في مستهل رواية "غليف" (Glyph)، العمل الجديد للروائية الأسكتلندية "ألي سميث"، تدور محادثة هاتفية بين شقيقتين؛ تسأل "باتش" شقيقتها "بترا" عما إذا كانت قد قرأت الكتاب الذي أرسلته إليها مؤخراً؟ تجيب بترا بتحفظ: "ظننتُه مكتوباً بشكل جيد وكل شيء، لكنه كان مظلماً بعض الشيء بالنسبة لي، وربما كان ذكياً ومثقلاً بالسياسة أكثر مما ينبغي بالنسبة لرواية".

بالنسبة للقراء الذين اطلعوا على رواية سميث السابقة "غليف" (Gliff) الصادرة عام 2024، سيبدو هذا الحوار بمثابة "دعابة أدبية" مقصودة؛ فالرواية الجديدة مقسمة إلى ثلاثة أجزاء تحمل عناوين إيحائية مثل "غمزة" و"إيماءة".

يحضر في النص صدى الحرب المستمرة في قطاع غزة، وصعود التيارات اليمينية، وبث المخاوف بشأن المهاجرين

وسرعان ما يتأكد للقارئ أن الكتاب الذي تناقشه الشقيقتان هو "غليف" (الرواية السابقة) ذاته: تلك القصة التي تدور حول "بريور" وشقيقتها الصغرى "روز" وهما تخوضان غمار الحياة في عالم مستقبلي محكوم بـ "رأسمالية المراقبة"، حيث يختفي المهمشون بصمت.

اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2فوضى السرد: انتحار روائي أم صورة لعالم جديد؟list 2 of 2نجاح بعد الستين.. كاتبة أمريكية دخلت قوائم الأكثر مبيعا بروايتها الأولىend of listالعودة إلى "هنا والآن"

بينما كانت الرواية السابقة تستشرف المستقبل، تعيدنا "غليف" إلى زمننا الحاضر بآلامه المألوفة.

يحضر في النص صدى الحرب المستمرة في قطاع غزة، واعتقالات المتظاهرين في المملكة المتحدة، وصعود التيارات اليمينية، وبث المخاوف بشأن المهاجرين، وصولاً إلى القلق من هيمنة الذكاء الاصطناعي على الوظائف؛ كل هذه الأحداث تظهر كخيوط عابرة في النسيج السردي.

بهذا الاشتباك مع اللحظة الراهنة، تبدو "غليف" وكأنها امتداد لـ "الرباعية الموسمية" (2016-2020) التي كتبتها سميث ونشرتها في وقتها الحقيقي، مستجيبة للأحداث الجارية وهي لا تزال في طور الحدوث.

روايات شقيقة

تصف دار النشر العلاقة بين الروايتين بأنها علاقة "عائلية"؛ فبينما لا يوجد استمرار للحبكة أو الشخصيات، إلا أن الكتابين يتحدثان بوضوح من خلال أصداء متكررة: أزواج من الأشقاء، والخيول، وتأملات حول فن الحكاية.

إعلان

يظهر مصطلح "الرفقة" في نهاية الرواية خلال نقاش حول كيفية مواساة حصان كفيف، حيث يقترح خبير توفير "حيوان رفيق" (حمار أو ماعز) ليرعاه ويؤنس وحشته.

وبشكل ما، تبدو العلاقة بين روايات سميث شبيهة بهذه الديناميكية؛ إذ يشد بعضها أزر بعض في لغة روائية تتسم بالابتكار التجريبي والتلاعب اللفظي.

الروائية الأسكتلندية "ألي سميث" (أسوشيتد برس – أرشيف)تشريح الذاكرة

نشأت الشقيقتان "بترا" و"باتش" في كنف أم تعاني من مشكلات نفسية وأب يتسم بالحدة، مما جعل بترا تمارس دوراً حمائياً مفرطاً تجاه شقيقتها الصغرى "الحساسة".

تبرز في الرواية قصتان من وحي الحرب تتركان أثراً غائراً في نفس الشقيقتين: إحداهما عن حصان كفيف وجندي شاب في الخنادق، والأخرى عن مواجهة مروعة مع الموت في نهاية الحرب العالمية الثانية.

تطارد هذه الحكايات النص والشقيقتين على حد سواء، مما يمحي الحدود الفاصلة بين الحقيقة والخيال، ويثير تساؤلات جوهرية حول أخلاقيات استخدام "الواقع" كمادة خام لصناعة "المتخيل".

الروائية كـ "شاهد" على العصر

تميل الرواية أحياناً إلى "الميتا-سرد" (Metafiction)، أي حديث الرواية عن نفسها، وهو موضوع بات شائعاً في الأدب المعاصر.

ورغم أن سميث لا تقدم رؤى بكر في هذا المجال، إلا أن القيمة الحقيقية لعملها تكمن في "الشهادة"؛ فعلى مدار سبع روايات نشرتها في العقد الماضي، قدمت صورة ديناميكية وجذابة للطريقة التي نعيش بها الآن.

أين تبرع سميث حقاً؟ تبرع في تصوير العلاقة بين الشقيقتين، خاصة في مشاهد الطفولة؛ حيث تظهر لغتها المبتكرة في أبهى صورها، كاشفة عن رباط يجمع بين الرعاية واللعب والحب.

كما تؤكد الرواية قدرة سميث الفائقة على كتابة شخصيات الأطفال بواقعية مذهلة، متبنيةً فضولهم ومنظورهم الطازج تجاه العالم.

تعد "غليف" عملاً روائياً يجمع بين العمق الإنساني والتحليل النفسي، مؤكداً أن الأدب في لحظات التحول الكبرى ليس ترفاً، بل هو وسيلة لفهم القوى التي تعيد تشكيل عالمنا بين "نور" الإبداع و"ظلام" الواقع.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات

إقرأ أيضاً:

الداخلية تضبط شبكة لاستغلال الأطفال في التسول بالقاهرة

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

واصلت وزارة الداخلية جهودها في مكافحة جرائم استغلال الأحداث، حيث تمكنت الإدارة العامة لمباحث رعاية الأحداث بقطاع الشرطة المتخصصة من ضبط عدد من الأشخاص لقيامهم باستغلال الأطفال الأحداث في أعمال التسول واستجداء المارة وبيع السلع بطريقة إلحاحية بمحافظة القاهرة.

وأوضحت وزارة الداخلية أنه تم ضبط (6 رجال وسيدتين)، لسبعة منهم معلومات جنائية، وذلك لقيامهم بتشغيل الأطفال في أعمال التسول وبيع السلع بشكل إلحاحي في عدد من المناطق بالقاهرة.

كما أسفرت الحملة عن ضبط (7 أطفال من الأحداث) كانوا برفقة المتهمين أثناء ممارسة تلك الأنشطة غير القانونية، والتي تعرضهم للخطر والاستغلال المباشر في الشوارع العامة.

وبمواجهة المتهمين، أقروا بارتكابهم للواقعة واستغلال الأطفال في تلك الأنشطة بهدف تحقيق مكاسب مالية غير مشروعة، في مخالفة صريحة للقانون وما يكفله من حماية لحقوق الطفل.

تسليم الأطفال واتخاذ الإجراءات القانونية

وأكدت وزارة الداخلية أنه تم اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيال المتهمين، وإحالتهم إلى جهات التحقيق المختصة لمباشرة الإجراءات.

كما تم تسليم الأطفال المجني عليهم إلى ذويهم، مع أخذ التعهد اللازم عليهم بحسن رعايتهم، وفي الحالات التي تعذر فيها الوصول إلى أسر الأطفال، تم التنسيق مع الجهات المعنية لاتخاذ الإجراءات اللازمة لإيداعهم بإحدى دور الرعاية المتخصصة، بما يضمن توفير الحماية والرعاية الاجتماعية لهم.

وتواصل أجهزة وزارة الداخلية جهودها المكثفة في مواجهة جرائم استغلال الأطفال، والتصدي لظاهرة التسول واستجداء المارة، بما يحافظ على أمن المجتمع ويصون حقوق الفئات الأكثر ضعفًا.

 

مقالات مشابهة

  • القيادة الأمريكية: الناقلة التي عطلتها قواتنا كانت ترفع علم بوتسوانا
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • “الصحة” بغزة :استشهاد 119 فلسطينيا في شهر مايو
  • اتهامات رسمية بالقتل ومصير مجهول للدوافع.. آخر تطورات جريمة بوفالو التي هزّت الجالية اليمنية
  • الداخلية تضبط شبكة لاستغلال الأطفال في التسول بالقاهرة
  • فلوريدا تقاضي أوبن إيه آي بتهمة تعريض شات جي بي تي الأطفال للخطر
  • القبض على 8 متهمين باستغلال الأطفال في التسول بالقاهرة
  • أزمة البنزين.. 7 ملاحظات على رواية وزارة النفط
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش