احتجاج بالفن.. ملصقات تحجب صورة ترمب عن تصاريح المتنزهات الوطنية
تاريخ النشر: 30th, January 2026 GMT
تحوّل مشروع فني بسيط أطلقته الفنانة الأمريكية جيني مكارتي من ولاية كولورادو إلى ظاهرة لافتة على مستوى الولايات المتحدة، بعد أن صمّمت ملصقات فنية لتغطية صورة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب المطبوعة على تصاريح دخول المتنزهات الوطنية لعام 2026.
وبحسب ما نقلته صحيفة "دنفر بوست"، لم يستغرق المشروع سوى أيام قليلة لينتقل من "مبادرة حسن نية" إلى وسيلة احتجاج فني، في ظل استياء واسع من التغييرات التي طرأت مؤخرا على سياسات هيئة المتنزهات الوطنية الأمريكية، ولا سيما إلغاء آلية التصويت الشعبي لاختيار الصور التي تزيّن بطاقات الدخول السنوية.
وقالت مكارتي إن التصميم الجديد "ألغى قدرة الناس على اختيار الصور التي يرغبون في رؤيتها"، معتبرة أن ملصقاتها تمثل "احتفالا بالديمقراطية وبحق الناس في الاختيار".
وتعمل مكارتي مديرة للموارد المائية في مدينة بولدر، لكنها تمارس الرسم كهواية منذ سنوات، وتشتهر بلوحاتها المائية التي تجسّد الطبيعة الأمريكية بتفاصيل دقيقة وألوان زاهية.
ولا يقتصر اعتراض مكارتي على الطابع السياسي للصورة، التي تضع وجه ترمب إلى جانب الرئيس الأمريكي الأول جورج واشنطن على بعض التصاريح، بل يمتد ليشمل ما تصفه بتهديدات تطال أكثر من 400 متنزه وطني ونصب تذكاري في البلاد، سواء عبر خفض الميزانيات أو تقليص أعداد العاملين.
وفي السياق نفسه، رفعت منظمة "مركز التنوع البيولوجي"، المعنية بحماية الأراضي العامة، دعوى قضائية ضد وزارة الداخلية الأمريكية، معتبرة أن التعديلات التي طرأت على تصاريح الدخول تخالف قانونا يعتمد مسابقة سنوية للتصوير، تهدف إلى إبراز الطبيعة بدل الشخصيات السياسية.
وتبيع مكارتي ملصقاتها عبر الموقع الإلكتروني لاستوديو "ساغا ليف" بسعر 6 دولاراً للملصق الواحد. ومنذ إطلاق المبيعات في العاشر من ديسمبر/كانون الأول الماضي، تلقت أكثر من 1000 طلب، وسط تعهدها بالتبرع بكامل العائدات لصالح مؤسسة المتنزهات الوطنية.
إعلانوتتضمن الملصقات المصنوعة من الفينيل رسومات طبيعية، من بينها دب بني وسط حقل أخضر، ومناظر لجبال دينالي، وفأر صغير يحمل زهرة في متنزه روكي ماونتن الوطني، إضافة إلى ذئب يعوي أمام جبال غراند تيتون.
وتقول مكارتي إنها تلقت رسائل من عشرات الأمريكيين أكدوا أن مشروعها أتاح لهم وسيلة للتعبير عن احتجاج سلمي تجاه السياسات الفيدرالية المتعلقة بالأراضي العامة. وتصف مبادرتها بأنها "عصيان مدني فني"، مشيرة إلى أنها لم تتلقَ حتى الآن أي تعليق رسمي من هيئة المتنزهات الوطنية أو من جهات حكومية أخرى.
وأضافت أن بعض المتطوعين، من بينهم عامل سابق في المتنزهات الوطنية، عرضوا المساعدة في طباعة الملصقات، في ظل الضغط الكبير الناتج عن حجم الطلبات. كما أطلقت نسخا جديدة مخصصة لكبار السن والعسكريين وحاملي التصاريح الخاصة، بهدف إتاحة الملصقات لأكبر شريحة ممكنة.
ويأتي هذا الجدل في وقت تعبّر فيه جماعات بيئية منذ أشهر عن مخاوفها من توجهات الإدارة الأمريكية لفتح المتنزهات الوطنية أمام أنشطة التنقيب عن النفط، وشق الطرق، ومشروعات التعمير، إلى جانب خفض الميزانيات وتسريح العاملين.
وكان مسؤول غير حزبي في مجلس الشيوخ الأمريكي قد أوقف، في يونيو/حزيران الماضي، مشروعا مدعوما من الجمهوريين لبيع أكثر من 14 مليون فدان من الأراضي العامة في ولاية كولورادو، في خطوة عكست حجم الخلاف حول مستقبل الأراضي والمتنزهات الوطنية في البلاد.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات المتنزهات الوطنیة
إقرأ أيضاً:
من كنوز المتحف الكبير.. سينوسرت الثالث ملك صنع مجد الدولة الوسطى
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
بين أروقة المتحف المصري الكبير، يقف التمثال الضخم للملك سينوسرت الثالث شامخًا كأنه يتحدى الزمن، لا بوصفه مجرد قطعة أثرية نادرة، بل باعتباره شهادة حجرية على واحدة من أعظم الشخصيات التي حكمت مصر القديمة، فبينما اعتادت التماثيل الملكية في الحضارة المصرية أن تُظهر الملوك في صورة مثالية خالية من العيوب، جاء هذا التمثال ليقدم صورة مختلفة تمامًا؛ صورة إنسان يحمل على وجهه ثقل المسؤولية وأعباء الحكم، لتتحول ملامحه إلى قصة تروي مجد الدولة الوسطى وقوة أحد أبرز فراعنتها.
ملامح غير مألوفة في الفن الملكيمن النظرة الأولى، يلفت التمثال الانتباه بواقعيته المدهشة. فالعينان الغائرتان، والخدان النحيلان، والتجاعيد الواضحة أسفل العينين، والخطوط المحفورة على الجبهة، جميعها تفاصيل لم تكن مألوفة في تصوير الملوك المصريين الذين غالبًا ما ظهروا في هيئة الشباب الأبدي والقوة المطلقة.
ويعتقد علماء المصريات أن هذه الملامح لم تكن انعكاسًا لعمر الملك فحسب، بل رسالة سياسية وفكرية أراد الفنان المصري القديم إيصالها؛ فسنوسرت الثالث لم يُرِد أن يظهر كحاكم مثالي بعيد عن الواقع، بل كقائد يحمل هموم دولته ويكرّس حياته لحماية شعبه وتأمين حدود بلاده.
القائد الذي أعاد رسم حدود مصرلم يكن سينوسرت الثالث مجرد ملك يجلس على العرش، بل كان قائدًا عسكريًا بارعًا ومصلحًا إداريًا من الطراز الأول. وخلال حكمه في الأسرة الثانية عشرة، قاد حملات عسكرية عميقة داخل النوبة، ونجح في توسيع النفوذ المصري جنوبًا، كما أنشأ سلسلة من الحصون على ضفاف النيل، من أشهرها حصونا سمنة وأورونارتي.
ولم تقتصر أهمية هذه المنشآت على الجانب العسكري فقط، بل تحولت إلى مراكز للتجارة والإدارة، ما يعكس رؤية استراتيجية بعيدة المدى جعلت من مصر قوة إقليمية مؤثرة خلال عصر الدولة الوسطى.
ثورة في الإدارة وترسيخ لهيبة الدولةإلى جانب إنجازاته العسكرية، لعب سنوسرت الثالث دورًا محوريًا في إعادة تنظيم الدولة المصرية، فقد عمل على تقليص نفوذ حكام الأقاليم الذين ازدادت قوتهم خلال الفترات السابقة، واستعاض عن كثير منهم بمسؤولين تابعين مباشرة للسلطة المركزية.
هذا التحول أسهم في تعزيز وحدة الدولة وترسيخ سلطة الفرعون، وأرسى قواعد إدارية استمرت آثارها في عهد خلفائه. ولذلك ينظر المؤرخون إليه باعتباره أحد أبرز الملوك الذين نجحوا في بناء دولة مركزية قوية قادرة على إدارة مواردها وحدودها بكفاءة عالية.
تمثال يروي عبء المُلك وخلود الذكرىيُجسد التمثال الضخم جميع رموز السلطة الملكية المعروفة؛ فالملك يرتدي النقبة الملكية، وتظهر على صدره القلادة العريضة، فيما تعكس كتفاه العريضتان القوة العسكرية التي عُرف بها، لكن القيمة الحقيقية للعمل تكمن في قدرته على الجمع بين الرمزية التقليدية والواقعية الإنسانية في آن واحد.
ولعل هذا ما جعل سينوسرت الثالث يحظى بمكانة استثنائية حتى بعد وفاته، إذ جرى تأليهه في بعض مناطق مصر القديمة، وخاصة في أبيدوس، واستمر تقديسه لقرون طويلة، كما اتخذ ملوك لاحقون من سيرته نموذجًا يُحتذى به في الحكم والقيادة.
واليوم، يقف تمثاله بالمتحف المصري الكبير ليس فقط بوصفه تحفة فنية من روائع النحت المصري القديم، بل باعتباره وثيقة تاريخية نادرة تكشف لحظة فارقة في تطور الفن المصري؛ لحظة التقت فيها عظمة الملك بواقعية الإنسان، لتُخلد على الحجر قصة قائد حمل أعباء الإمبراطورية فوق كتفيه، فبقيت ملامحه شاهدة على القوة والحكمة وخلود الحضارة المصرية.
الملك سينوسرت الثالث