القنيطرة- تجلس صبحة المشعال (75 عاما) قرب مدخل خيمتها في أحد مخيمات النزوح قرب بلدة المليحة الشرقية في ريف درعا، تنتظر لحظة وصول إشارة الإنترنت على هاتف إحدى نساء المخيم، لتتمكن من الاطمئنان على ابنتها في محافظة الحسكة شمال سوريا.

ولا تتابع صبحة أخبار العمليات العسكرية بغرض الاهتمام بالشأن السياسي، بل بدافع أمومتها، فمنذ أن غادرت الحسكة قبل سنوات نحو السويداء، بعد ما وصفتها بانتهاكات قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وتضييق اقتصادي ومحاولة تجنيد أبنائها، لم تعد حياتها مرتبطة بمكان واحد، بل بأخبار تصل متقطعة عن ابنتها التي بقيت هناك بعد أن رفض زوجها المغادرة.

وقالت صبحة إن آخر مرة رأت فيها ابنتها كانت في أغسطس/آب 2019، ومنذ ذلك الحين لم ينتظم التواصل بينهما لأسباب عده أبرزها عدم توفر الإنترنت باستمرار، وأكدت أنها لا تفكر حاليا بالعودة، مشيرة إلى أن مصيرها مرتبط بمصير أبنائها، وتكتفي اليوم بمتابعة الأخبار وانتظار اتصال يطمئنها على ابنتها.

نزوح ومخاوف

ولا تختلف قصة صبحة كثيرا عن واقع آلاف العائلات السورية التي لا تزال موزعة بين مناطق السيطرة المختلفة، في وقت أعادت فيه التطورات العسكرية الأخيرة ملف عودة النازحين إلى الواجهة مجددا.

وفي مخيمات النزوح بمحافظة درعا، يعيش آلاف النازحين القادمين من شمال وشرق البلاد واقعا معيشيا صعبا، في ظل محدودية الخدمات الأساسية، واعتماد كثير منهم على الأعمال الزراعية اليومية أو المساعدات الإنسانية غير المنتظمة.

محمد السطام، وهو أب لأسرة مكوّنة من 10 أفراد، غادر محافظة دير الزور في أبريل/ نيسان 2018 بعد سنوات من العمل في المهن الحرة، نتيجة ما يصفه بالتضييق المعيشي وغياب فرص العمل، إضافة لمحاولات قسد تجنيد أحد أبنائه.

النازحون في مدن الجنوب السوري يواجهون خيارات صعبة في العودة لمدنهم وقراهم (الجزيرة)

ولاحقا استقرت عائلة محمد في السويداء قبل أن تضطر للنزوح مجددا إلى ريف درعا في يوليو/تموز الماضي بعد الأحداث التي شهدتها المحافظة، ويقطن الآن في مخيم بالقرب من مدينة الشيخ مسكين ويعمل وأفراد عائلته في مشاريع زراعية لتأمين الحد الأدنى من المعيشة.

إعلان

وأكد محمد أنه لم يحاول -حتى الآن- العودة أو زيارة دير الزور، مشيرا إلى أن القرار مرتبط بتوفر الاستقرار الأمني والخدمات وفرص العمل، لافتا إلى أن أكبر أبنائه يبلغ 27 عاما، وأصغرهم 4 سنوات، ولديه أطفال في سن الدراسة، وهو ما يجعله أكثر حذرا في اتخاذ قرار العودة.

قبل العودة!

وعلى الطرف الآخر، يبدو عبد القادر الخليل أكثر ميلا لاتخاذ قرار العودة خلال الفترة القريبة المقبلة إلى محافظة الرقة التي غادرها عام 2018، بعد أن فقد عمله كموظف حكومي عقب سيطرة قسد على المحافظة، في ظل غياب فرص عمل مناسبة، ليستقر بداية في ريف السويداء، ثم في ريف درعا.

وقال إن منزله في ريف الرقة، حسب صور وصلته، تعرّض لدمار جزئي ويحتاج إلى إصلاحات، لكنه يخطط للذهاب أولا بمفرده لاستكشاف الواقع على الأرض والتأكد من مستوى الاستقرار والخدمات، قبل أن يعود لأخذ عائلته.

ولا يخفي عبد القادر مشاعر الفرح التي انتابته بعد سيطرة الجيش السوري على المناطق التي ينحدر منها، معتبرا أن العودة باتت أقرب من أي وقت مضى.

تحديات عديدة تواجه النازحين للعودة إلى مدنهم أهمها الاستقرار الأمني والعمل وانعدام الخدمات (الجزيرة)تحديات

وتعكس قصص النازحين تباينا واضحا في المواقف من فكرة العودة، بين من يكتفي بمتابعة الأخبار بقلق على مصير أبنائه، ومن ينتظر تحسن الظروف، ومن يستعد فعليا للعودة.

وتجربة النزوح المتكرر خلال السنوات الماضية جعلت كثيرا من العائلات أكثر حذرا في اتخاذ قرار العودة، خشية تكرار سيناريو النزوح مرة أخرى.

ورغم الحديث المتزايد عن إمكانية عودة النازحين إلى مناطقهم الأصلية، يؤكد كثيرون أن التحدي لا يرتبط فقط بانتهاء العمليات العسكرية، بل بإعادة بناء الخدمات الأساسية وضمان الاستقرار الأمني طويل الأمد وتوفير فرص العمل، لتبقى رحلة العودة بالنسبة لآلاف السوريين قرارا محفوفا بالأمل والمخاوف في آن واحد.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات فی ریف

إقرأ أيضاً:

منظمات أممية: آلاف النازحين يعيشون ظروفا مأساوية في المخيمات بالسودان

يكافح النازحون السودانيون يوميا لتأمين احتياجاتهم الأساسية، فيما لا يتمكن  برنامج الأغذية العالمي  من سد احتياجات سوى 50% من المحتاجين، بينما تحذر منظمات الأمم المتحدة من النقص الحاد في الغذاء والمياه والرعاية الصحية.

ووفقا لمداخلة مراسل الجزيرة أسامة سيد أحمد فإن مئات الآلاف من النازحين في مخيمات السودان يعيشون أوضاعا إنسانية "مأساوية"، وسط نقص حاد في مياه الشرب والغذاء والدواء، موضحا أن استمرار تدفق النازحين من مناطق القتال على المخيمات المكتظة أصلا يزيد الوضع سوءا.

وأشار إلى أن النازحين يعانون من نقص حاد في كل مقومات الحياة، خاصة مياه الشرب النقية التي تفتقر إليها كل المخيمات، رغم استمرار تحذيرات المنظمات الإنسانية والأممية من تفاقم الأوضاع.

وتطرق سيد أحمد إلى تقرير غرفة الطوارئ في منطقة طينة – المتاخمة للحدود التشادية – الذي يؤكد أن عشرات الآلاف من النازحين يتعرضون لأزمات إنسانية متلاحقة، بينما لا تتمكن المنطقة من توفير أكثر من 200 برميل فقط من مياه الشرب الصالحة، وهو رقم لا يلبي سوى جزء ضئيل من الاحتياجات اليومية للنازحين.

عجز برنامج الأغذية العالمي

ومن جهته، أعلن برنامج الأغذية العالمي عن عجزه عن توفير الغذاء إلا لنحو 50% من المحتاجين، بسبب تراجع الدعم الدولي وتزايد أعداد النازحين.

ويعكس هذا الرقم – وفقا لسيد أحمد – كارثة إنسانية تلوح في الأفق، حيث يتضاعف عدد الجائعين في مخيمات السودان مع استمرار الحرب وتدفق النازحين من جبهات القتال في عدة ولايات.

ويضيف مراسل الجزيرة أن الحرب في السودان تسببت في نزوح 9 ملايين شخص داخليا، وتدفق مليونين آخرين إلى دول الجوار، مما يجعل الأزمة السودانية واحدة من أكبر أزمات النزوح في العالم، كما وصفتها منظمات دولية.

ويخلص سيد أحمد إلى أن المجتمع الدولي يواجه اختبارا حقيقيا في التزامه بمعايير حقوق الإنسان والكرامة الإنسانية، وأن غياب الاستجابة الدولية الفاعلة لهذه الأزمة يهدد بتحويل الوضع إلى مأساة إنسانية لا تحمد عقباها، خاصة مع تعثر جهود الوساطة واستمرار الحرب التي تزيد من معاناة المدنيين وتعمق جراح السودان.

عودة طوعية

وفي إطار الجهود المبذولة لإعادة بعض النازحين إلى قراهم التي هربوا منها، تمكنت نحو 5 آلاف أسرة من مغادرة مدينة الدمازين بإقليم النيل الأزرق جنوب شرقي السودان – في منتصف الشهر الحالي – والعودة إلى ديارهم رغم وصول نازحين جدد فروا من بيوتهم بسبب المعارك بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.

إعلان

ووفقا لمسؤول تحدث للجزيرة، فقد عاد نحو 80 ألفا إلى المدينة من أصل 100 ألف غادروها إبان هجوم الدعم السريع عليها عام 2024، فيما يترقب آخرون بحذر العودة إلى مدينتي قيسان والكرمك بعد إعلان الجيش مؤخرا استعادة السيطرة عليهما.

لكن آخرين لم يتمكنوا من العودة إلى ديارهم، ولا يزالون عالقين في مخيم الكرامة بالدمازين التي قالت مفوضة العون الإنساني بإقليم النيل الأزرق قسمة عبد الكريم للجزيرة، إنها لا تزال تستقبل نازحين جددا.

ويشهد السودان وضعا صحيا حرجا يتفاقم يوما بعد يوم، إذ تشير التقارير الأممية إلى حاجة نحو 30 مليون سوداني إلى المساعدة الصحية العاجلة، في وقت تواجه فيه المنظمات صعوبة في الوصول الإنساني ونقصا في التمويل.

مقالات مشابهة

  • كيف أثّر رفع أسعار المحروقات على معيشة السوريين؟
  • سلام: الدولة حاضرة بكل إمكاناتها لإطلاق مسار التعافي وعودة أهالي الجنوب اللبناني
  • «الماء حياة ونماء».. موضوع خطبة الجمعة بمساجد الجمهورية اليوم
  • مواعيد قطارات القاهرة مرسى مطروح 2026 ذهابًا وعودة كاملة
  • عاطل بنهى حياة شخص ويصيب اثنين فى قرية السمطا بقنا
  • الحرّ يحاصر العالم.. قتلى وآلاف النازحين وموجة نيران «غير مسبوقة» في أوروبا
  • منظمات أممية: آلاف النازحين يعيشون ظروفا مأساوية في المخيمات بالسودان
  • الارتفاع مستمر.. أسعار النفط تصل إلى 101 دولار للبرميل
  • سلام: لبنان لن يترك أهالي الجنوب وحدهم.. وسنطلق مسار العودة والتعافي المبكر
  • أزمة غاز خانقة في غزة تدفع النازحين لـحرق الكرتون والبلاستيك لإعداد الطعام