الإمبراطور الجديد:هل نحن أمام نسخة تجارية من الاستعمار العالمي؟
تاريخ النشر: 29th, January 2026 GMT
لا شكّ أن حرب روسيا–أوكرانيا، وما رافقها من قطع خطوط الطاقة ولا سيما “نورد ستريم”، قد وجّهت ضربة مباشرة إلى العمود الفقري للصناعة الأوروبية. فقد خسرت القارة مصدرًا رخيصًا ومستقرًا للطاقة، وانتقلت قسرًا إلى بدائل أعلى كلفة، أقل استقرارًا، وأكثر خضوعًا لشروط السوق الأمريكية من غاز مسال وأسعار وسياسات.
غير أن السؤال الأهم هو: أين يكمن الزلزال الحقيقي؟
الزلزال لا يكمن في أوكرانيا وحدها، بل في الممرات الاستراتيجية التي تمسك بخناق الاقتصاد العالمي. فلو افترضنا – وهو افتراض بالغ الخطورة – إغلاق مضيقي هرمز وباب المندب، فإن ما يقارب 80% من تجارة الطاقة العالمية سيتأثر. أوروبا ستكون من أكثر المتضررين، لكن الضربة لن تقتصر عليها؛ فالصين واليابان والهند، وحتى الولايات المتحدة نفسها – رغم احتياطاتها – ستدخل دائرة التأثر. نحن هنا لا نتحدث عن “نصر أمريكي”، بل عن كساد عالمي شامل. فأمريكا لا تزدهر في عالم يحترق، لكنها تجيد إدارة الأزمات وتحويلها إلى أدوات نفوذ.
في هذا السياق، يبرز التوجّه الأمريكي – في عهد ترامب تحديدًا – نحو فنزويلا. فهل تمثل فنزويلا البديل السحري لنفط الخليج؟ الواقع يقول غير ذلك. فمحاولات تخفيف العقوبات وإعادة دمج النفط الفنزويلي تصطدم ببنية تحتية منهكة، ونفط ثقيل يحتاج إلى كلفة معالجة عالية، ولا يمكنه أن يعوّض نفط الخليج من حيث الاستقرار أو الحجم. لذلك تبقى فنزويلا ورقة تخفيف ضغط لا بديلًا استراتيجيًا كاملًا.
في المقابل، يمثّل ترامب تيارًا أمريكيًا حقيقيًا لا يمكن تجاهله: “أمريكا أولًا”، الحلفاء يدفعون، ولا حماية مجانية. هذا التوجه لا يعني فقط ضغطًا ماليًا على أوروبا، بل تقويض فكرة “الشراكة المتكافئة”، وفتح الباب أمام إضعاف القارة وربما تفككها، وصولًا إلى إدارة القرار الأوروبي عن بُعد من المركز الأمريكي.
وإذا اتجهنا جنوبًا نحو أفريقيا، سنجد أن تراجع النفوذ الأوروبي ليس وليد اللحظة. فقد مثّل الرئيس التنزاني جوليوس نيريري نموذجًا مبكرًا للوعي بخطر الهيمنة، حين واجه الوجود الفرنسي وأسّس لمسار تحرري أوسع. واليوم، يتجدد هذا التراجع الأوروبي في أفريقيا، بما يعني خسارة موارد طالما نُهبت لصالح المراكز الاستعمارية القديمة، في وقتٍ بات فيه مجلس الأمن مشلولًا بفعل الفيتو، وتُدار الحروب الكبرى خارج إطار الأمم المتحدة.
هنا يبرز خطاب ترامب حول “مجلس سلم عالمي” جديد، بوصفه مرجعية بديلة للبيت الأممي، في محاولة واضحة لسحب أهم اختصاصات الأمم المتحدة، وعلى رأسها فض النزاعات الدولية والحفاظ على السلم العالمي، وتحويل مركز القرار إلى “مرجعية البيت الأبيض”.
فهل نحن أمام إمبراطور جديد للعالم؟
الواقع أن ما نشهده ليس ولادة إمبراطورية كلاسيكية، بل محاولة لإعادة إنتاج الإمبريالية بصيغة تجارية. فالترامبية لا تسعى إلى استعمار العالم عسكريًا، بقدر ما تريد “تأجير” الأمن العالمي؛ من يدفع يُحمى، ومن يرفض يُعاقَب بالكساد أو العزلة أو الفوضى.
في هذا المسار، تتقاطع الترامبية بوضوح مع المصالح الصهيونية. فهي لا ترى في إسرائيل مجرد حليف، بل “قاعدة متقدمة” وشريكًا استراتيجيًا في صياغة شرق أوسط جديد، عبر الاتفاقيات الإبراهيمية وتصفية القضية الفلسطينية، بما يضمن هيمنة أمنية وتكنولوجية تخدم المصالح الأمريكية أولًا. وفي ظل تفكيك الكيانات الكبرى، وإضعاف أوروبا، وتحويل مجلس الأمن إلى كيان مشلول، تتقدم “مرجعية البيت الأبيض” بوصفها الحكم والفيتو الأكبر.
الخلاصة أننا لسنا أمام إمبراطور واحد يحكم العالم بقرار مباشر، بل أمام منظومة قوى تجيد العمل في الفراغ الذي يخلّفه انهيار المؤسسات الدولية. والمستفيد الأكبر من هذا المشهد هي القوى التي تحسن استثمار الفوضى، وعلى رأسها الحركة الصهيونية التي تجد في تفكيك الكتل الكبرى – الأوروبية والإقليمية – فرصة للبروز كقوة مركزية في المنطقة، وربما أبعد من ذلك.
إنه عالم يُعاد تشكيله لا بالقانون، بل بالأزمات، ولا بالشراكة، بل بالابتزاز… عالم تُدار فيه الفوضى من القمة، بينما تُترك الشعوب لدفع الفاتورة.
المصدر
المصدر: الثورة نت
إقرأ أيضاً:
جدة تستضيف مواجهة جوشوا وبرينغا في نزال مرتقب ضمن حدث “The Comeback” العالمي
البلاد (جدة) تستضيف مدينة جدة يوم 25 يوليو الجاري حدث “The Comeback” العالمي للملاكمة، الذي يجمع نخبة من أبرز الملاكمين المحترفين، يتقدمهم البريطاني أنتوني جوشوا والألباني كريستيان برينغا في مواجهة مرتقبة لفئة الوزن الثقيل، تحظى باهتمام واسع من جماهير اللعبة ووسائل الإعلام العالمية.
ويعود جوشوا إلى الحلبة باحثًا عن استعادة موقعه بين كبار ملاكمي الوزن الثقيل ومواصلة المنافسة على الألقاب العالمية، مستندًا إلى خبرة كبيرة اكتسبها خلال مسيرة حافلة خاض خلالها 33 نزالًا احترافيًا، حقق الفوز في 29 منها، بينها 26 انتصارًا بالضربة القاضية، مقابل أربع هزائم فقط، وسبق له التتويج بعدة ألقاب عالمية ومواجهة نخبة من أبرز الأسماء في تاريخ الفئة. في المقابل، يخوض الألباني كريستيان برينغا أكبر اختبار في مسيرته الاحترافية، بعدما فرض نفسه ضمن أحد أبرز الأسماء الصاعدة في الوزن الثقيل.
ويدخل المواجهة بسجل لافت يتضمن 21 نزالًا احترافيًا، حقق خلالها 20 انتصارًا، جميعها تقريبًا بالضربة القاضية، مقابل خسارة واحدة، ما يعكس قوته الهجومية وقدرته على حسم النزالات مبكرًا.
وتكتسب المواجهة أهمية خاصة لكونها تجمع الخبرة الكبيرة التي يتمتع بها جوشوا والطموح المتصاعد لبرينغا، إذ يسعى الأول إلى تأكيد حضوره مجددًا في سباق المنافسة على الألقاب العالمية، بينما يتطلع الثاني إلى تحقيق فوز نوعي قد يمنحه دفعة كبيرة نحو مصاف أبرز ملاكمي الوزن الثقيل على الساحة الدولية.
وتواصل جدة من خلال استضافة هذا الحدث العالمي تعزيز حضورها مركزًا رئيسًا للفعاليات الرياضية الكبرى، بعد نجاحها في احتضان العديد من البطولات والأحداث الدولية خلال السنوات الماضية، مستفيدة من بنية تحتية رياضية متطورة وقدرات تنظيمية أسهمت في ترسيخ مكانة المملكة وجهةً عالمية لاستضافة المنافسات الرياضية النوعية.