يمانيون| محسن علي

حيث يمتزج التاريخ بتقاليد ضاربة في القدم في أودية اليمن وجبالها، لا تزال كلمة “عيب” تحمل وزناً يفوق في كثير من الأحيان نصوص القانون المدني, هنا، لا تُحل كل النزاعات في قاعات المحاكم، بل في مجالس قبلية تحكمها أعراف وتشريعات شفهية متوارثة تُعرف بـ”العرف القبلي”, هذا النظام الاجتماعي والقضائي الموازي، الذي قد يبدو غامضاً للبعض، يمتلك هيكلاً دقيقاً من “العيوب والعتوب”، حيث لكل فعل “معيب” عقوبة محددة قد تصل إلى أضعاف مضاعفة، وحيث لحرمة الجار والضيف والبيت قدسية لا يمكن انتهاكها؟, فما هي هذه “العيوب”؟ وكيف يرسم العرف القبلي خطوطه الحمراء التي لا يمكن تجاوزها؟ نستعرضها وإياكم في هذا الجزء الـ20 من سسلسلة قواعد العرف القبلي المسنونة  والغصابة لقبائل اليمن.

. وعلى النحو التالي:

 

العيوب والعتوب

في عمق النسيج الاجتماعي اليمني، تقف الأعراف القبلية كحصن منيع وسلطة نافذة، تفرض قوانينها الخاصة التي قد لا تكون مكتوبة في سجلات الدولة، لكنها محفورة في ذاكرة ووجدان أبناء القبائل, في هذا العالم، تحمل كلمة “عيب” قوة قانونية هائلة، فهي ليست مجرد وصف لفعل مشين، بل هي تهمة جنائية تستوجب عقوبات صارمة تُعرف بـ”العتوب”، وتُضاعف قيمتها غرامات تسمى “الغوالي”.

 

ما هو “العيب” في شريعة القبيلة؟

بعيداً عن المفهوم العام الذي نستخدمه يومياً للتعبير عن الاستهجان، يُعرّف “العيب” في العرف القبلي بأنه أي انتهاك أو اعتداء على “علقة” أو حصانة محمية عرفياً, هذه الحصانات تشمل كل شيء تقريباً: حرمة البيت، قدسية الضيف، أمان الجار (القطير)، وحتى حرمة “الساحة” العامة للقرية, فعندما يتم خرق هذه الحصانة، يتحول الفعل إلى “عيب”، وتُفرض على مرتكبه “العائب” عقوبات مغلظة تهدف إلى ردع المخالف وإعادة الحقوق لأصحابها.

 

 سلّم العقوبات: من الأصفر إلى الأسود

لا يتساوى “العيب” كله في ميزان العرف القبلي، بل يتدرج في الخطورة ضمن تصنيف لوني دقيق، لكل لون منه أحكامه وعقوباته الخاصة.

وتنقسم العيوب إلى 5 أنواع رئيسية:

العيب الأصفر: هو أبسط أنواع العيوب وأكثرها شيوعاً، ويشمل 18 حالة (علقة) مختلفة. عقوبته الأساسية هي “المربع”، أي دفع أربعة أضعاف قيمة الضرر الأصلي، سواء كان اعتداءً على العرض (السمعة)، أو الدم (الإصابة)، أو المال.
العيب الأحمر: درجة أعلى من الأصفر، وتتعلق بانتهاكات أكثر خطورة.
 العيب الأجذم: يمثل جريمة جسيمة في العرف القبلي.
 العيب الأثلم: من العيوب الكبرى التي تمس الشرف والكرامة بشكل مباشر.
 العيب الأسود: هو أشد أنواع العيوب وأخطرها على الإطلاق، وعقوباته هي الأقسى، حيث يمس أقدس الحرمات في العرف القبلي.

 

 “العيب الأصفر” عندما يكلفك الخطأ أربعة أضعاف

يعتبر “العيب الأصفر” مدخلاً لفهم آلية عمل القضاء القبلي. من بين “علقاته” الثماني عشرة، تبرز حالات تعكس حكمة العرف في فض النزاعات وحقن الدماء:

 الاعتداء في وجود “طروح التحكيم: عندما يضع المتخاصمون أسلحتهم الشخصية (كالجنابي) كضمانة للقبول بحكم معين، فإن أي اعتداء خلال هذه الهدنة يعتبر “عيباً أصفر” ويُعاقب بالمربع.
الاعتداء على “الممسوك: إذا تدخل طرف ثالث (مفارع) لفض اشتباك وأمسك بأحد المتخاصمين، فإن الاعتداء على هذا الشخص “الممسوك” يُعد عيباً، لأن حمايته أصبحت مسؤولية عرفية.
 الغدر والاعتداء على الأعزل: يُجرّم العرف بشدة الاعتداء غدراً أو الهجوم على شخص لا يحمل سلاحاً، ويعتبره خرقاً لقواعد الفروسية والشرف.
انتهاك حرمة البيوت والساحات: للبيوت وأماكن التجمعات العامة حرمة خاصة، وأي اعتداء يقع داخلها يُضاعف عقوبته.

 

مثال واقعي: لو أن شخصاً اعتدى على آخر لفظياً وجسدياً وأتلف سيارته في وجود “طروح تحكيم”، فإن الحكم العرفي لن يقتصر على تعويض الأضرار فقط. بل سيتم احتساب قيمة الضرر الأصلي (أرش الإصابة وثمن السيارة) ثم ضربه في ثلاثة (عدد غوالي العيب الأصفر)، ليصبح المبلغ الإجمالي أربعة أضعاف، بالإضافة إلى عقوبة “هجر” خاصة بالاعتداء على العرض، والتي قد تكون تسريح عدد من الثيران.

بهذه الآلية الصارمة، لا يهدف العرف القبلي إلى معاقبة المخطئ فحسب، بل إلى الحفاظ على السلم الاجتماعي، وتعزيز قيم احترام العهود، وحماية الضعيف، وصون الحرمات التي تشكل أساس التعايش في بيئة قبلية معقدة.

المرجع: قواعد العرف القبلي المسنونة والغصابة لقبائل اليمن – للشيخ صالح روضان.

#أسلاف_وأعراف#العيوب_والعتوب#قواعد_العرف_القبلي_المسنونة_والغصابة

المصدر

المصدر: يمانيون

كلمات دلالية: العرف القبلی الاعتداء على اعتداء على

إقرأ أيضاً:

عرض خاص لفيلم “بومة” في الهيئة الملكية الأردنية للأفلام

صراحة نيوز – تحت رعاية سمو الأمير علي بن الحسين رئيس مجلس مفوضي الهيئة الملكية الأردنية للأفلام، وبحضور سمو الأمير عبدالله بن علي وسمو الأميرة جليلة بنت علي، احتفت الهيئة في عرض خاص وأول للفيلم الأردني الروائي الطويل “بومة” للمخرج زيد أبو حمدان، مساء الاثنين في المسرح الخارجي للهيئة.

وقبيل عرض الفيلم الذي حضره عدد من السفراء الأجانب وعدد كبير من المعنيين والمهتمين، أعرب مدير عام الهيئة مهند البكري عن الاعتزاز بهذا الإنتاج المدعوم من صندوق دعم الأفلام في الهيئة، وخصوصا أن هذا الفيلم يحمل العديد من جماليات السرد ويطرح موضوعات مهمة جدا، مشيرا الى أن هذا الفيلم هو الفيلم الروائي الطويل الثاني للمخرج أبو حمدان ويتلقى دعما من الصندوق بعد فيلمه الأول الناجح بنات عبدالرحمن.

وكان مدير الإعلام والبرامج الثقافة في الهيئة أحمد الخطيب أشار في مستهل حفل العرض الخاص للفيلم إلى أن مشاهد الفيلم جرى تصويرها في مناطق متعددة في الأردن وعدد من أحياء عمان ومنها القسطل وجرش وأحياء جبل عمان والوحدات وبيادر وادي السير ووادي الحدادة.

وبين أن الفيلم الذي حصل على منحة الإنتاج من صندوق الأردن لدعم الأفلام، لعب بطولته الرئيسة الفنانة راكين سعد وشارك فيه الممثلون فرح بسيسو وحابس حسين ومجد عيد وجوانا عريضة ومعتز اللبدي وكرم الزواهرة ونبيل الراعي وآخرون.

ولفت إلى أن العرض العالمي للفيلم سيكون بعد 15 يوما في مهرجان شنغهاي السينمائي الدولي للأفلام في الصين، مبينا أن هذا المهرجان يعد من أبرز مهرجانات السينما العالمية وأكبر مهرجان سينمائي في آسيا.

وأشار الى أنه الى جانب فيلم “بومة” سيعرض في ذات المهرجان، الفيلم الأردني الروائي الطويل “غرق” أيضا.

وتحدث المخرج أبو حمدان في كلمة له عن الفيلم، مستعرضا ظروف التحضير والإنتاج والعمل.

وقدم شكره للهيئة وصندوق دعم الأفلام.

وتلا ذلك عرض الفيلم الذي يتناول حكاية ذات بعد اجتماعي وإنساني بأسلوب درامي وحركي، فتاة أمية لم تحظَ بفرصة في الحياة ونشأت بلا أسرة، في حي شعبي يجتاحه الفقر ضمن ظروف قاسية حولتها إلى ممارسة أخذ “الاتاوات” على بائعي وبائعات البسطات في أسواق شعبية ومخالطة ذوي السوابق والمطلوبين أمنيا وكذلك الخارجين من مبرات الأيتام، إلا أنها رغم ما تبدو عليه من قسوة وسلوكيات مخالفة للأعراف والقانون، تتمتع بحس مرهف وعاطفة تجاه الأطفال والنساء المعنفات وتعيش ألم داخلي بسبب ما عايشته من ظروف قاسية اوقعتها بما هي فيه.

مقالات مشابهة

  • الجهاز السري للنهضة .. القضاء التونسي يحكم على راشد الغنوشي بالسجن المؤبد
  • حالة “ترامب” في عالم “الأقطاب”!
  • “إسرائيل” بين مأزق إيران واستنزاف لبنان
  • “الفيفا” يقر 6 قواعد تحكيمية جديدة في المونديال
  • تيطراوي على أبواب “البريميرليغ”
  • “الصحة” بغزة :استشهاد 119 فلسطينيا في شهر مايو
  • عرض خاص لفيلم “بومة” في الهيئة الملكية الأردنية للأفلام
  • أسعار “البرقوق” تقفز 86% خلال شهر في إسطنبول
  • “الجهاد الإسلامي” تدين اعتداء مستوطنين على أهالي قرية في رام الله
  • العودات يطلق برنامج التمكين السياسي لدى الشباب في الأحزاب السياسية “سيادة القانون وقيم المواطنة الفاعلة”