نزوح مستمر وعودة مؤجلة.. حياة السوريين بين خيم الجنوب ومدن الشمال
تاريخ النشر: 30th, January 2026 GMT
القنيطرة- تجلس صبحة المشعال (75 عاما) قرب مدخل خيمتها في أحد مخيمات النزوح قرب بلدة المليحة الشرقية في ريف درعا، تنتظر لحظة وصول إشارة الإنترنت على هاتف إحدى نساء المخيم، لتتمكن من الاطمئنان على ابنتها في محافظة الحسكة شمال سوريا.
ولا تتابع صبحة أخبار العمليات العسكرية بغرض الاهتمام بالشأن السياسي، بل بدافع أمومتها، فمنذ أن غادرت الحسكة قبل سنوات نحو السويداء، بعد ما وصفتها بانتهاكات قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وتضييق اقتصادي ومحاولة تجنيد أبنائها، لم تعد حياتها مرتبطة بمكان واحد، بل بأخبار تصل متقطعة عن ابنتها التي بقيت هناك بعد أن رفض زوجها المغادرة.
وقالت صبحة إن آخر مرة رأت فيها ابنتها كانت في أغسطس/آب 2019، ومنذ ذلك الحين لم ينتظم التواصل بينهما لأسباب عده أبرزها عدم توفر الإنترنت باستمرار، وأكدت أنها لا تفكر حاليا بالعودة، مشيرة إلى أن مصيرها مرتبط بمصير أبنائها، وتكتفي اليوم بمتابعة الأخبار وانتظار اتصال يطمئنها على ابنتها.
نزوح ومخاوفولا تختلف قصة صبحة كثيرا عن واقع آلاف العائلات السورية التي لا تزال موزعة بين مناطق السيطرة المختلفة، في وقت أعادت فيه التطورات العسكرية الأخيرة ملف عودة النازحين إلى الواجهة مجددا.
وفي مخيمات النزوح بمحافظة درعا، يعيش آلاف النازحين القادمين من شمال وشرق البلاد واقعا معيشيا صعبا، في ظل محدودية الخدمات الأساسية، واعتماد كثير منهم على الأعمال الزراعية اليومية أو المساعدات الإنسانية غير المنتظمة.
محمد السطام، وهو أب لأسرة مكوّنة من 10 أفراد، غادر محافظة دير الزور في أبريل/ نيسان 2018 بعد سنوات من العمل في المهن الحرة، نتيجة ما يصفه بالتضييق المعيشي وغياب فرص العمل، إضافة لمحاولات قسد تجنيد أحد أبنائه.
ولاحقا استقرت عائلة محمد في السويداء قبل أن تضطر للنزوح مجددا إلى ريف درعا في يوليو/تموز الماضي بعد الأحداث التي شهدتها المحافظة، ويقطن الآن في مخيم بالقرب من مدينة الشيخ مسكين ويعمل وأفراد عائلته في مشاريع زراعية لتأمين الحد الأدنى من المعيشة.
إعلانوأكد محمد أنه لم يحاول -حتى الآن- العودة أو زيارة دير الزور، مشيرا إلى أن القرار مرتبط بتوفر الاستقرار الأمني والخدمات وفرص العمل، لافتا إلى أن أكبر أبنائه يبلغ 27 عاما، وأصغرهم 4 سنوات، ولديه أطفال في سن الدراسة، وهو ما يجعله أكثر حذرا في اتخاذ قرار العودة.
قبل العودة!وعلى الطرف الآخر، يبدو عبد القادر الخليل أكثر ميلا لاتخاذ قرار العودة خلال الفترة القريبة المقبلة إلى محافظة الرقة التي غادرها عام 2018، بعد أن فقد عمله كموظف حكومي عقب سيطرة قسد على المحافظة، في ظل غياب فرص عمل مناسبة، ليستقر بداية في ريف السويداء، ثم في ريف درعا.
وقال إن منزله في ريف الرقة، حسب صور وصلته، تعرّض لدمار جزئي ويحتاج إلى إصلاحات، لكنه يخطط للذهاب أولا بمفرده لاستكشاف الواقع على الأرض والتأكد من مستوى الاستقرار والخدمات، قبل أن يعود لأخذ عائلته.
ولا يخفي عبد القادر مشاعر الفرح التي انتابته بعد سيطرة الجيش السوري على المناطق التي ينحدر منها، معتبرا أن العودة باتت أقرب من أي وقت مضى.
وتعكس قصص النازحين تباينا واضحا في المواقف من فكرة العودة، بين من يكتفي بمتابعة الأخبار بقلق على مصير أبنائه، ومن ينتظر تحسن الظروف، ومن يستعد فعليا للعودة.
وتجربة النزوح المتكرر خلال السنوات الماضية جعلت كثيرا من العائلات أكثر حذرا في اتخاذ قرار العودة، خشية تكرار سيناريو النزوح مرة أخرى.
ورغم الحديث المتزايد عن إمكانية عودة النازحين إلى مناطقهم الأصلية، يؤكد كثيرون أن التحدي لا يرتبط فقط بانتهاء العمليات العسكرية، بل بإعادة بناء الخدمات الأساسية وضمان الاستقرار الأمني طويل الأمد وتوفير فرص العمل، لتبقى رحلة العودة بالنسبة لآلاف السوريين قرارا محفوفا بالأمل والمخاوف في آن واحد.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات فی ریف
إقرأ أيضاً:
الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.
الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.
في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.
وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.
والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.
إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.
نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.
فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.
ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟
بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟
سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..