل جهود تحقيق "عُمان 2040"
◄ المعمري: المبادرة تمنح الشركات المحلية أولوية في بعض التعاقدات الحكومية
◄ السعدي: المبادرة تدعم رؤية "العمل" لتحويل الكفاءات العُمانية إلى قوة منتجة تقود الاقتصاد الرقمي
◄ اللواتي: بنك التنمية ملتزم بإنجاح المبادرة عبر حلول تمويلية مُحفِّزة
◄ العبري: "تنمية نفط عُمان" ملتزمة بتمكين الشركات التقنية العُمانية الواعدة
مسقط- الرؤية
أطلقت وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات مبادرة "ساس للتميز"، وذلك ضمن برنامج "ساس" لدعم الشركات التقنية، بالشراكة مع وزارة المالية، ووزارة العمل، وجهاز الاستثمار العُماني، وهيئة المشاريع والمناقصات والمحتوى المحلي، وشركة تنمية نفط عُمان، وبنك التنمية؛ بهدف تمكين الشركات التقنية العُمانية من تطوير حلول محلية قابلة للنمو والتوسع عالميًا، وضمن مساعي الوزارة لتعزيز السيادة الرقمية وتوطين التقنيات وبناء صناعة رقمية عُمانية ذات قيمة مضافة.
وتُركِّز المبادرة على تعزيز الاكتفاء الرقمي المحلي عبر دعم الشركات التقنية الوطنية لتطوير وامتلاك منتجات وخدمات رقمية ذات قيمة مضافة، بما يسهم في ترسيخ السيادة الرقمية وتعزيز المحتوى المحلي، وبناء قاعدة شركات عُمانية قادرة على المنافسة في الأسواق الإقليمية والعالمية.
وقال سعادة الدكتور علي بن عامر الشيذاني وكيل وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات للاتصالات وتقنية المعلومات إن المبادرة تسهم في دعم توطين التقنيات وتعزيز الصناعة الرقمية الوطنية من خلال تمكين الشركات التقنية العُمانية من تطوير وامتلاك حلول ومنتجات رقمية محلية، وبناء قدراتها التنافسية بالاعتماد على الكفاءات الوطنية، بما يعزز السيادة الرقمية والاكتفاء الرقمي المحلي، ويدعم نمو الشركات الناشئة والشركات التقنية الوطنية لتصبح قادرة على المنافسة والتوسع إقليميًا وعالميًا.
وأضاف سعادته أن المبادرة تجسد نموذجًا متقدمًا للشراكة بين الجهات الحكومية والمؤسسات التمويلية والاستثمارية والقطاع الخاص، بما يعزز تكامل الأدوار وتوحيد الجهود لبناء منظومة تقنية وطنية قادرة على الابتكار والنمو والتوسع عالميًا، وتحقيق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني، وتعزيز المحتوى المحلي الرقمي.
وأوضح الشيذاني أن مبادرة "ساس للتميز" تركز على اختيار شركات تقنية عُمانية وفق معايير وضوابط محددة ومن ثم منحها مجموعة من المزايا والحوافز لتسريع نموها وتعزيز قدراتها التنافسية للتوسع في الأسواق الإقليمية؛ حيث يشتمل ساس للتميز على حزمة من الأدوات والبرامج الداعمة التي تساعد الشركات التقنية العُمانية على تطوير منتجاتها وخدماتها التقنية، وفتح أسواق خارجية جديدة، بما يعزز حضور الشركات العُمانية عالميا.
وأضاف سعادة الدكتور علي بن عامر الشيذاني أن "ساس للتميز" ستعطي الأولوية للشركات العُمانية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني وتطوير وتصميم الأنظمة الإلكترونية والتقنيات الناشئة حيث ستحصل الشركات التي يقع عليها الاختيار على حزمة من أدوات الدعم، أبرزها: دعم الأجور لما يصل إلى 40 موظفًا عُمانيًا لكل شركة، وتوفير السيولة النقدية للشركات بما يصل إلى مليون ريال عُماني لكل شركة، إلى جانب ميزات تنافسية في مناقصات المؤسسات والشركات الحكومية.
من جهته، أكد سعادة محمود بن عبد الله العويني أمين عام وزارة المالية أن دعم الوزارة لمبادرة "ساس للتميز"، التي تتبناها وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات، يأتي في إطار تكامل الجهود لتحقيق مستهدفات رؤية "عُمان 2040" لتطوير قطاع تقنية المعلومات، باعتباره الممكن الأول لقطاعات التنويع الاقتصادي في الخطة الخمسية الحادية عشرة، ولما يتيحه من فرص واعدة لاستقطاب الاستثمارات الأجنبية والمحلية. وأشار سعادته إلى أن دعم هذه المبادرات يأتي إيمانًا بقدرات وكفاءة الشركات العُمانية للوصول إلى مستويات عالية من التنافسية والتوسع في الأسواق الإقليمية والعالمية.
فيما أوضح سعادة المهندس بدر بن سالم المعمري رئيس هيئة المشاريع والمناقصات والمحتوى المحلي أنه بناء على مبادرة ساس للتميز ستُمنح الشركات المحلية في تقنية المعلومات المتوافقة مع معايير محددة، أولويةً في بعض المنافسات والتعاقدات الحكومية بهدف دعم التحول التقني وتعزيز الابتكار ورفع كفاءة الخدمات والمشاريع.
من جانبه، أوضح عمار بن سالم بن جميل السعدي مدير عام المديرية العامة للعمل بوزارة العمل والمتحدث الرسمي للوزارة عن قطاع شؤون العمل أن مبادرة "ساس للتميز" تجسد رؤيتها في تحويل الكفاءات العُمانية إلى قوة منتجة تقود الاقتصاد الرقمي، من خلال دعم الشركات التقنية الوطنية وتمكينها من النمو والتوسع؛ بما يعزز حضور سلطنة عُمان على خارطة الابتكار والتقنية إقليميًا وعالميًا، ويرسخ مكانتها بوصفها أرضًا تصنع المستقبل ومركزًا صاعدًا للاقتصاد المعرفي والتقني.
وأكد حسين بن علي اللواتي الرئيس التنفيذي لبنك التنمية أن مبادرة "ساس للتميز" تمثل خطوة وطنية لدعم الشركات التقنية العُمانية الواعدة وتعزيز قدرتها على المنافسة إقليميًا وعالميًا، مشيرًا إلى التزام البنك بدور محوري في إنجاح المبادرة من خلال تقديم حلول تمويلية محفزة وإجراءات مبسطة تتواكب مع احتياجات قطاع التقنية، وتسهم في ترسيخ بيئة أعمال داعمة للابتكار والنمو المستدام.
وقال أحمد عبدالله سيف العبري مدير الحلول الرقمية بشركة تنمية نفط عُمان تمثل مبادرة "ساس للتميز" فرصة استراتيجية لتسريع طموحات التحول الرقمي في شركة تنمية نفط عُمان، بما يتماشى مع رحلة التحول المؤسسي لعُمان، وكذلك ينسجم مع مستهدفات رؤية "عُمان 2040" في مجالات الابتكار والتنويع الاقتصادي والسيادة الرقمية. وأضاف: "نحن في شركة تنمية نفط عُمان، نؤمن بأن بناء منظومة وطنية مزدهرة للتقنية والابتكار يعد ركيزة أساسية لتعزيز تنافسية سلطنة عُمان واستدامة نموها على المدى الطويل".
وتابع العبري أن مشاركة شركة تنمية نفط عُمان في المبادرة تعكس الالتزام بتمكين الشركات التقنية العُمانية الواعدة، وتنمية الكفاءات الوطنية، وتعزيز القدرات الرقمية المحلية. ومن خلال دعم نمو الشركات التقنية القابلة للتوسع، نسهم في خلق قيمة اقتصادية مستدامة، وتوفير فرص نوعية للعُمانيين، وترسيخ مكانة عُمان كمركز إقليمي للابتكار والتميز الرقمي.
وتستند عملية اختيار الشركات المشاركة إلى مجموعة من المعايير التي تضمن جاهزيتها للنمو والتوسع، أبرزها أن تكون الشركة عُمانية 100% وتزاول نشاطًا تقنيًا منذ 3 أعوام على الأقل، وأن تحقق نسبة تعمين لا تقل عن 50% مع وجود ما لا يقل عن 15 موظفًا عُمانيا، إضافة إلى امتلاكها منتجًا أو خدمة تقنية مطورة ومملوكة محليا، وخطة واضحة للتوسع في الأسواق الخارجية، إلى جانب تحقيق معدل نمو مركب في الإيرادات لا تقل عن 15% خلال العامين الماضيين.