صحيفة عاجل:
2026-06-03@03:31:09 GMT

المنتدى الإعلامي السعودي وقصص الضياع

تاريخ النشر: 29th, January 2026 GMT

في مطلع الألفية الجديدة، ومع التحولات المتسارعة التي أحدثها الإعلام الرقمي، اتجهت دول عديدة إلى الاستثمار في الملتقيات الإعلامية بوصفها أدوات للتأثير وبناء السرديات. وفي تلك المرحلة، واجه الإعلاميون السعوديون تحديًا حقيقيًا في العثور على ملتقيات تعبّر عن هويتهم المهنية وتستوعب تطلعاتهم، فكان الحضور السعودي مشتتًا بين دول متجاورة، بحثًا عن مساحة تتيح الوجود والتأثير.

وكثيرًا ما سعى الصحفيون والعاملون في الحقل الإعلامي إلى إثبات حضورهم، غير أنهم اصطدموا بتكتلات إعلامية عابرة للحدود، بدت وكأنها تحاول حصر الإعلام السعودي ضمن أطر محددة، وإبقائه خاضعًا لأجندات لا تعكس أولوياته ولا مصالحه. وقد أسهم هذا الواقع في ضياع كثير من الجهود داخل المنتديات العربية، وفي توجيه الخطاب الإعلامي بما يخدم مصالح أخرى على حساب الصوت السعودي.

ومع تبلور فكرة المنتدى الإعلامي السعودي، بدأ المشهد يتغير، وتنفس الإعلاميون السعوديون الصعداء؛ إذ بات واضحًا أن صناعة الحدث أصبحت نابعة من الداخل، وأن قيادة المشهد الإعلامي في المنطقة، على أقل تقدير، يجب أن تكون بأيدٍ سعودية. وكأن سنوات التيه قد انقضت، لتستقيم البوصلة من جديد وتتجه بثبات نحو الرياض، بوصفها مركزًا مؤهلًا لاحتضان الحوار الإعلامي وصناعة الرؤى المستقبلية.

وفي هذا السياق، وخلال الفترة من 2 إلى 4 فبراير 2026، وتحت رعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز – حفظه الله – ينعقد المنتدى الإعلامي السعودي باعتباره حدثًا وطنيًا واستراتيجيًا يجسد المكانة المتقدمة التي وصل إليها الإعلام السعودي، ويعكس الدور المتنامي الذي يضطلع به في تشكيل الخطاب الإعلامي المعاصر، محليًا وإقليميًا ودوليًا. ويأتي هذا المنتدى تأكيدًا على أن الإعلام السعودي لم يعد يبحث عن منصة تمثله، بل أصبح يمتلك منصته، ويصوغ من خلالها رؤيته، ويشارك بفاعلية في رسم ملامح المستقبل الإعلامي للمنطقة.

ويمثل هذا المنتدى محطة فارقة في مسيرة الإعلام بالمملكة؛ فبعد سنوات طويلة كان فيها الإعلاميون السعوديون يبحثون عن المنتديات الإعلامية الكبرى خارج الحدود، ويتطلعون إلى منصات دولية تحتضن أفكارهم وطموحاتهم وتتيح لهم التفاعل مع التجارب العالمية، أصبح اليوم المشهد مختلفًا تمامًا. فقد بات الإعلام السعودي يمتلك منتداه الخاص، الذي يواكب التحولات المتسارعة في الصناعة الإعلامية، ويستجيب لطموحات العاملين في مجال الإعلام، ويضعهم في قلب النقاشات المهنية والفكرية والابتكارية.

لقد عانى الإعلام السعودي في مراحل سابقة من محدودية اللقاءات المتخصصة التي تجمع الممارسين والباحثين وصناع القرار في فضاء مهني واحد، وكانت الكثير من الطاقات تضطر إلى التوجه نحو منتديات خارجية بحثًا عن المعرفة، أو فرص التواصل، أو الاطلاع على أحدث الاتجاهات. أما اليوم، فإن المنتدى الإعلامي السعودي يأتي ليؤكد أن المملكة لم تعد متلقية للتجارب الإعلامية، بل أصبحت صانعة لها، ومؤثرة في مساراتها، ومبادِرة في تطوير أدواتها وأطرها الفكرية والمهنية.

ولا تتوقف قيمة المنتدى عند حد التنظيم أو الحضور، بل تتجسد في رمزيته؛ فهو يعكس ثقة القيادة في العاملين في قطاع الإعلام، وإيمانها بدور الإعلام كرافعة للتنمية، وأداة لبناء الوعي، وجسر للتواصل مع العالم. كما يؤكد أن المنتديات الإعلامية لم تعد ترفًا مهنيًا، بل ضرورة استراتيجية لتطوير القطاع، وصناعة قيادات إعلامية قادرة على الابتكار، والتأثير، وصياغة سردية وطنية متزنة ومقنعة. إن المنتدى الإعلامي السعودي، ومثله من المنتديات المتخصصة، يشكل اليوم فرصة جميلة وناضجة لإعادة تعريف المهنة، وتعزيز روح الانتماء المهني، وترسيخ ثقافة الحوار والتجديد، في زمن أصبح فيه الإعلام عنصرًا محوريًا في تشكيل المستقبل.

بقي القول، سنكون سعدا كعاملين في المجال الإعلامي السعودي بهذه الرعاية الملكية لهذا الملتقى الإعلامي الذي يرسخ تفوق السعوديين في صناعة الإعلام وتوجيهه وتنمية الاستثمار فيه، بما يفتح آفاقاً واسعة لإعلام ينهض بدوره الأصيل. كما يبرهن هذا الملتقى أنه غدا وجهة إقليمية ودولية للعاملين في حقل الإعلام. مرحباً بكل مهني في مجال الإعلام في وطنه الثاني المملكة العربية السعودية، ووداعاً لكل تشتت كان يرهق كل مهني في الحقل الإعلامي السعودي سابقاً وطويلاً الأمد.

صحفي وأكاديمي

المنتدى الإعلامي السعوديقد يعجبك أيضاًNo stories found.

المصدر

المصدر: صحيفة عاجل

كلمات دلالية: المنتدى الإعلامي السعودي المنتدى الإعلامی السعودی الإعلام السعودی

إقرأ أيضاً:

اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه

كلما دار حديث عن الإعلام الإسرائيلي تقفز إلى ذهني على الفور صورة الأستاذة الدكتورة راجية قنديل. كانت أستاذة الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة واحدة من الأسماء التي أسست مبكرًا لتيار عربي أكاديمي جاد يؤمن بأهمية دراسة إعلام العدو من داخله، وتشكيل مدرسة بحثية عربية تهتم ببحوث هذا الإعلام؛ حتى نفهم كيفية بناء الرواية الصهيونية، وصناعة الصورة، والدعاية الموجهة.

ولعل من الدروس التي لا أنساها قولها: «إن كل حدث يقع على الأرض يُولد مرة أخرى في اللغة والصورة التي يقدم بها للناس».

كانت د. قنديل تدرك قبل كثيرين أن معرفة حقيقة العدو تتطلب نزع الغموض الذي يحيط به نفسه. وكانت أول باحثة عربية تحصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في الإعلام الإسرائيلي في وقت لم يكن هذا الطريق سهلًا. وكانت -متعها الله بالصحة والعافية- على قناعة تامة بأن هذا الإعلام هو مرآة لمشروع صهيوني كامل بكل مخاوفه وأساطيره وأدوات دفاعه عن نفسه يطمح في تحقيق إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات.

أتذكر أيضا في السياق نفسه الكاتب الصحفي الراحل أنيس منصور وسلسلة مقالاته الشهيرة «وجع في قلب إسرائيل» التي كان ينشرها في مجلة «أكتوبر» التي أسسها ورأس تحريرها بتكليف من الرئيس أنور السادات في العام 1976، وجمعت لاحقا في كتاب بالعنوان نفسه.

كان منصور يكتب عن إسرائيل دون أن يراها. ومن خلال ما كان يقرأه في صحافتها كان يلتقط قلقها الداخلي، ويتابع ما تقوله عن نفسها، ثم يقدمه للقارئ العربي في قالب أدبي فلسفي وصحفي وبعبارات ساخرة أحيانًا، لكنها عميقة الدلالة. وكان يعلم أن في قلب العدو ما يستحق أن يعرفه القارئ العربي.

في سنوات ما بعد كامب ديفيد، ووادي عربة، وأوسلو تحول هذا العدو في بعض العواصم العربية إلى صديق، وتراجع الاهتمام بدراسة إعلام العدو في جامعاتنا والكتابة عنه من الداخل في صحفنا. صرنا نرى إسرائيل وهي تقصف غزة وجنوب لبنان وبيروت ودمشق، وحين تغتال قادة المقاومة في الداخل المحتل وفي الخارج، حين تقتل الأطفال والنساء والشيوخ دون رحمة في حملات الإبادة الجماعية، وحين تعذب الأسرى وتكذب بوقاحة منقطعة النظير على الشاشات والمنصات الرقمية. لم يعد لدينا أحد مثل راجية قنديل أو أنيس منصور يتابع كيف تُحضّر إسرائيل أكاذيبها قبل أن تصبح نشرات أخبار، وكيف تُبنى المفردات قبل أن تصبح سياسة، وكيف يُوزع الخوف قبل أن يتحول إلى قبول شعبي بالحرب، فنحن كما يقول المثل «نرى الانفجار، ولا نرى اليد التي وضعت المتفجرات» في اللغة والصورة والذاكرة.

إن أبسط ما يمكن قوله عن الإعلام الإسرائيلي أنه إعلام منحاز بطبعه، لكن هذه العبارة على صحتها تظل فقيرة؛ فكل إعلام في لحظات الصراع يحمل انحيازًا ما. المشكلة في الإعلام الإسرائيلي أنه يعرف كيف يُلبس انحيازه ثوب المهنية. يعرف متى يصرخ، ومتى يخفض صوته. يعرف متى يظهر بصورة الضحية الصغيرة المحاصرة، ومتى يتحدث بلغة القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان. يعرف كيف يجعل الخريطة خبرًا، والجندي ابنًا للعائلة، والقصف عملية دقيقة، والطفل الفلسطيني رقمًا يحتاج إلى تدقيق.

هذا الإعلام لم يولد في فراغ. هو ابن المشروع الصهيوني كما هو ابن الدولة. قبل قيام إسرائيل كانت الكلمة جزءًا من الحشد، وكانت الصحافة تساعد في تحويل الهجرة إلى «عودة»، والاستيطان إلى «خلاص»، وفلسطين إلى أرض تنتظر من يعيد إليها معناها القديم. وبعد 1948 صار الإعلام شريكًا في بناء الدولة الجديدة؛ إذ يجمع مهاجرين لا تجمعهم لغة واحدة بسهولة، فيمنحهم رواية مشتركة، ويضع الفلسطيني في خانة الغائب أو العائق أو الخطر.

لذلك تبدو إسرائيل من الخارج دولة فيها صحف كثيرة وقنوات عديدة ومواقع صاخبة وخلافات لا تنتهي. وهذا كله موجود فعلًا. هناك صحافة تنتقد الحكومة، وقنوات تهاجم رئيس الوزراء، ومقالات تفضح الفساد، ومحللون يتجادلون بعنف، لكن الاقتراب من الفلسطيني يغير المشهد كله.

عند هذه النقطة تضيق اللغة، ويتقدم الأمن، ويعلو صوت الجيش، وتصبح الحرية مشروطة بما لا يمس أصل الرواية الصهيونية. يمكن انتقاد الحكومة، ويمكن لوم الجنرالات، ويمكن الحديث عن سوء الإدارة، لكن السؤال الأخلاقي الأكبر يظل غالبًا خارج المشهد: ماذا عن الاحتلال نفسه؟

في الحروب يصبح المشهد الإعلامي الإسرائيلي أكثر تعقيدا. لا تبدأ الحرب إعلاميا مع أول قذيفة، وإنما قبل ذلك بكثير، وعبر تحويل العدو سواء كان الفلسطيني، أو اللبناني، أو السوري، أو الإيراني تدريجيًا إلى خطر داهم بلا ملامح. ومع تكرار مفردات التهديد والتصعيد والردع، يشعر الجمهور أن الحرب قادمة لا محالة.

وحين تشتعل الحروب الإسرائيلية -وما أكثرها!- لا تبقى وسائل الإعلام شاهدًا محايدًا، وتتلاعب بالتغطية لكي تحدد من يستحق أن يُرى، وتمنح الإسرائيلي اسمه ووجهه وبيته وخوف أطفاله، فيما تترك الفلسطيني واللبناني مجرد رقم في أعداد القتلى والأسرى.

وكما تتلاعب بالتغطية تتلاعب الوسائط الإعلامية الإسرائيلية أيضا بالكلمات والمفردات، فالقصف الذي تمارسه على الآخرين ليس قصفا، ولكن استهداف، والاجتياح عملية، والاغتيال تحييد، والحصار إجراء أمني، والضحايا المدنيون أضرار جانبية. وهذه بالطبع ليست مجرد كلمات بريئة. إنها تنظف الفعل قبل أن يصل إلى المتلقي، وتمنح العنف اسمًا أكثر لطفًا، وتمنح القاتل مسافة من صورته الحقيقية. فمن يملك القدرة على ارتكاب الجريمة -كما يقولون- قد يمتلك أيضا القدرة على تبريرها، أو تخفيف وقعها النفسي على الآخرين عبر صياغتها بطريقة معينة.

بعد الحرب وعندما تصمت المدافع قليلًا يبدأ الإعلام الإسرائيلي معركة أخرى، ويتحول اتجاه برامج التلفزيون ومقالات الكتاب إلى التركيز على الردع، والدروس المستفادة، ويتجادل السياسيون حول الإخفاق والنجاح، ويُسأل الجيش عن كفاءته وليس عن شرعية أفعاله، ويصبح السؤال هو هل أُديرت الحرب جيدًا؟

ولأن إسرائيل تعرف أن العالم لا يتحدث العبرية؛ فقد طورت خطابًا كاملًا للآخرين تسميه دبلوماسية عامة أو شرحًا أو «هسبَرة». والهدف أن تظهر إسرائيل دائمًا كدولة صغيرة محاصرة، وأن يظهر جيشها مضطرًا إلى مواجهة أعداء يحيطون بها، وأن يظهر الفلسطيني خطرًا يحتاج إلى ضبط. وحين تخاطب العرب بالعربية فإنها تستهدف التسلل إلى الوعي، وتختلط في هذا الخطاب الذي يقدمه المتحدثون العسكريون رسائل التحذير والتخويف وتحميل المسؤولية للضحايا، ومحاولة شق صفوف المقاومة. ليس المطلوب من الإعلام العربي أن يكتفي بالغضب من الجرائم الإسرائيلية مهما كان الغضب مشروعًا؛ فالغضب وحده لا يهزم رواية تُصنع بعناية شديدة. ولا تكفي الكلمات الرنانة الكبيرة حين يكون الخصم قادرًا على إنتاج صورة صغيرة تؤثر في ملايين الناس. المطلوب أن نعود إلى الدرس الأول: أن نبحث، ونرصد، ونفكك، ونتابع، ونفهم كيف تتحرك آلة الحرب الإعلامية الصهيونية.

كانت راجية قنديل تعرف ذلك مبكرًا. وكان أنيس منصور بطريقته المختلفة يعرف أن قلب إسرائيل ليس مغلقًا تمامًا أمام من يقرأ جيدًا. في ذلك القلب خوف وتناقض وغطرسة وارتباك وأسطورة تحاول أن تحمي نفسها كل يوم. ونحتاج إلى قراءة هذا كله بدافع الضرورة؛ فالقضية التي لا تمتلك روايتها تترك صورتها لخصمها، والخصم الذي يكتب صورتك لن يمنحك وجهًا عادلًا.

هكذا تعود عبارة «اعرف عدوك» اليوم لتفرض نفسها علينا؛ فالمعرفة تبدأ من فهم الطريقة التي يصنع بها المحتل روايته، واللغة التي يستخدمها لتخفيف أثر عنفه وهمجيته، والخبر الذي يدفع الضحية إلى الهامش ويمجد القاتل. إن عدم قراءة الإعلام الإسرائيلي بوعي يجعلنا أسرى لرواية عدونا. لذلك يحتاج الإعلام العربي إلى أن يدرك أن الدفاع عن القضايا العربية قد يبدأ من التفتيش في قلب الإعلام الإسرائيلي الذي ما زال وسيبقي يعاني من الوجع.

مقالات مشابهة

  • برج العقرب .. حظك اليوم الأربعاء 3 يونيو 2026: تغيير مهني
  • د. محمد ورداني يكتب: من يحمي قطرة المياه .. الإعلام أم الجمهور؟!
  • اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
  • مصر وإيطاليا تطلقان أول منتدى إقليمي للتعليم التقني بمشاركة 13 دولة متوسطية
  • الدبلوماسية والحرب الإعلامية
  • تكليف الدكتورة أماني جرار أميناً عاماً للمنتدى
  • مصر وإيطاليا تطلقان أول منتدى للتعليم التقني لدول البحر المتوسط.. شراكات دولية لمهارات المستقبل
  • جناح سعودي ضخم في منتدى بطرسبورغ الاقتصادي الدولي
  • beIN الإعلامية تحصد جائزتين مرموقتين
  • وزارة التربية والتعليم تستعد لإطلاق منتدى التعليم التقني والمهني لدول البحر المتوسط