يهتم الفنانون ومحبو الفنون دائما بأرشفة وحفظ الأعمال الفنية، وتأمينها من التلف أو السرقة، وتخصص ميزانيات هائلة لحفظ القديم منها، ليطول عمره. ويقوم بعض الفنانين بعكس ذلك، يبنون منحوتات لتذوب، ويصممون منشآت فنية ليتم تفكيكها، ويقيمون عروضا ما تلبث أن تصبح أثرا بعد عين.

وإذا كانت قيمة الفن تقاس بما يمكن امتلاكه وبيعه وتخزينه، فإن قطاعا من الفنانين يعلن الثورة على هذا المنطق الذي ربط الفن بمنطق السوق، ويرى أن العمل الفني الصادق هو الذي يصبح فنا زائلا.

اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2فواز حداد للجزيرة نت: في الأنظمة الدكتاتورية يصبح الروائي الموهوب "مريباً" لامتلاكه مساحة للتحايلlist 2 of 2الشهقة الأخيرة.. حسن القطراوي يكتب التاريخ السري للألم من قلب "محرقة" غزةend of list

و الفن الزائل عبارة عن أعمال فنية تصمم عمدا لتدوم لفترة وجيزة جدا، قد تصل لدقائق، وأحيانا أيام، قبل أن تتلاشى أو تفكك أو تتوقف عن الوجود ككائن مادي.

يمكن أن يكون الزوال متأصلا في المادة، كالجليد والرمل والمواد العضوية، أو في الشكل، كالعروض الحية، أو في قواعد العرض في حالة منع التصوير أو التسجيل أو إصدار الكتالوجات.

ولفكرة الفن الزائل جذور تاريخية، فقد شكك الفن الحديث والمعاصر في العمل الفني باعتباره كائنا ثابتا وقابلا للاقتناء، حيث تصف مصطلحات مثل "الحدث" فعاليات مسرحية تفاعلية ظهرت في أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات، وهي أعمال فنية تجسد تجارب فقط.

وهناك أيضا "الفن التدميري الذاتي"، وارتبط بالفنان "غوستاف ميتزغر". ويقدم متحف تيت (Tate) البريطاني الذي يعد مرجعا عالميا في دراسة الفن وسياقه الثقافي، تعريفا لـ "الفن التدميري الذاتي" بأنه نهج جذري يعد فيه التدمير جزءا لا يتجزأ من فكرة العمل الفني.

سلعة الفن

يقدر تقرير سوق الفن العالمي الصادر عن "آرت بازل" و"يو بي إس" مبيعات سوق الفن العالمي بـ 57.5 مليار دولار أمريكي في عام 2024. ويؤثر منطق السوق هذا على الخيارات الفنية، أحيانا بجذب الفنانين نحو الأعمال الفنية الدائمة، وأحيانا أخرى يدفع آخرين إلى التمرد.

إعلان

يتجلى هذا التمرد في كيفية تخزين الفن والتعامل معه، ويشمل اقتصاد الفن المعاصر "مناطق تخزين آمنة" (Freeports)، وهي مرافق تخزين عالية الأمان حيث يمكن حفظ الأعمال الفنية القيمة بعيدا عن الأنظار، أحيانا لسنوات، فتصبح أشبه برأس مال مجمد أكثر من كونها قطعا فنية.

ويشرح تقرير "آرتسي" (Artsy) سبب ملاءمة هذه المناطق للمضاربة، قائلا: "إذا كنت مضاربا، فأنت لست بحاجة لرؤية العمل الفني، بل تحتاج إلى تخزين آمن بينما تراهن على ارتفاع قيمته"

وتتجلى هنا فرادة الفن الزائل، فمن الصعب تكديس عمل فني يذوب، كما أن الأداء الفني الذي يعرض لمرة واحدة يقاوم التخزين، ولا يمكن بسهولة تصنيف عمل فني يرفض التوثيق على أنه "محتوى". لكن التوجه نحو الزوال ليس مجرد مناهضة للسوق، بل يتعلق أيضا بكيفية إنتاج المعنى، عبر الزمن، والتواجد المشترك، وعدم إمكانية التراجع.

"مراقبة الجليد" في لندن

من الأمثلة الحديثة التي حظيت باهتمام واسع عمل "مراقبة الجليد"، وهو عمل فني عام للفنان أولافور إلياسون وعالم الجيولوجيا مينيك روسينغ. في لندن، حيث تم تركيب كتل كبيرة من جليد غرينلاندي في مكان يتيح للجمهور رؤيتها ولمسها أثناء ذوبانها، محولا بذلك تغير المناخ من مجرد إحصائية مجردة إلى تجربة ملموسة.

ساعة الجليد للفنان أولاف إلياسون (الفرنسية)

يصف متحف تيت مودرن عمل "مراقبة الجليد" بأنه "مجموعة من أربع وعشرين كتلة جليدية" مثبتة أمام المتحف. وتشير عدة مصادر إلى أن نسخة لندن من العمل الفني عرضت في ديسمبر/كانون الأول 2018، بالتزامن مع مؤتمر الأطراف الرابع والعشرين (COP24)، ونصبت خارج متحف تيت مودرن وفي موقع آخر بمدينة لندن.

كما تشير صفحة أعمال ستوديو أولافور إلياسون الفنية إلى أن العمل عرض في بانكسايد، خارج متحف تيت مودرن، لندن، عام 2018، كسياق موثق لعرضه.

لا يقتصر الأمر هنا على الرسالة المتعلقة بتغير المناخ فحسب، بل يشمل أيضاً الشكل، فالعمل الفني يختفي حرفيا أمامك. هذا الاختفاء ليس عيبا، بل هو المحرك العاطفي للعمل. ثمة مفارقة لا يمكن إنكارها بين عصر رقمي يصر على تصوير كل شيء، وبين إبداع يصر على الفناء ويمنع البقاء ولو في صورة.

تماثيل نيلي أزيفيدو الذائبة

مثال آخر قوي هو "النصب التذكاري الأدنى" (Minimum Monument)، وهو "عمل فني حضري" للفنانة البرازيلية نيلي أزيفيدو. يستخدم المشروع مئات أو آلاف التماثيل الجليدية الصغيرة الموضوعة في الأماكن العامة، والتي تذوب خلال فترة قصيرة.

تصف أزيفيدو مشروعها "النصب التذكاري الأدنى" على صفحتها الرسمية بأنه عمل فني في الفضاء العام أُنشئ عام 2005، ويتألف من آلاف المنحوتات الجليدية البشرية الصغيرة، وقد وضعت في مواقع حضرية مركزية، بمساعدة المارة، وتركت لتذوب.

وبالمثل، يصف مقال نشر في مجلة "ريفيستا" التابعة لجامعة هارفارد هذا العمل، متخيلا "ألف تمثال جليدي" تغطي درجات السلالم في برلين، ويضعه في سياق ممارسة متكررة ظهرت في العديد من المدن.

إن الحجة الفنية هنا أعمق من مجرد "مشاهدة ذوبان الجليد". فمصطلح "النصب التذكاري الأدنى" بحد ذاته نقد، حيث تدعي النصب التذكارية التقليدية الخلود وتتشكل من الحجر، أو البرونز، وتمثل الذاكرة الرسمية.

إعلان

أما "نصب" أزيفيدو فهو صغير، هش، ومصيره الزوال. إنه نصب مضاد، يرفض وهم إمكانية تثبيت التاريخ بتمثال.

التوثيق ممنوع

لا يذوب كل الفن المؤقت، فبعضه يختفي وفقا لقواعد محددة، ومن الأمثلة المؤسسية اللافتة للنظر أعمال تينو سيغال، الفنان المقيم في برلين والمعروف بأعماله الحية التي يسميها "المواقف المصطنعة".

وتؤدى هذه الأعمال من قبل مشاركين مدربين، غالبا في المتاحف، وتتميز برفضها للآثار المادية.

صورة عامة لأعمال سيغال في افتتاح بينالي فينسيا عام 2013 (غيتي إيميجز)

يصف متحف هيرشهورن الأمريكي للفن الحديث والمعاصر في واشنطن، وحديقة المنحوتات (مؤسسة سميثسونيان)، عملا لسيغال عرض في أكتوبر/تشرين الأول 2018 بأنه "لقاءات حميمة" لا تترك "إلا ذكريات شخصية".

يشير المتحف، صراحة إلى أنه لم يكن من المفترض توثيقها عبر التسجيلات أو الصور أو مقاطع الفيديو، إذ بقيت عابرة بطبيعتها.

ويؤكد دليل معرض سميثسونيان نفسه على قاعدة "عدم التوثيق" هذه، ويؤطرها كرد فعل على "الانتشار المفرط للأشياء". شرط إعادة الأداء بدلا من التخزين ينفي منطق الملكية، إذ يُرى أنه لا يمكن ببساطة حبس العمل الفني في خزنة، بل تجب المحافظة عليه حيا.

يحول الفن الزائل "عدم الديمومة" من نقطة ضعف إلى لغة. فهو يقول إن العمل الفني ليس مجرد شيء يشترى ويحفظ ويعزل عن الزمن، بل حدث يعاش في لحظته، ويشارك مع الآخرين، ثم يختفي.

وفي زمن باتت فيه الثقافة تعامل كرأس مال، قد يكون هذا الاختفاء أبلغ تعبير يمكن أن يقدمه عمل فني.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات فكر العمل الفنی عمل فنی

إقرأ أيضاً:

لا يمكن رؤيته بالعين المجردة.. ماذا تعرف عن أكبر شلال على الأرض؟

رغم أن الشلالات الشهيرة حول العالم مثل نياجارا أو آنجل تجذب ملايين الزوار سنويا، فإن أكبر شلال على كوكب الأرض لا يمكن رؤيته بالعين المجردة ولا سماع هديره، لأنه يقع في أعماق المحيط المتجمد الشمالي، بعيدا عن الأنظار وتحت مئات الأمتار من المياه.

ويُعرف هذا الشلال باسم “شلال مضيق الدنمارك”، ويقع بين أيسلندا وجرينلاند، حيث تتدفق عبره كميات هائلة من المياه تتجاوز 3.2 ملايين متر مكعب في الثانية، ما يجعله أكبر تدفق مائي معروف على سطح الأرض. 

فك أسرار عمالقة الفضاء.. رصد تاريخي للميثان على كوكب معتدل يبعد 335 سنة ضوئيةافتراس غامض.. علماء يرصدون نجوما تلتهم كواكب شبيهة بالأرضالفطريات تمهد طريق البشر للمريخ.. هل اقترب حلم استعمار الكوكب الأحمر؟رصد كوكب غريب.. صباحات ملبدة بالسحب على بعد 299 سنة ضوئيةصخور غامضة فوق سطح المريخ.. اكتشاف يفتح بابا جديدا لأسئلة الكوكب الأحمرهلال فضي فوق الكوكب الأحمر.. مشهد نادر للمريخ | ايه الحكايةأكبر شلال على الأرض

رغم ضخامته الاستثنائية، فإن شلال مضيق الدنمارك يظل مخفيا بالكامل تحت سطح البحر، ولا تظهر له أي علامات مرئية مثل الرذاذ أو الضجيج المرتبط بالشلالات التقليدية.

ويعود تشكل هذا الشلال البحري إلى اختلاف كثافة المياه، فالمياه الباردة والمالحة القادمة من شمال المحيط تكون أكثر كثافة من المياه الأدفأ الموجودة جنوبا، مما يدفعها إلى الغوص والانحدار على طول قاع البحر عبر حافة صخرية مغمورة، مشكلة ما يشبه شلالا عملاقا تحت الماء. 

ويصل امتداد هذا الانحدار إلى نحو 11 ألفا و500 قدم، وهو ارتفاع يفوق بكثير أشهر الشلالات الموجودة على اليابسة.

وأكد علماء المحيطات وجود هذه الظاهرة خلال العقود الأخيرة باستخدام أجهزة متخصصة تقيس درجات الحرارة والملوحة وسرعة التيارات البحرية، إذ يصعب رصدها بشكل مباشر بسبب وقوعها في أعماق كبيرة. 

كما كشفت القياسات وجود تدفق مستمر للمياه الكثيفة عبر قاع المحيط، وهو ما ساعد الباحثين على فهم طبيعة هذا الشلال الفريد.

ما أهمية شلال مضيق الدنمارك؟

لا تقتصر أهمية شلال مضيق الدنمارك على كونه ظاهرة طبيعية مذهلة، بل يؤدي دورا محوريا في تنظيم المناخ العالمي، فالتدفق المستمر للمياه الباردة والكثيفة يسهم في تكوين تيارات المحيط الأطلسي العميقة، التي تساعد على نقل الحرارة والأكسجين والعناصر الغذائية بين مناطق مختلفة من العالم، ما يؤثر بشكل مباشر في درجات الحرارة والأنظمة البيئية البحرية.

ويحذر العلماء من أن التغيرات المناخية الحالية قد تؤثر في قوة هذا الشلال البحري، فذوبان الجليد وارتفاع كميات المياه العذبة في المناطق القطبية قد يقللان من ملوحة المياه وكثافتها، وهو ما قد يضعف حركة التدفق ويؤثر في نظام دوران المحيطات. 

ويرى الباحثون أن أي تغير في هذا النظام قد ينعكس على المناخ العالمي، من خلال التأثير في درجات الحرارة ومسارات العواصف والإنتاجية البيولوجية للمحيطات.

ويبقى هذا الشلال العملاق، رغم اختفائه عن الأنظار، أحد أهم العوامل الطبيعية التي تسهم في الحفاظ على توازن مناخ الأرض وتنظيم حركة المحيطات حول العالم.

طباعة شارك أكبر شلال على الأرض شلال مضيق الدنمارك أين يقع أكبر شلال في العالم أهمية شلال مضيق الدنمارك قصة أكبر شلال في العالم

مقالات مشابهة

  • «التياترو» يفتح ملف «شللية الفن» على خشبة المسرح
  • علماء يجيبون.. هل يمكن للعسل أن ينافس مشروبات الطاقة ويدعم الأداء الرياضي؟
  • محافظ الوادى الجديد: وقف العمل بمنظومة البصمة خلال امتحانات الشهادات العامة والدبلومات الفنية
  • بعد رحيل سهام جلال.. عبير صبري: إلى متى يدفع الفنانون ثمن التهميش؟
  • حزب الله: معادلة الضاحية مقابل مستوطنات الشمال لا يمكن أن تمر
  • روبيو: إيران تناقش ملفات نووية كانت ترفض التطرق إليها سابقًا
  • لا يمكن رؤيته بالعين المجردة.. ماذا تعرف عن أكبر شلال على الأرض؟
  • في ذكرى ميلاده.. محطات بارزة في حياة الفنان محمود ياسين وأشهر أعماله الفنية
  • صور تفوق التوقعات.. الذكاء الاصطناعي يصنع معايير جمال يصعب تحقيقها وتُربك الجراحين
  • بعد إصدار كتاب «عاشقة الخيل» عن رحلتها الفنية.. إيمان الهيدوس: الخيل العربية الأصيلة صنعت هويتي الفنية