عربي21:
2026-06-03@04:45:38 GMT

الفيدرالية في ليبيا.. حل منتهي الصلاحية

تاريخ النشر: 29th, January 2026 GMT

كنتُ من أوائل المطالبين بالنظام الفيدرالي منذ عام 2012، باعتباره نظاما إداريا سياسيا يمكن أن يحدّ من مركزية طرابلس، ويقدّم حلا وسطا لتقاسم عادل للثروة، وضمان تمثيل منصف لأقاليم وشعوب الأمة الليبية، وينهي مظلومية استمرت لعقود، أو هكذا كنت أظن.

في ذلك الوقت، تشكّلت عديد الأجسام في برقة، مهد الحراك الفيدرالي، وفي مرحلة مبكرة بعد ثورة فبراير، لم يكن أولها التكتل الفيدرالي، ولا مجلس إقليم برقة الذي أعلن الإقليم فيدراليا، ولا المجلس السياسي لإقليم برقة الذي ذهب أبعد من ذلك عبر المقاربة العسكرية، وشكّل حكومة فيدرالية وقوة دفاع للإقليم.

جميع هذه المحاولات تبنّت الطرح الفيدرالي بوصفه حلا للمشكل السياسي المتشابك في ليبيا، على أساس الجزم بأن جوهر الأزمة يكمن في غياب العدالة الاجتماعية وسوء توزيع الثروة والسلطة. في المقابل، كانت الدعوات في إقليم فزان خجولة، وشبه منعدمة في إقليم طرابلس.

اتضح أن المشكلة لم تكن يوما في شكل الدولة أو نظام الحكم؛ الفيدرالية لم تعد حلا، لأن جوهر الأزمة ليس توزيع الثروة ولا العدالة الاجتماعية ولا التمثيل السياسي، بل صراع عارٍ على السلطة والنفوذ والمال
آنذاك، لم تُطرح الفيدرالية كحل سحري أو كاختراع سياسي لمعالجة تراكمات عقود من الفشل، لا منذ انقلاب معمر القذافي عام 1969 فقط، بل منذ عام 1964، أي منذ إلغاء النظام الاتحادي الذي وحّد إمارة برقة والجمهورية الطرابلسية وفزان في كيان واحد. الطرح، ببساطة، كان العودة إلى النقطة التي بدأ فيها الخلل بإلغاء الفيدرالية.

ورغم كل هذه المحاولات، فإن ما سُمّي بالحراك الفيدرالي، إن صحّ توصيفه، لم ينجح في إقناع الشارع، وتعرّض إلى حملة تشويه ممنهجة؛ وُصم أنصاره بالعمالة والتخابر والسعي إلى تقسيم ليبيا، واتُّهموا بالقبلية والجهوية، ووصل الأمر إلى تكفيرهم علنا من مفتي ليبيا. أثّر هذا الخطاب بقوة في الشارع، خصوصا أن أغلب الوجوه المتصدّرة للحراك في تلك المرحلة لم تكن مؤهلة سياسيا، بل أزعم أن بعضها كان مخترقا من الأساس.

على كل حال، اليوم، وبعد مرور كل هذا الزمن، وبعد هذا المخاض الطويل الذي لا يزال مستمرا، وبعد انقسام شبه كامل لقطاع برقة عن الضفة الغربية، أجد نفسي أمام سؤال: هل ما زلت أرى أن إعادة النظام الفيدرالي يمكن أن تكون حلا لأمراض ليبيا المزمنة؟

وهنا تذكّرت اقتباسا كان يردده أعضاء التكتل الفيدرالي، الذين لستُ منهم، على لسان مؤسس التكتل الراحل خليل المسماري حين قال: "سيزحف الجميع على ركبهم نحو الفيدرالية، ولكن عندها لن يجدوا شيئا اسمه ليبيا".

يبدو أن هذه النبوءة تحققت، فليبيا لم تعد موجودة إلا على الخريطة وفي مخيلة الناس. خليفة حفتر، الذي يحكم ويتحكم في إقليم برقة وأجزاء من فزان، وكان معارضا شرسا للفيدرالية، بل نكّل بكل من طالب بها في برقة رغم تحالفهم معه فيما سُمّي حربا على الإرهاب، وهي في جوهرها حرب على السلطة، بات معسكره اليوم أكثر تقبلا لفكرة النظام الفيدرالي من أي وقت مضى، ليس قناعة، بل كآلية للبقاء في السلطة. المفارقة أن جوقة أنصاره، الذين كانوا يرون في الفيدرالية خيانة وتقسيما وتخابرا، باتوا اليوم، وبقدرة قادر، يقدّمونها بوصفها حلا ومخرجا.

وفي الغرب، هناك في طرابلس، لا أعتقد أن عائلة الدبيبة ستعارض الفكرة إن ضمنت لها الاستمرار في الحكم والتشبث بالكراسي، فلا يهمهم شكل الحكم طالما هم في المشهد.

ما حدث لم يكن تفكيكا للمركزية، بل نقلها من طرابلس إلى مكان آخر، لم يكن إنهاء للتهميش، بل إعادة توزيعه، لم يكن كسر الاستبداد، بل إعادة إنتاجه، ونقل الإقصاء من فئة إلى أخرى، ومن فصيل إلى آخر
الناس استُهلكوا وأنهكتهم طوابير الذل، وتُركوا بلا حلول عملية. ما يُقدَّم لهم ليس سوى جولات حوار سياسي تعيد إنتاج حكومات فاسدة ومراحل انتقالية تدور في حلقة لا تنتهي. في هذا الواقع، سقطت كل الفزّاعات؛ لم تعد الفيدرالية، ولا حتى الانفصال، يخيف أحدا. كما اتضح أن المشكلة لم تكن يوما في شكل الدولة أو نظام الحكم؛ الفيدرالية لم تعد حلا، لأن جوهر الأزمة ليس توزيع الثروة ولا العدالة الاجتماعية ولا التمثيل السياسي، بل صراع عارٍ على السلطة والنفوذ والمال. في الشرق، يحكم خليفة حفتر اليوم هو وأبناؤه ودائرته الضيقة، ويحتكرون المناصب العسكرية والمدنية، وتذهب أموال النفط المهرّب إلى جيوبهم. وفي الغرب، لا يختلف المشهد كثيرا، سوى في الواجهة؛ بدل النياشين تجد ربطات العنق.

حجة المركزية وأسطوانة التهميش لم تعد منطقية أيضا؛ برقة كيان شبه مستقل منذ عام 2014، وكان لديها حكومة معترف بها دوليا، وجيش كما يُسمّى، وحتى مصرف مركزي في مرحلة ما، دون أي إنجاز يُذكر. ما حدث لم يكن تفكيكا للمركزية، بل نقلها من طرابلس إلى مكان آخر، لم يكن إنهاء للتهميش، بل إعادة توزيعه، لم يكن كسر الاستبداد، بل إعادة إنتاجه، ونقل الإقصاء من فئة إلى أخرى، ومن فصيل إلى آخر.

بعقليتي اليوم، وفي لحظة تجلٍّ بعد أكثر من اثنتي عشرة سنة على مطالبتي وقناعتي بالفيدرالية، أرى أنها لم تعد صالحة، ليس لأنها فكرة خاطئة في ذاتها، بل لأن ليبيا التي كنا نعرفها لم تعد موجودة، المشاكل التي كنا نتجادل حولها تغيّرت جذريا.

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه قضايا وآراء برقة فيدرالية ليبيا حفتر الدبيبة ليبيا برقة حفتر فيدرالية الدبيبة قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء مقالات مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة صحافة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة بل إعادة لم یکن لم تعد

إقرأ أيضاً:

ليبيا تعتمد حزمة «مشروعات صحية» استراتيجية

أفادت وزارة الصحة بحكومة الوحدة الوطنية، بعقد اجتماعٍ موسَّعٍ، اليوم الثلاثاء، لمتابعة مشروعات قطاع الصحة المستهدفة خلال عام 2026، تنفيذًا لتوجيهات رئيس الحكومة الليبية عبد الحميد الدبيبة، الهادفة إلى إعطاء القطاع الصحي أولويةً قصوى، والتوسع في تنفيذ مشروعات استراتيجية تُعنى بتطوير البنية التحتية الصحية ورفع مستوى الخدمات الطبية المقدَّمة للمواطنين.

وترأس الاجتماع وزير الدولة لشؤون رئيس الحكومة ومجلس الوزراء محمد بن غلبون، بحضور وزير الصحة الليبي الدكتور محمد الغوج، ورئيس الفريق التنفيذي لمبادرات الرئيس والمشروعات الاستراتيجية مصطفى المانع، ومدير عام جهاز تنمية وتطوير المراكز الإدارية سامي العبش، ومدير إدارة التفتيش والمتابعة بديوان مجلس الوزراء خليفة شليق.

وخلال الاجتماع، جرى استعراض خطة المشروعات الصحية المزمع تنفيذها خلال العام الجاري، حيث تم اعتماد عشرة مشروعات استراتيجية كبرى، تتضمن إنشاء وتطوير عددٍ من المستشفيات العامة والتخصصية، من بينها مستشفيان متخصصان لعلاج الأورام، في إطار تعزيز قدرات القطاع الصحي في المجالات التخصصية.

كما شملت الخطة اعتماد إنشاء وتطوير ما بين ثلاثين إلى أربعين مرفقًا صحيًا متوسط الحجم، تضم مراكز صحية ومستوصفات ومجمعات عيادات، بهدف توسيع نطاق خدمات الرعاية الصحية الأولية، ورفع كفاءة المرافق الصحية، وتحسين وصول المواطنين إلى الخدمات الطبية في مختلف المناطق.

وأكد المجتمعون أهمية الإسراع في تنفيذ المشروعات المعتمدة، ومتابعتها وفق الجداول الزمنية المحددة، بما يعزز تطوير القطاع الصحي ورفع جاهزية البنية التحتية الطبية في مختلف أنحاء البلاد.

واختُتم الاجتماع بالتأكيد على دعم جهود تطوير الخدمات الصحية، وتعزيز قدرات المنظومة الطبية بما يواكب احتياجات المواطنين.

مقالات مشابهة

  • قصة محمد الطبال تشعل السوشيال ميديا في ليبيا.. ماذا فعل نجم السويحلي؟
  • إنتصار شنيب أول امرأة ترأس ناديًا رياضيًّا في ليبيا‎ ‎
  • 5 فرق تتنافس في نهائيات كأس ليبيا
  • الأهلي طرابلس والأهلي بنغازي يلتقيان الثلاثاء في نهائي كأس ليبيا
  • ليبيا تعتمد حزمة «مشروعات صحية» استراتيجية
  • تحرك مالي ضخم يعيد رسم «سوق العملة» في ليبيا
  • الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان تطلب من عزيز غالي التنحي مؤقتاً وعدم التحدث باسمها
  • حملة تموينية مكثفة بالبحيرة تضبط دواجن ولحوم وأغذية منتهية الصلاحية
  • ضبط 2220 كيس شيبسي منتهي الصلاحية بالبحيرة
  • ضبط 2000 سلعة غذائية منتهية الصلاحية بقنا