رأي: جائزة زايد للأخوّة الإنسانية.. احتفاءٌ عالمي بصناعة السلام وصون كرامة الإنسان
تاريخ النشر: 29th, January 2026 GMT
هذا المقال بقلم المستشار محمد عبد السلام، الأمين العام للجائزة زايد للأخوة الإنسانية، وسعيدة ميرزيوييفا، رئيسة الإدارة الرئاسية في جمهورية أوزبكستان، عضو لجنة تحكيم الجائزة لعام 2026، والآراء الواردة أدناه تعبر عن وجهة نظرهما ولا تعكس بالضرورة رأي شبكة CNN.
تكرّم جائزة زايد للأخوّة الإنسانية كلّ عام شخصيات ومؤسسات رائدة قدمت إسهامات جليلة وجهودًا مضيئة تذكّر العالم أجمع بأن رسالة السلام لا تعرف المستحيل، وأن رؤية المغفور له، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان "طيّب الله ثراه"، مؤسس دولة الإمارات العربية المتحدة، ما زالت نبراسًا للأخوة الإنسانيّة تحوّل الخلاف إلى وفاق والمحن إلى فرصٍ للسلام والتعايش والأمل والازدهار.
وفي دورة عام 2026، تقدّم الجائزة نموذجًا ملهمًا لمعنى الأخوّة الإنسانية، من خلال تكريم ثلاث مسارات متكاملة تُسلّط الضوء على محاور رئيسية تتمثل في تمكين الأفراد، وبناء السلام بين الدول، وصون الكرامة الإنسانية في ظل ما يواجهه عالمنا اليوم من أزمات وتحديات.
زرقاء يفتالي: تمكينٌ يصنع أثرًا
تنبع قصة السيدة زرقاء يفتالي من عمق التجربة الإنسانية الأصيلة، مجسِّدةً إرادة القوة الناعمة التي لا تُقهَر؛ إذ حوّلت المعاناة والتحديات التي واجهتها في مسيرتها نحو التعلّم داخل بيئة شديدة التعقيد، إلى رسالة واضحة ومشروع تمكين مجتمعي، جوهره الدفاع عن حق كل فتاة أفغانية في التعليم. وبفضل إرادتها الصلبة وإيمانها الراسخ بقوة المعرفة، أسّست أكثر من 100 مدرسة، حوّلت فيها الفصول الدراسية إلى ساحات للتعلم وواحاتٍ للأمل، وامتد عطاؤها في مجالات التعليم والدعم النفسي ليصل إلى أكثر من 100 ألف إنسان حول العالم، تاركةً أثرًا عميقًا في وجدان جيلٍ كامل من الفتيات.
ولم يتوقف تأثيرها عند حدود المدرسة أو جدران الفصول الدراسية، بل تجاوز ذلك إلى السعي لتغيير القوانين لحماية حقوق الفتيات والأطفال. فمن خلال عملها الحقوقي القيادي، أسهمت في صياغة تشريعات محورية تصون كرامة النساء والأطفال وتحميهم من الانتهاكات الجسيمة التي ترتكب بحقهم، ولا سيما خلال توليها منصب المديرة التنفيذية لمؤسسة البحوث القانونية للمرأة والطفل. وكانت من المناصرين الرئيسيين لسن قوانين رائدة، مثل قانون الأسرة وقانون الطفل، والتي أرست أسس حماية الأطفال ومكافحة التحرش. كما عززت حضور المرأة في مسارات السلام والمصالحة الوطنية، انطلاقًا من قناعتها بأن العدالة والسلام وجهان متكاملان للتنمية الحقيقية.
وحين دفعتها الظروف إلى الانتقال خارج وطنها، لم تُغلق نافذة الأمل، بل فتحت من كندا فضاءً رقميًا رحبًا للتعليم والتوعية، لتبقى على تواصل مع الفتيات، وتصل إلى المتعرّضات للتمييز والحرمان أينما كُنّ، عبر شبكة البحوث والمناصرة للمرأة والطفل.
إن مسيرة السيدة زرقاء يفتالي، تؤكد أن الأمل ليس شعورًا عابرًا، بل مشروع عملٍ يومي شاق، وأن التغيير الجذري يبدأ بخطوات صغيرة لكنها ثابتة: فتاة تتعلّم، وامرأة تشارك، ومجتمع يتضامن. فهي تجسّد حقيقة أن الأخوّة الإنسانية تبدأ بالتعاطف مع آلام الآخرين، لكنها لا تكتمل إلا بالتمكين الفعلي لهم.
اتفاق السلام: إرادة تتجاوز جراح الأمس وتصنع المستقبل
وفي مكان أخر من العالم، في منطقة القوقاز، حيث تُقاس عظمة الشعوب بقدرتها على طيّ صفحات الخلاف وإنهاء عقودٍ من الصراع عبر تجاوز جراح الماضي وجسر هوّات التاريخ، تُكرّم الجائزة "اتفاق السلام التاريخي بين أذربيجان وأرمينيا" الذي يمثل نموذجًا حيًا لإرادةٍ جماعية اختارت بناء الجسور بدلًا من هدمها، بعد أن ساد منطق الصراعات لسنواتٍ طويلة. فالاتفاق في جوهره، مصالحة تاريخية تجسّد قيماً إنسانية عليا، ورسالة أمل لكل الدول التي تعاني من ويلات النزاعات والحروب والصراعات بإمكانية تحقيق السلام والتعايش والاستقرار. إنه يضع حدًّا عمليًا لعقود مريرة من الصراع، ويفتح بابًا رحبًا أمام تعايش سلمي وازدهار مشترك في منطقة جنوب القوقاز. هذا الاتفاق هو ثمرة ناضجة لإرادة سياسية شجاعة آلت على نفسها أن تتجاوز مآسي الماضي، ومفاوضات مضنية اختارت أن تروي بمداد الحكمة والصبر صفحاتٍ طالما نزفت ألمًا ودمارًا، لتبدأ فصلاً جديدًا في العلاقات بين الشعبين، قائمًا على التفاهم والاحترام المتبادل والثقة المتجددة والتعايش المشترك.
وتتجاوز أهمية هذا الإنجاز الحدود الإقليمية الضيقة ليتحول إلى رسالة أمل للمجتمع الدولي بأسره. فهو يُبرهن للعالم، في زمن تتفاقم فيه التحديات والنزاعات، أن الحوار الهادئ والإيمان الراسخ بأهمية تحقيق السلام قادران على رأب أعمق الصدوع وأكثرها رسوخًا في ذاكرة الأمم وهوّياتها. فمن خلال خطوات عملية متتالية لبناء الثقة، ومبادرات إنسانية ملموسة تخفف من معاناة المتضررين، وحوار سياسي لا يتوقف ولا ييأس، قدّم فخامة الرئيس إلهام علييف، رئيس جمهورية أذربيجان، ومعالي نيكول باشينيان، رئيس وزراء جمهورية أرمينيا، نموذجًا يُحتذى به في الاحتكام إلى صوت الحكمة، والإعلاء من قيم السلام، وترسيخ خيار الشراكة والتعاون الإيجابي لبناء مستقبلٍ أفضل لشعبي البلدين. وهو تجسيد عملي لمفهوم الأخوّة الإنسانية بين الأمم والشعوب، يترجم رؤية المغفور له، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، بأن مستقبل الشعوب المتجاورة يُبنى بالتعايش والتعاون، وأن السلام يظل الخيار الأمثل والأوحد لضمان الاستقرار والتنمية والازدهار. وهو الأساس المتين الذي تقوم عليه أحلام التنمية والازدهار والرفاه. إنه رحلة مستدامة، تزرع بكل خطوة فيها بذور الثقة والأمل للأجيال القادمة، وتذكرنا جميعًا بأن المصالحة الوطنية والإقليمية تمثل أعلى تجليات القوة الحقيقية وأسمى مظاهر الحكمة السياسية والرؤية الاستراتيجية بعيدة المدى.
مؤسسة التعاون: استثمار طويل الأمد في الإنسان والمجتمع
يؤكد تكريم مؤسسة التعاون الفلسطينية من خلال جائزة زايد للأخوّة الإنسانية دورها الريادي بوصفها نموذجًا للعمل الإنساني المستدام لإغاثة الشعب الفلسطيني. ففي سياقاتٍ معقّدة تتداخل فيها الأزمات الإنسانية مع تحديات بنيوية طويلة الأمد، تبنّت المؤسسة نهجًا يقوم على صون الكرامة الإنسانية والاستثمار بعيد المدى في الإنسان والمجتمع، متجاوزةً منطق الاستجابة الإغاثية الآنية إلى بناء أسس راسخة من أجل تحقيق الصمود والاستقرار.
ومن خلال برامجها المتنوعة في مجالات التعليم، والرعاية الصحية، وحماية الأطفال الأيتام، وصون التراث الثقافي، عززت مؤسسة التعاون قدرة المجتمعات على التعافي ومواجهة التحديات، مؤكدةً أن الإنسان، حتى في أقسى الظروف، يستحق فرصًا حقيقية لحياة كريمة وهادفة. كما يعكس نهجها القائم على الشراكات المتعددة مع المؤسسات المحلية إيمانًا راسخًا بدور المجتمع وقدرته على قيادة التنمية المستدامة، بما ينسجم مع القيم الجوهرية التي تحتفي بها جائزة زايد للأخوّة الإنسانية.
إن تكريم جائزة زايد للأخوّة الإنسانية لهذه النماذج الثلاثة، وتسليط الضوء على مساراتها المتكاملة وتقديم سفراء جدد للأخوة الإنسانية إلى العالم، يجسّد رؤية المغفور له، بإذن الله، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، التي جعلت من الإنسان غاية كل تنمية، ومن التعاون أساس بناء الأوطان. فتمكين الفتيات بالتعليم، وبناء السلام بين الدول، وتعزيز صمود المجتمعات المتأثرة بالأزمات، هي حلقات مترابطة في مشروعٍ واحد جوهره "الإنسان".
مسؤولية مشتركة
من فتاةٍ وجدت في التعليم نافذة أمل، إلى شعبين اختارا السلام طريقًا للمستقبل، ومؤسسة تعمل من أجل صون كرامة الإنسان رغم الألم، ترسم جائزة زايد للأخوّة الإنسانية لوحةً متكاملة لمعنى الأخوة الإنسانية في عالم اليوم، وتبعث برسالة أملٍ مفادها أن الأخوّة الإنسانية ليست مجرد شعار يرفع، بل مسؤولية تُمارَس، وخيارًا واعيًا يُجدَّد كل يوم. ويجسّد مكرّمو عام 2026 هذه القيم النبيلة، مذكّرين العالم بأن الإنسان، حين تُتاح له الفرصة وتُصان كرامته، يكون قادرًا على بناء مستقبلٍ أكثر عدلًا وسلامًا للجميع.
الإماراترأينشر الخميس، 29 يناير / كانون الثاني 2026تابعونا عبرسياسة الخصوصيةشروط الخدمةملفات تعريف الارتباطخيارات الإعلاناتCNN الاقتصاديةمن نحنالأرشيف© 2026 Cable News Network. A Warner Bros. Discovery Company. All Rights Reserved.
المصدر
المصدر: CNN Arabic
كلمات دلالية: رأي جائزة زاید للأخو ة الإنسانیة الأخو ة الإنسانیة من خلال نموذج ا
إقرأ أيضاً:
المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
حين يكون الفشل مُقيما لا عابراهناك فارق جوهري بين المعارضة التي تخسر وتلك التي لا تُحارب أصلا؛ الأولى تستحق الاحترام حتى في هزيمتها، والثانية لا تستحق إلا التشريح.
والمعارضة المصرية في الخارج، بكل أطيافها وبكل ما أُنفق في سبيلها من مال وجهد ووقت، تقع في خانة الثانية بامتياز مُحزن. ليس هذا حكما صادرا عن خصومها، بل هو ما تكشفه وقائع السنوات الأخيرة بلا رحمة ولا مجاملة.
فبينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد.
ويأتي الاعتداء الوحشي على الناشط أنس حبيب ليكشف أن هذه المعارضة لم تفشل فقط في بناء نفسها، بل باتت تواجه بيئة عدوانية مُنظّمة على أرض المهجر ذاته، في الوقت الذي تتفرج فيه العواصم الأوروبية التي تؤوي هؤلاء المعارضين.
أولا: الفن غائب والقضية تنزف
عندما تبحث في تاريخ السياسة الحديثة لن حركة مقاومة حقيقية خلت من الفن؛ الفن ليس ترفا يُلحق بالنضال، بل هو عصبه الناقل الذي يحوّل الفكرة إلى مشاعر، والمشاعر إلى حشود، والحشود إلى تغيير.
بينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد
من غيفارا الذي جعل منه الفن أيقونة لا تموت حتى بعد موته، إلى باتريس لومومبا الذي حوّلته أغاني أفريقيا إلى رمز حيّ، إلى الأغاني الفلسطينية التي حملت هوية شعب عبر عقود من القمع والاحتلال.
الفن هو ما يُبقي القضايا حية حين تنكسر الأجساد وتنهك العقول، وانظر ما فعله الطوفان. فمنذ السابع من أكتوبر 2023 وما قبله وحتى اليوم، تتدفق من غزة ومن حاضنتها الثقافية في المهجر الفلسطيني موجة فنية شبه أسبوعية لا تهدأ؛ أغانٍ تنتزع الدمع في لحظة وتشعل الغضب في اللحظة التالية، أناشيد تُطلق في قلب القصف ثم تجتاح في ساعات ملايين الهواتف في أربع قارات، مقاطع تُوثّق الدم والصمود في آنٍ واحد، يصنعها أطفال بين ركام بيتهم، ومغنّون يقفون على بلاط مدمّر ويُطلقون أصواتهم كأنها آخر ما تبقى من الوجود. هذا الإنتاج لم يكن فائضا عن الحاجة بل كان هو الحاجة بعينها؛ هو ما أبقى العالم مُوصولا بغزة حين كانت القنوات الرسمية تُغلق أبوابها واحدة تلو الأخرى.
والسؤال الذي يجب أن يُحرق كل من تولّى شأنا في المعارضة المصرية: ماذا أنتجتم أنتم؟ الجواب مُرّ كالعلقم: لا شيء يُذكر إلا جهد قليل القليل؛ عمل أو اثنان ولا يتم تذكرهما.
في سنوات من الوجود خارج مصر، بتمويل يُقدَّر بمئات الآلاف من الدولارات -سواء من المنح الدولية أو من مساهمات الأفراد أو من الهيئات الحقوقية- لا تكاد تجد أغنية واحدة تسكن القلوب، ولا مسرحية توثيقية تهز الضمائر، ولا فيلما قصيرا يُعرض في برلمان أوروبي ليُجبر النواب على رؤية وجوه المعتقلين. ثمة ومضات بالطبع، ومحاولات فردية مبعثرة، لكن لا مشروع ثقافي ممنهجا، ولا استراتيجية فنية تتوازى مع المطالبات السياسية.
يصرف المال على مؤتمرات وإفطارات في فنادق باهظة في لندن وإسطنبول، تنتهي بتوصيات تُودَع في أدراج لا يُفتح لها درج. يصُرف على مسميات وظيفية وهمية وشبكات علاقات لا تُولّد ضغطا حقيقيا على أي قرار في أي عاصمة. وأما الفن والثقافة، تلك الأداة التي وحدها قادرة على تحريك الرأي العام الغربي والعربي معا، فقد ظلت طويلا في آخر سلم الأولويات، أو خارج السلم تماما.
ثانيا: لماذا يصنع الطوفان فنا ولا تصنعه المعارضة المصرية؟
السؤال ليس ترفا أكاديميا، إنه يمس جوهر الفارق بين نضال يعيش ونضال يحتضر. تُنتج غزة فنا لأن لديها قضية تعيشها في دمها ولحمها وكل يوم من أيامها. الفن الحقيقي لا يُؤمَر بالخروج، بل يخرج لأنه لا يستطيع أن يظل محبوسا داخل الإنسان.
يكتب الشاعر الغزاوي تحت القصف، لا يفكر في الجمهور ولا في المنصة، بل هو يكتب لأن الصمت سيقتله قبل الصاروخ. وهذا هو مصدر القوة الحقيقية: الفن المُنبثق من الألم المُعاش، لا المُصطنع من أجل الأجندة السياسية.
لكن ثمة عاملا ثانيا لا يجب إغفاله: المقاومة الفلسطينية تعرف تماما أن الرأي العام العالمي ساحة حرب موازية للميدان، وأنها لن تنتصر بالسلاح وحده في مواجهة ترسانة إسرائيل العسكرية والإعلامية معا. لذلك توجد استراتيجية وإن لم تُصغ في وثيقة، فهي راسخة في الوعي الجمعي الفلسطيني: كل أغنية هي رصاصة، وكل مقطع مصوّر هو جبهة.
تفتقر المعارضة المصرية في الخارج إلى هذا الوعي الاستراتيجي افتقارا مُقيما. وهذا ليس لأن المصريين أقل موهبة أو أقل ألما، بل لأن الهياكل التنظيمية القائمة تديرها عقليات سياسية ببيروقراطية بيانات وبروتوكولات لا تُغذّي الفن بل تخنقه. الفنان لا يعمل بلجان، والمبدع لا يشتغل بمحاضر اجتماعات.
يُضاف إلى ذلك أن كثيرا ممن يتولّون مقاليد العمل المعارض المصري في الخارج ينتمون إلى خلفيات حزبية أو إسلامية أو ليبرالية أكاديمية تنظر إلى الفن كأداة ثانوية، وليس كبنية أساسية في المعركة. فالبيان السياسي الذي يُوزَّع على وكالات الأنباء يبدو لهم أثقل وزنا من أغنية تُشاهَد مئة مليون مرة، وهذه نظرة قاصرة تعكس انفصالا عميقا عن طبيعة الزمن الذي نعيشه، وآخر هذه البيانات؛ تطالب إحدى الحركات الكبري في مصر القيادات الأوروبية بعدم إدراجها في قوائم الارهاب.
الزمن الذي نعيشه يُقاس بالمشاهدات والمشاعر والانتشار العاطفي، لا بالبيانات التي يُرسلها مكتب صحفي إلى قائمة بريدية لا يفتح معظم أصحابها رسائلها أصلا.
ثالثا: أنس حبيب وأذرع النظام الطويلة
في قلب أوروبا، بعيدا عن سجون مصر وكاميرات مراقبتها، جرى الاعتداء على الناشط أنس حبيب. والحادثة في ظاهرها اعتداء جسدي، لكنها في جوهرها رسالة مفادها: لا يوجد خارج آمن.
ما يُسمى بـ"اتحاد شباب مصر في الخارج" هو اسم يستحق التوقف عنده. اتحاد يفترض فيه أنه مُعبّر عن المصريين المقيمين في المهجر، لكنه في الواقع ليس أكثر من ذراع تنفيذية من أذرع النظام المصري المُمتدة خارج الحدود. هذا ليس اجتهادا أو ظنا، بل هو ما تُوثّقه طبيعة تصريحاتهم وتوقيت تحركاتهم وانسجام خطابهم مع الرواية الرسمية المصرية في كل المحطات. هؤلاء ليسوا شبابا مندفعين خارج السيطرة، بل هم أداة مُبرمجة بعناية لتنفيذ مهمة واضحة: تخويف المعارضين وإسكات الأصوات وإيصال رسالة صريحة: أنتم في متناول أيدينا حتى في عواصمكم ، ولهذا أقرب وصف لهم هم اتحاد بلطجية مصر في الخارج.
هذه المنهجية ليست جديدة ولا مُفاجئة لمن تابع تطور أدوات الاستبداد في المنطقة. السعودية قبلهم أوفدت فرقة الاغتيال إلى قنصليتها في إسطنبول لتُقطّع صحفيا اسمه جمال خاشقجي، الاحتلال يطارد النشطاء الفلسطينيين في عواصم أوروبية وتُنفّذ عمليات اغتيال في برلين وفيينا وباريس. والآن مصر، التي دأب نظامها على اعتقال أقارب المعارضين داخل البلاد كورقة ضغط، تمضي خطوة إلى الأمام وتُطوّر قدراتها في ملاحقة المعارضين على أرض المهجر.
الاعتداء على أنس حبيب ليس حادثة فردية خرجت من عدم، بل هو حلقة في سلسلة ممنهجة؛ هو اختبار للبيئة وقياس لردود الفعل: هل تتحرك الشرطة الأوروبية؟ هل تُحرّك الحكومات الأوروبية ملفات؟ هل يُحدث هذا ضجة تُكلّف أكثر مما تجني؟ إذا كان الجواب لا، فالطريق مفتوح لما هو أشد.
رابعا: الفصل العنصري الإسرائيلي نموذجا.. هل تنسخه القاهرة؟
عندما نقارن بين سلوك نظام السيسي وبين نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في التعامل مع المعارضين فهذا ليس مبالغة بلاغية، بل هو وصف دقيق لمنهجية مُتشابهة في جوهرها وإن اختلفت في مستوى التطور والتنظيم.
إسرائيل بنت على مر عقود منظومة متكاملة لملاحقة منتقديها خارج حدودها: المراقبة الإلكترونية، والاختراق المُوثَّق لمنظمات فلسطينية في أوروبا والأمريكتين، والضغط المُمنهج على حكومات لتقييد نشاط الناشطين المؤيدين لفلسطين، فضلا عن العمليات الميدانية التي نفّذها الموساد في ست قارات.
هذا نموذج لدولة ترى أن حدودها الأمنية لا تنتهي عند حدودها الجغرافية؛ مصر المُتعثّرة اقتصاديا، المُثقَلة بديونها، لا تمتلك اليوم الإمكانات الكاملة لتطبيق هذا النموذج بالكامل، لكنها تمتلك الإرادة، وتمتلك الدافع، وتمتلك النمط الذهني للنظام الذي يرى في كل منتقد عدوا وجوديا يجب تحييده. وتمتلك أيضا ما هو أخطر من الميزانيات: شبكات من المنتفعين والمرتزقة الذين يعملون دون أجر رسمي لأن ارتباطهم بالنظام يُمنحهم امتيازات من نوع آخر داخل مصر والآن أصبح خارج مصر.
وإذا لم تُوقَف هذه المسيرة مبكرا، فإن المنطق الداخلي للنظام -الذي يُعامل المعارضة بوصفها تهديدا للأمن القومي لا رأيا مختلفا- سيقوده حتما إلى رفع منسوب العنف خارج الحدود؛ من الاعتداء الجسدي إلى التخريب الممنهج إلى ما هو أبعد وأخطر. هذه ليست نبوءة بل هي قراءة في منطق الأنظمة الشمولية حين تشعر أن بقاءها مهدد ومحاصر. والسؤال الذي يجب أن تُجيب عنه العواصم الأوروبية هو: حتى متى؟
خامسا: أوروبا الصامتة.. شريك في الجريمة أم شاهد مُتواطئ؟
تُؤوي الدول الأوروبية الكثير من المعارضين المصريين، لكنها تقف في موقف يستوجب المحاسبة الصريحة. ألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة وسواها منحت حق اللجوء لمئات المعارضين المصريين استنادا إلى منظومة حقوقية تُعلن أنها تُقدّس الحرية والحماية، لكن حين تمتد يد النظام المصري لتضرب ناشطا على أرضها، تتحوّل هذه الدول إلى مراقبين يُسجّلون البلاغات في ملفات وينتظرون.
هذا التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها؛ فرنسا تبيع السلاح لمصر، ألمانيا تُصدّر التكنولوجيا، بريطانيا تُدير علاقات أمنية. وكل هذه المصالح تجعل المطالبة الرسمية بحماية المعارضين ورقة لا يُبادر أحد باستخدامها.
التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها
لكن الصمت له ثمن مُؤجَّل؛ حين تنجح الأنظمة الاستبدادية في جعل المهجر غير آمن لمعارضيها، فإنها ترسل رسالة مزدوجة: إلى الداخل، أن لا هروب، وإلى الخارج، أن الديمقراطية الغربية مجرد شعار أجوف لا يُترجَم في الممارسة. وهذا بالضبط ما تحتاجه الأنظمة الاستبدادية: إثبات أن المنظومة الدولية لحقوق الإنسان مزيفة، لأن ذلك يُفقد المعارضين الأساس الأخلاقي الذي يقفون عليه حين يستمدون شرعيتهم من القيم الغربية.
على أوروبا أن تختار: إما أنها تحمي من آوتهم، وإما أنها تعترف بأن مبادئها تتوقف عند مصالحها التجارية؛ لا يوجد موقف ثالث.
وعلى المستوى القانوني، الاعتداء على ناشط سياسي على أرض أوروبية يُشكّل -إن ثبتت الصلة التنظيمية بالنظام المصري- عملا عدوانيا من قِبَل دولة أجنبية على أراضي دولة ذات سيادة. هذا ليس شأنا أمنيا بوليسيا داخليا، بل هو مسألة دبلوماسية وقانونية دولية تستوجب ردودا على المستوى ذاته. السفير المصري يُستدعى في أقل من ذلك حين تتعلق المسألة بدول أقوى وأجدر بالمراعاة.
سادسا: ما العمل؟ قبل أن يصبح السؤال عبثا
انتقاد المعارضة ليس هدفا في ذاته، والمقال الذي يُشخّص دون أن يُشير إلى الطريق يظل منقوصا، لذلك لا بد من قول ما هو مطلوب بوضوح لا مُدارة فيه.
أولا: إعادة هيكلة جذرية لأولويات الإنفاق في المنظمات المعارضة. جزء لا يقل عن ثلث الميزانيات يجب أن يذهب لإنتاج ثقافي وفني ممنهج: أفلام وثائقية قصيرة تروي قصص المعتقلين، موسيقى تحمل الوجع المصري إلى الأذن العالمية، منصات رقمية تضخ المحتوى بانتظام لا بموجات متقطعة. المعركة الإعلامية خُسرت لأنها لم تُخَض بجدية، وإعادة خوضها ممكنة ولكنها تحتاج إرادة وإعادة ترتيب للأولويات.
ثانيا: بناء تحالفات مع المجتمعات المصرية في المهجر خارج الدوائر السياسية المعتادة. يشكل المصريون في أوروبا وأمريكا مجتمعات حيّة لها قدرة على الضغط حين تُوظَّف توظيفا ذكيا، لكن المعارضة دأبت على العمل في فقاعة مغلقة مكوّنة من وجوه تُعيد إنتاج نفسها في كل اجتماع. الانفتاح على الجيل الثاني من المصريين في المهجر، الذين يحملون جوازات أوروبية ويتحدثون اللغات ويعرفون ثقافة الضغط السياسي في بلدانهم، هو ما تفتقره المعارضة افتقارا فاضحا.
ثالثا: ملف أنس حبيب والاعتداء عليه يجب ألا يُطوى بـ"بيان إدانة" يُصدَر وينتهي الأمر. يجب أن يتحوّل إلى قضية قانونية مُتابَعة أمام القضاء الأوروبي، وأن تُوثَّق الصلات التنظيمية لهؤلاء المعتدين بالنظام المصري بالأدلة التي يعرفها الجميع؛ لكن لا أحد يُكلّف نفسه جمعها وتقديمها بصورة قانونية مُحكمة. القانون الأوروبي يتيح ملاحقة ممثلي الدول الأجنبية الذين يمارسون عمليات تخريبية على الأراضي الأوروبية، والسؤال: لماذا لم يُفعَّل هذا المسار حتى الآن؟
رابعا: على الدول الأوروبية المعنية -وهولندا على رأسها نظرا للجاليات المصرية الكبيرة فيها- أن تُنشئ آليات رسمية لرصد ومتابعة نشاط الأذرع الخارجية للأنظمة الاستبدادية على أراضيها. هذه الآليات موجودة في التعامل مع ملفات أخرى كالإرهاب وتمويل الجريمة المُنظّمة، ولا يوجد سبب منطقي يمنع تطبيقها على من يُنفّذون عمليات ترهيب وعنف بتوجيه من أجهزة استخبارات أجنبية.
ختاما: النار التي لا تبدأ بالأصابع
في النهاية، الفشل الذريع للمعارضة المصرية في الخارج ليس قضاء مبرما ولا حكما أبديا على شعب بعينه، لكنه فشل حقيقي يجب أن يُسمّى بالاسم لأن التجميل الكاذب يُطيل عمره ولا يعالجه.
المطلوب ليس ثورة ولا معجزة، المطلوب أن يُدرك من يتصدّر المشهد المعارض أن الجمهور ليس بحاجة إلى مؤتمرات يحضرها الجمهور نفسه ويُصفّق فيها كل واحد للآخر.. المطلوب أغنية واحدة تعبر الحدود، فيلم قصير يُبكي محاميا أوروبيا يلمس قضية معتقل مجهول، قصيدة تُردّد في بيوت المصريين في المهجر فيشعرون أن ثمة من يحمل همّهم ويعرف كيف يُعبّر عنه.
أما أنس حبيب، فاسمه يجب أن يبقى حاضرا في كل اجتماع ومنبر ومحفل، لا كمظلوم يُستعطف به، بل كدليل على أن النظام المصري يخاف. الأنظمة لا تضرب من لا تخشاه؛ الضربة التي تُوجَّه إلى ناشط ما هي اعتراف ضمني بأن صوته يُقلق ويُزعزع.
المعارضة التي تُدرك هذه المعادلة ستتعامل مع كل اعتداء ليس كجرح بل كوسام، والدول الأوروبية التي تُدير وجهها عن هذه الاعتداءات تتذكّر -أو يجب أن تتذكّر- أن الصمت أمام توحّش الأنظمة المستبدة خارج حدودها لم يُنتج يوما استقرارا، بل أنتج أنظمة أشد استبدادا بسبب غياب الكلفة.
النار لا تبدأ بإشعال كل شيء دفعة واحدة إنما تبدأ بعود ثقاب واحد، يوقد شمعة، تُضيء غرفة، تخرج منها شعلة. المعارضة المصرية تملك الأعواد، تملك العقول والأقلام والأصوات والوجوه الكريمة، وما تفتقره هو الشجاعة على إيقاد أول عود ثقاب، دون انتظار الإذن، ودون استئذان لجنة، ودون بحث عن ميزانية. الشعوب التي تريد الحرية تُنتجها أولا في خيالها وفنها قبل أن تصل إلى ميادينها.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.