بينما كانت إيطاليا تغرق في عقود من "الأوميرتا" أو ميثاق الصمت تجاه جرائم المنظمات السرية، برز الروائي الإيطالي الصقلي ليوناردو شاشا كأول صوت أدبي وسياسي يجرؤ على تشريح بنية المافيا.

ومن خلال مراجعة نشرتها جريدة تايمز البريطانية لكتاب "رجل صقلي" (A Sicilian Man) للمؤلفة كارولين مورهيد، تم استعراض سيرة الرجل الذي كان يرى في الكتابة "طريقاً وحيداً نحو الحقيقة".

في قلب سجن "أوتشاردوني" بمدينة باليرمو عام 1986، ووسط قفص حديدي يضم مئات المتهمين في أكبر محاكمة للمافيا في التاريخ، كان الروائي ليوناردو شاشا (1921 – 1989) يراقب المشهد من شرفة الصحافة.

لم يكن شاشا غريبا عن هذا العالم، بل كان الرجل الذي استبق الدولة والقضاء بعقود، حين كتب رواياته التي فضحت تغلغل الجريمة المنظمة في مفاصل المجتمع الإيطالي، حتى إن القاضي الشهير جيوفاني فالكوني، الذي قاد تلك المحاكمات، اعترف قائلاً: "لقد تعلمت فهم المافيا من كتب شاشا".

غلاف كتاب "رجل صقلي" لكارولين مورهيد (الجزيرة)صقلية التي سكنت "العظام"

تستند مراجعة جريدة تايمز البريطانية إلى رؤية مورهيد التي ربطت بين طفولة شاشا في قرية "راكالموتو" الصقلية وبين وعيه المبكر بـ "الدولة الموازية".

ففي مناجم الكبريت حيث عمل والده، وفي شوارع القرية حيث كانت الانتخابات تُحسم بإيماءات العيون ونبرات التهديد المكتومة، أدرك شاشا أن المافيا ليست مجرد عصابة، بل هي نظام حكم بديل "أكثر واقعية للصقليين من حكومة روما العاجزة".

وتشير تايمز في عرضها للسيرة الذاتية إلى نقطة مفصلية أثارها الكتاب، وهي أن المافيا التي كادت تندثر في عهد موسوليني، استعادت قوتها بفضل "سوء فهم" قوات الحلفاء أثناء الحرب العالمية الثانية، الذين منحوا زعماء العصابات مناصب سياسية وإدارية ظنا منهم أنهم مجرد معارضين للفاشية، مما شرعن وجودهم داخل هيكل الدولة الحديثة.

الأدب كأداة للمكاشفة السياسية

في عام 1961، أحدث شاشا صدمة ثقافية بروايته "يوم البومة"، وهي أول عمل أدبي يصور المافيا كمنظومة مرتبطة بالسلطة السياسية.

إعلان

أطلق شاشا في هذا العمل تحذيره الشهير: "خط أشجار النخيل يتحرك شمالاً"، في إشارة إلى أن عدوى الفساد والجريمة ستتجاوز جزيرة صقلية لتصل إلى قلب العاصمة روما.

لم يتوقف طموح شاشا عند الرواية، بل اقتحم الحلبة السياسية عبر البرلمان، لكنه سرعان ما انسحب منها معبراً عن اشمئزازه من "ثقافة التعتيم".

ولعل أبرز مساهماته الفكرية كانت في قضية اختطاف وقتل رئيس الوزراء ألدو مورو عام 1978، حيث شن هجوماً شرساً على طريقة إدارة الحكومة للأزمة، معتبراً أن الحقيقة تُذبح على مذبح المصالح السياسية الضيقة.

غلاف كتاب "نهار البومة" للكاتب ليوناردو شاشا (الجزيرة)"الأوميرتا" الثقافية

يرسم المقال صورة لشاشا كأديب يمتلك أسلوباً لغوياً يتسم بالدقة والوضوح في بلد يميل للثرثرة اللغوية.

ورغم أنه عاش حياة هادئة مع عائلته، فإنه كان "مواجهاً شرساً" لا يتردد في انتقاد الكنيسة والدولة وحتى رفاقه في جبهة مكافحة المافيا إذا رأى انحرافاً في مسار العدالة، وهو ما تجلى في انتقاده لبعض القضاة في أواخر حياته، وهو موقف أثار جدلاً واسعاً.

وعندما سُئل شاشا ذات مرة عما إذا كان يخشى الاغتيال كغيره من رفاقه، أجاب بتهكم يحمل مرارة الواقع: "لا، المافيا لا تقرأ الكتب".

ويبقى ليوناردو شاشا، كما تصوره سيرة كارولين مورهيد، ظاهرة فريدة في الثقافة الأوروبية، فهو الكاتب الذي لم يكتفِ برصد الجريمة، بل فكك الشيفرات الثقافية والاجتماعية التي سمحت لها بالنمو، وتعتبر قصته تجسيدا لقصة الصراع الأزلي بين المثقف الحر ومنظومات الفساد التي تتغذى على الصمت.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات

إقرأ أيضاً:

اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه

كلما دار حديث عن الإعلام الإسرائيلي تقفز إلى ذهني على الفور صورة الأستاذة الدكتورة راجية قنديل. كانت أستاذة الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة واحدة من الأسماء التي أسست مبكرًا لتيار عربي أكاديمي جاد يؤمن بأهمية دراسة إعلام العدو من داخله، وتشكيل مدرسة بحثية عربية تهتم ببحوث هذا الإعلام؛ حتى نفهم كيفية بناء الرواية الصهيونية، وصناعة الصورة، والدعاية الموجهة.

ولعل من الدروس التي لا أنساها قولها: «إن كل حدث يقع على الأرض يُولد مرة أخرى في اللغة والصورة التي يقدم بها للناس».

كانت د. قنديل تدرك قبل كثيرين أن معرفة حقيقة العدو تتطلب نزع الغموض الذي يحيط به نفسه. وكانت أول باحثة عربية تحصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في الإعلام الإسرائيلي في وقت لم يكن هذا الطريق سهلًا. وكانت -متعها الله بالصحة والعافية- على قناعة تامة بأن هذا الإعلام هو مرآة لمشروع صهيوني كامل بكل مخاوفه وأساطيره وأدوات دفاعه عن نفسه يطمح في تحقيق إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات.

أتذكر أيضا في السياق نفسه الكاتب الصحفي الراحل أنيس منصور وسلسلة مقالاته الشهيرة «وجع في قلب إسرائيل» التي كان ينشرها في مجلة «أكتوبر» التي أسسها ورأس تحريرها بتكليف من الرئيس أنور السادات في العام 1976، وجمعت لاحقا في كتاب بالعنوان نفسه.

كان منصور يكتب عن إسرائيل دون أن يراها. ومن خلال ما كان يقرأه في صحافتها كان يلتقط قلقها الداخلي، ويتابع ما تقوله عن نفسها، ثم يقدمه للقارئ العربي في قالب أدبي فلسفي وصحفي وبعبارات ساخرة أحيانًا، لكنها عميقة الدلالة. وكان يعلم أن في قلب العدو ما يستحق أن يعرفه القارئ العربي.

في سنوات ما بعد كامب ديفيد، ووادي عربة، وأوسلو تحول هذا العدو في بعض العواصم العربية إلى صديق، وتراجع الاهتمام بدراسة إعلام العدو في جامعاتنا والكتابة عنه من الداخل في صحفنا. صرنا نرى إسرائيل وهي تقصف غزة وجنوب لبنان وبيروت ودمشق، وحين تغتال قادة المقاومة في الداخل المحتل وفي الخارج، حين تقتل الأطفال والنساء والشيوخ دون رحمة في حملات الإبادة الجماعية، وحين تعذب الأسرى وتكذب بوقاحة منقطعة النظير على الشاشات والمنصات الرقمية. لم يعد لدينا أحد مثل راجية قنديل أو أنيس منصور يتابع كيف تُحضّر إسرائيل أكاذيبها قبل أن تصبح نشرات أخبار، وكيف تُبنى المفردات قبل أن تصبح سياسة، وكيف يُوزع الخوف قبل أن يتحول إلى قبول شعبي بالحرب، فنحن كما يقول المثل «نرى الانفجار، ولا نرى اليد التي وضعت المتفجرات» في اللغة والصورة والذاكرة.

إن أبسط ما يمكن قوله عن الإعلام الإسرائيلي أنه إعلام منحاز بطبعه، لكن هذه العبارة على صحتها تظل فقيرة؛ فكل إعلام في لحظات الصراع يحمل انحيازًا ما. المشكلة في الإعلام الإسرائيلي أنه يعرف كيف يُلبس انحيازه ثوب المهنية. يعرف متى يصرخ، ومتى يخفض صوته. يعرف متى يظهر بصورة الضحية الصغيرة المحاصرة، ومتى يتحدث بلغة القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان. يعرف كيف يجعل الخريطة خبرًا، والجندي ابنًا للعائلة، والقصف عملية دقيقة، والطفل الفلسطيني رقمًا يحتاج إلى تدقيق.

هذا الإعلام لم يولد في فراغ. هو ابن المشروع الصهيوني كما هو ابن الدولة. قبل قيام إسرائيل كانت الكلمة جزءًا من الحشد، وكانت الصحافة تساعد في تحويل الهجرة إلى «عودة»، والاستيطان إلى «خلاص»، وفلسطين إلى أرض تنتظر من يعيد إليها معناها القديم. وبعد 1948 صار الإعلام شريكًا في بناء الدولة الجديدة؛ إذ يجمع مهاجرين لا تجمعهم لغة واحدة بسهولة، فيمنحهم رواية مشتركة، ويضع الفلسطيني في خانة الغائب أو العائق أو الخطر.

لذلك تبدو إسرائيل من الخارج دولة فيها صحف كثيرة وقنوات عديدة ومواقع صاخبة وخلافات لا تنتهي. وهذا كله موجود فعلًا. هناك صحافة تنتقد الحكومة، وقنوات تهاجم رئيس الوزراء، ومقالات تفضح الفساد، ومحللون يتجادلون بعنف، لكن الاقتراب من الفلسطيني يغير المشهد كله.

عند هذه النقطة تضيق اللغة، ويتقدم الأمن، ويعلو صوت الجيش، وتصبح الحرية مشروطة بما لا يمس أصل الرواية الصهيونية. يمكن انتقاد الحكومة، ويمكن لوم الجنرالات، ويمكن الحديث عن سوء الإدارة، لكن السؤال الأخلاقي الأكبر يظل غالبًا خارج المشهد: ماذا عن الاحتلال نفسه؟

في الحروب يصبح المشهد الإعلامي الإسرائيلي أكثر تعقيدا. لا تبدأ الحرب إعلاميا مع أول قذيفة، وإنما قبل ذلك بكثير، وعبر تحويل العدو سواء كان الفلسطيني، أو اللبناني، أو السوري، أو الإيراني تدريجيًا إلى خطر داهم بلا ملامح. ومع تكرار مفردات التهديد والتصعيد والردع، يشعر الجمهور أن الحرب قادمة لا محالة.

وحين تشتعل الحروب الإسرائيلية -وما أكثرها!- لا تبقى وسائل الإعلام شاهدًا محايدًا، وتتلاعب بالتغطية لكي تحدد من يستحق أن يُرى، وتمنح الإسرائيلي اسمه ووجهه وبيته وخوف أطفاله، فيما تترك الفلسطيني واللبناني مجرد رقم في أعداد القتلى والأسرى.

وكما تتلاعب بالتغطية تتلاعب الوسائط الإعلامية الإسرائيلية أيضا بالكلمات والمفردات، فالقصف الذي تمارسه على الآخرين ليس قصفا، ولكن استهداف، والاجتياح عملية، والاغتيال تحييد، والحصار إجراء أمني، والضحايا المدنيون أضرار جانبية. وهذه بالطبع ليست مجرد كلمات بريئة. إنها تنظف الفعل قبل أن يصل إلى المتلقي، وتمنح العنف اسمًا أكثر لطفًا، وتمنح القاتل مسافة من صورته الحقيقية. فمن يملك القدرة على ارتكاب الجريمة -كما يقولون- قد يمتلك أيضا القدرة على تبريرها، أو تخفيف وقعها النفسي على الآخرين عبر صياغتها بطريقة معينة.

بعد الحرب وعندما تصمت المدافع قليلًا يبدأ الإعلام الإسرائيلي معركة أخرى، ويتحول اتجاه برامج التلفزيون ومقالات الكتاب إلى التركيز على الردع، والدروس المستفادة، ويتجادل السياسيون حول الإخفاق والنجاح، ويُسأل الجيش عن كفاءته وليس عن شرعية أفعاله، ويصبح السؤال هو هل أُديرت الحرب جيدًا؟

ولأن إسرائيل تعرف أن العالم لا يتحدث العبرية؛ فقد طورت خطابًا كاملًا للآخرين تسميه دبلوماسية عامة أو شرحًا أو «هسبَرة». والهدف أن تظهر إسرائيل دائمًا كدولة صغيرة محاصرة، وأن يظهر جيشها مضطرًا إلى مواجهة أعداء يحيطون بها، وأن يظهر الفلسطيني خطرًا يحتاج إلى ضبط. وحين تخاطب العرب بالعربية فإنها تستهدف التسلل إلى الوعي، وتختلط في هذا الخطاب الذي يقدمه المتحدثون العسكريون رسائل التحذير والتخويف وتحميل المسؤولية للضحايا، ومحاولة شق صفوف المقاومة. ليس المطلوب من الإعلام العربي أن يكتفي بالغضب من الجرائم الإسرائيلية مهما كان الغضب مشروعًا؛ فالغضب وحده لا يهزم رواية تُصنع بعناية شديدة. ولا تكفي الكلمات الرنانة الكبيرة حين يكون الخصم قادرًا على إنتاج صورة صغيرة تؤثر في ملايين الناس. المطلوب أن نعود إلى الدرس الأول: أن نبحث، ونرصد، ونفكك، ونتابع، ونفهم كيف تتحرك آلة الحرب الإعلامية الصهيونية.

كانت راجية قنديل تعرف ذلك مبكرًا. وكان أنيس منصور بطريقته المختلفة يعرف أن قلب إسرائيل ليس مغلقًا تمامًا أمام من يقرأ جيدًا. في ذلك القلب خوف وتناقض وغطرسة وارتباك وأسطورة تحاول أن تحمي نفسها كل يوم. ونحتاج إلى قراءة هذا كله بدافع الضرورة؛ فالقضية التي لا تمتلك روايتها تترك صورتها لخصمها، والخصم الذي يكتب صورتك لن يمنحك وجهًا عادلًا.

هكذا تعود عبارة «اعرف عدوك» اليوم لتفرض نفسها علينا؛ فالمعرفة تبدأ من فهم الطريقة التي يصنع بها المحتل روايته، واللغة التي يستخدمها لتخفيف أثر عنفه وهمجيته، والخبر الذي يدفع الضحية إلى الهامش ويمجد القاتل. إن عدم قراءة الإعلام الإسرائيلي بوعي يجعلنا أسرى لرواية عدونا. لذلك يحتاج الإعلام العربي إلى أن يدرك أن الدفاع عن القضايا العربية قد يبدأ من التفتيش في قلب الإعلام الإسرائيلي الذي ما زال وسيبقي يعاني من الوجع.

مقالات مشابهة

  • وزارة التربية توضح بخصوص الحريق الذي اندلع بمقرها
  • أوكرانيا تحث إيطاليا على إتمام اتفاقية الطائرات المُسيرة
  • القيادة الأمريكية: الناقلة التي عطلتها قواتنا كانت ترفع علم بوتسوانا
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • تغلغل الصهاينة بيننا .. واصبحوا مواطنين .. لا مُحتلين
  • اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟