نتنياهو وإسقاط حل الدولتين: بين سياسة الضم والخطر على الاستقرار الإقليمي
تاريخ النشر: 29th, January 2026 GMT
أثارت التصريحات الأخيرة لرئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو موجة واسعة من القلق على المستوى الفلسطيني والعربي والدولي، إذ أعلن صراحة رفضه إقامة دولة فلسطينية، مؤكداً أن «إسرائيل ستسيطر أمنياً من نهر الأردن حتى البحر، بما يشمل قطاع غزة أيضاً». هذا الموقف يتجاوز الخلاف السياسي التقليدي ويشكل انتهاكاً واضحاً للشرعية الدولية وللاتفاقيات الإقليمية والدبلوماسية التي شكلت الإطار الأساسي لتسوية الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي منذ حرب 1967.
الخرق القانوني والشرعية الدولية
تصريحات نتنياهو تتعارض مع مجموعة من القرارات الدولية الملزمة التي تؤكد على حقوق الشعب الفلسطيني وحدود الأراضي المحتلة:
قرار مجلس الأمن 242 (1967) الذي دعا إسرائيل للانسحاب من الأراضي التي احتلتها خلال حرب حزيران 1967، وضمان احترام سيادة الدول وسلامتها.
قرار مجلس الأمن 338 (1973) الذي دعا لتطبيق القرار 242 كأساس للتسوية السلمية.
قرار مجلس الأمن 2334 (2016) الذي اعتبر الاستيطان والضم في الأراضي المحتلة مخالفاً للقانون الدولي ويقوّض حل الدولتين.
اتفاقيات جنيف الرابعة (1949) التي تمنع نقل السكان المحتلين وإجراء تغييرات ديموغرافية على الأراضي المحتلة.
من منظور القانون الدولي، فإن إعلان السيطرة من النهر إلى البحر يشكّل انتهاكاً صارخاً للحقوق الفلسطينية ويمكن اعتباره إطاراً لجرائم الحرب وفق نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
خروقات للاتفاقيات الإقليمية
تصريحات نتنياهو تتناقض أيضاً مع الاتفاقات الإقليمية التي أُبرمت لضبط الصراع وتحقيق الاستقرار في المنطقة:
كامب ديفيد (1978–1979): بالرغم من كونه اتفاقاً مصرياً–إسرائيلياً، فقد أقر بضرورة منح الفلسطينيين حكم ذاتي وتأسيس إطار تفاوضي لحل الصراع.
معاهدة وادي عربة (1994): أكدت على أن الضفة الغربية أراضٍ محتلة وأن مستقبلها يجب أن يُحدد من خلال تسوية سلمية بين الأطراف.
اتفاقيات أوسلو (1993–1995): نصت على الاعتراف المتبادل بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية ومبدأ «الأرض مقابل السلام»، كأساس لتشكيل دولة فلسطينية قابلة للحياة.
إعلان نتنياهو عن السيطرة الأمنية الفعلية على كل الأراضي الفلسطينية يعني عملياً إلغاء هذه الاتفاقيات من جانب واحد، وهو ما يفتح الباب أمام مواجهة عربية ودولية واسعة.
ومن تداعيات الحرب على غزة وتوازن القوى الدولي نجد أن الحرب الأخيرة على قطاع غزة أعادت رسم خريطة القوى الإقليمية والدولية:
فيما تواصل الولايات المتحدة دعم إسرائيل سياسياً وعسكرياً، لكنها تواجه ضغوطاً متزايدة من الكونغرس والمجتمع المدني الدولي. والاتحاد الأوروبي: يتزايد التأييد لدولة فلسطينية ورفض الإجراءات الإسرائيلية الأحادية.
القوى الإقليمية الكبرى (الصين وروسيا): تتحرك في إطار دعم التعددية والشرعية الدولية، ما يضع إسرائيل أمام مأزق استراتيجي.
إصرار إسرائيل على الضم والتحكم الأمني يعكس هروباً من أي تسوية سياسية حقيقية واستثماراً للمعركة العسكرية لتعزيز مكاسبها الاستراتيجية.
البعد العربي – الأردني والمصري حيث أن تصريحات نتنياهو تحمل تداعيات خطيرة على الامن القومي وتهدد أمنهما القومي وتفتح ملف الوصاية الهاشمية على القدس، وقد تؤدي إلى توترات ديموغرافية وسياسية ، والضم الأمني لغزة يعيد فتح ملف المعابر والحدود وسيناء ويضع القاهرة في مواجهة مباشرة مع تداعيات الاحتلال على الأمن الإقليمي.
هذا الواقع يضع الدول العربية أمام تحدٍ مزدوج: دعم القضية الفلسطينية وحماية مصالحها الوطنية والاستراتيجية.
إدارة صراع مفتوحة بلا تسوية، وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً حالياً، لكنه محفوف بمخاطر انفجار إقليمي ودولي
تصريحات نتنياهو تسلط الضوء على غياب مشروع وطني موحد فلسطيني ، ما يمنح إسرائيل فرصة تفكيك الجغرافيا السياسية بين غزة والضفة والقدس.
والوضع الحالي يتطلب إعادة تفعيل منظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني ضمن عملية مراجعة العلاقة بين السلطة الفلسطينية وأوسلو لضمان قدرة الفلسطينيين على حماية حقوقهم. وصياغة استراتيجية فلسطينية موحدة تجمع بين المقاومة الدبلوماسية والسياسية والقانونية.
يمكن تحديد ثلاثة سيناريوهات رئيسة للمسار القادم:
ضم تدريجي صامت عبر قوانين الاستيطان والسيطرة الأمنية.
ضم معلن لمناطق محددة مثل الأغوار أو مناطق (ج).
إدارة صراع مفتوحة بلا تسوية، وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً حالياً، لكنه محفوف بمخاطر انفجار إقليمي ودولي.
في جميع الأحوال، فإن التحرك العربي والدولي لم يعد خياراً بل ضرورة استراتيجية للحفاظ على استقرار المنطقة ومنع تصعيد جديد للصراع.
خاصة وأن تصريحات نتنياهو تمثل إعلاناً رسمياً عن نهاية مرحلة التسوية التي بدأت مع مدريد وأوسلو وكامب ديفيد ووادي عربة، وتفتح الطريق أمام مرحلة جديدة قائمة على فرض الوقائع بالقوة. إن التحرك العربي والفلسطيني والدولي الموحد لمواجهة هذا التحدي أصبح ضرورة حقيقية لضمان استقرار الشرق الأوسط والحفاظ على حقوق الشعب الفلسطيني وفق القانون الدولي.
الدستور الأردنية
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه الاحتلال نتنياهو غزة الضفة الضم غزة نتنياهو الاحتلال الضفة الضم مقالات مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة مقالات سياسة صحافة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تصریحات نتنیاهو
إقرأ أيضاً:
الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.
الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.
في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.
وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.
والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.
إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.
نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.
فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.
ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟
بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟
سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..