تشالنجر.. أربعون عاما على الكارثة التي غيّرت مسار رحلات الفضاء
تاريخ النشر: 29th, January 2026 GMT
في 28 يناير/كانون الثاني 1986 توقّف حلم كان يسوَّق له بوصفه "رحلات فضاء روتينية"، عندما انفجر مكوك الفضاء الأميركي تشالنجر (The Space Shuttle Challenger) بعد 73 ثانية فقط من انطلاقه من مركز كينيدي للفضاء، في كارثة لا تزال حاضرة في الذاكرة بعد مرور 40 عاما.
دخل تشالنجر الخدمة عام 1983 بوصفه ثاني مكوك فضائي تشغّله وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) بعد كولومبيا، وكان رمزا لمرحلة كانت تراهن فيها الوكالة على إعادة الاستخدام وخفض كلفة الوصول إلى الفضاء.
كان على متن تشالنجر سبعة رواد فضاء: القائد ديك سكوبي، والطيار مايكل سميث، والرواد رونالد ماكنير، وجوديث ريزنيك، وإليسون أونيزوكا، وغريغوري جارفيس، إضافة إلى كريستا ماكوليف، أول معلمة تشارك في برنامج "المعلم في الفضاء".
لم تكن ماكوليف رائدة فضاء محترفة، بل معلمة اختيرت من بين آلاف المتقدمين لتقديم دروس تعليمية من المدار، في محاولة من "ناسا" لتقريب الفضاء من الحياة اليومية. ووجودها جعل ملايين الطلاب الأميركيين يشاهدون الإطلاق مباشرة، وتحوّل الحدث إلى صدمة وطنية جماعية.
أما رونالد ماكنير، فكان عالما وموسيقيا بارعا في آلة الساكسفون، بينما عرفت جوديث ريزنيك بدورها الريادي بصفتها امرأة في الهندسة والفضاء، وكلهم تركوا أثرا إنسانيا وعلميا تجاوز لحظة الرحيل.
لماذا انفجر تشالنجر؟كشف تحقيق مستقل قادته لجنة روجرز أن السبب التقني المباشر كان فشل حلقات مطاطية تعرف بـ"حلقات أوه" (O-rings) في أحد المعززات الصاروخية الصلبة، إذ فقدت الحلقات مرونتها بسبب البرودة الشديدة صباح الإطلاق، مما سمح بتسرّب غازات حارّة أدت إلى انفجار الخزان الخارجي وتمزق المكوك.
إعلانلكن التقرير شدد على أن المشكلة لم تكن تقنية فقط؛ بل كانت ثقافة إدارية داخل "ناسا"، التي تجاهلت تحذيرات مهندسين، ورضخت لضغوط الجدول الزمني، فيما عرف لاحقا بـ"حمّى الإطلاق".
أوقفت "ناسا" رحلات المكوكات قرابة ثلاث سنوات، أعادت خلالها تصميم المعززات الصاروخية، وأجرت تغييرات عميقة على إجراءات السلامة واتخاذ القرار، ورغم عودة البرنامج لاحقا، فإن تشالنجر غيّر نظرة العالم إلى رحلات الفضاء المأهولة بوصفها نشاطا محفوفا بالمخاطر لا يمكن اعتباره روتينيا.
نهاية عصر المكوكاتلم تكن تشالنجر المأساة الوحيدة؛ ففي عام 2003 تحطم مكوك كولومبيا أثناء العودة إلى الغلاف الجوي، ما عجّل بقرار إنهاء برنامج المكوكات نهائيا عام 2011. ومنذ ذلك الحين انتقلت "ناسا" إلى نماذج جديدة تعتمد على شراكات تجارية ومركبات أقل تعقيدا.
بعد 4 عقود، لا يُستحضر تشالنجر بوصفه فشلا تقنيا فقط، بل بكونه درسا أخلاقيا في أهمية الاستماع للعلماء، وتقديم السلامة على الجداول والسياسة. وبينما تستعد ناسا اليوم لمهمات "أرتميس" القمرية، تبقى ذكرى تشالنجر تذكيرا دائما بأن الطريق إلى الفضاء، مهما تقدم، لا يزال بعيدا عن الروتين.
يوم التذكّر في وكالة ناساويتقاطع هذا الحدث مع ما يُعرف بـ"يوم ناسا للتذكّر" (NASA Remembrance Day)، الذي تحييه الوكالة سنويا في أواخر يناير/كانون الثاني لتكريم رواد الفضاء الذين فقدوا حياتهم أثناء أداء مهامهم، وعلى رأسهم طواقم تشالنجر وكولومبيا وأبولّو 1.
ولا يقتصر هذا اليوم على استحضار المأساة، بل يمثل لحظة تأمل مؤسسية تعيد فيها ناسا التأكيد على ثقافة السلامة، والتعلّم من الأخطاء ووضع حياة رواد الفضاء في صدارة كل مهمة مستقبلية، لأن التقدم في استكشاف الفضاء لا ينفصل عن الذاكرة والمسؤولية.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات فضاء
إقرأ أيضاً:
بلو أوريجين تتعهد بعودة صاروخ New Glenn إلى الفضاء قبل نهاية 2026
في وقت تتصاعد فيه المنافسة داخل قطاع الفضاء التجاري، أكدت شركة بلو أوريجين أنها تعتزم إعادة إطلاق صاروخها الثقيل New Glenn قبل نهاية عام 2026، رغم الأضرار الكبيرة التي لحقت بمنصة الإطلاق التابعة لها في ولاية فلوريدا إثر انفجار وقع خلال اختبارات فنية أواخر مايو الماضي.
وجاءت تصريحات الشركة لتخفف من المخاوف التي أثيرت عقب الحادث، خاصة بعد تقديرات أشارت إلى أن إعادة تأهيل منشآت الإطلاق قد تستغرق سنوات. وأكد ديف ليمب، الرئيس التنفيذي لبلو أوريجين، أن الشركة قادرة على استعادة جاهزية المنصة خلال فترة أقصر بكثير مما يتوقعه بعض المسؤولين، مشددًا على أن عمليات الإصلاح بدأت بالفعل عقب استعادة الفرق الفنية إمكانية الوصول إلى الموقع المتضرر.
وكانت منصة الإطلاق التابعة للشركة في كيب كانافيرال قد تعرضت لانفجار مفاجئ أثناء إجراء اختبار إشعال ثابت لصاروخ New Glenn، وهو اختبار يُجرى عادة للتحقق من جاهزية المحركات والأنظمة قبل تنفيذ المهمة الفضائية التالية. وأسفر الحادث عن أضرار واضحة في البنية التحتية للموقع، ما أثار تساؤلات بشأن مستقبل البرنامج الفضائي للشركة وخططها القريبة.
في المقابل، أبدى جاريد إيزاكمان، مدير وكالة ناسا، رؤية أكثر تحفظًا بشأن الجدول الزمني للإصلاحات. وأشار إلى أن حجم الأضرار قد يتطلب وقتًا طويلًا لمعالجتها، معتبرًا أن عودة المنصة إلى كامل طاقتها التشغيلية قد تمتد حتى عام 2028، وهو ما قد يؤثر على عدد من المهام الفضائية المخطط لها خلال السنوات المقبلة.
ورغم هذا التباين في التقديرات، تؤكد بلو أوريجين أن الفحوصات الأولية أظهرت أن خزانات الوقود الرئيسية للصاروخ لم تتعرض لأضرار جسيمة، كما أن برج الدعم الخاص بمنصة الإطلاق يمكن إصلاحه في موقعه الحالي دون الحاجة إلى تفكيكه وإعادة بنائه بالكامل، وهو ما قد يسرّع عملية إعادة التشغيل.
ويحظى برنامج New Glenn بأهمية استراتيجية كبيرة بالنسبة للشركة، إذ يمثل حجر الأساس في خططها للتوسع داخل سوق إطلاق الأقمار الصناعية والبعثات الفضائية التجارية. كما تعتمد عليه عدة مشروعات مرتبطة ببرامج الاستكشاف القمري الأمريكية، إلى جانب دوره المتوقع في دعم مهام مستقبلية مرتبطة ببناء قواعد ومرافق على سطح القمر.
ولا تقتصر أهمية الصاروخ على مهام ناسا فقط، بل تمتد إلى مشروعات تجارية أخرى، من بينها خطط نشر أقمار صناعية خاصة بخدمات الإنترنت الفضائي. وكانت المهمة الرابعة لصاروخ New Glenn تستهدف نقل عشرات الأقمار الصناعية إلى المدار، قبل أن يؤدي الحادث إلى تأجيل هذه الخطط مؤقتًا.
وفي محاولة لتوسيع قدراتها التشغيلية، تعمل بلو أوريجين أيضًا على تطوير موقع إطلاق جديد داخل قاعدة فاندنبرج الفضائية بولاية كاليفورنيا. إلا أن المشروع لا يزال في مراحله الأولى، وتشير التقديرات إلى أن تجهيز الموقع بالكامل قد يستغرق نحو عامين، ما يعني أنه لن يكون جاهزًا قبل عام 2028.
وتواجه الشركة الآن تحديًا مزدوجًا يتمثل في إصلاح الأضرار الحالية واستعادة ثقة العملاء والشركاء، مع الحفاظ على جدولها الزمني الطموح للمهمات الفضائية المقبلة. وبينما ترى ناسا أن الطريق لا يزال طويلًا أمام عودة المنصة إلى العمل، تصر بلو أوريجين على أن صاروخ New Glenn سيعود إلى التحليق مجددًا قبل نهاية العام الجاري، لتبقى الأشهر المقبلة حاسمة في تحديد مدى قدرة الشركة على الوفاء بهذا الوعد.