في تصعيد جديد ضمن الصراع المتزايد بين صناع المحتوى وشركات الذكاء الاصطناعي، بدأت مؤسسات صحفية كبرى في تقييد وصول أرشيف الإنترنت إلى موادها، وسط مخاوف من استخدام هذه المنصة كقناة خلفية لالتفاف أدوات الذكاء الاصطناعي على أنظمة الحماية وجمع المحتوى دون إذن. 

الخطوة تعكس تحوّلًا لافتًا في نظرة الناشرين إلى واحدة من أقدم وأهم المكتبات الرقمية المفتوحة على الويب.

لطالما كان أرشيف الإنترنت مصدرًا لا غنى عنه للصحفيين والباحثين، سواء لاسترجاع تغريدات محذوفة، أو تتبع نسخ سابقة من مواقع إلكترونية، أو الوصول إلى كتب وأبحاث أكاديمية يصعب العثور عليها، لكن مع صعود نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي، تغيرت طبيعة العلاقة بين الأرشيف والناشرين، لتتحول من تعاون غير مباشر إلى ساحة توتر قانوني واقتصادي.

القلق الأساسي لدى المؤسسات الإعلامية يتمحور حول استخدام شركات الذكاء الاصطناعي لمحتوى الأرشيف في تدريب نماذجها، دون الحصول على موافقة صريحة أو دفع مقابل مادي. 

وبحسب تصريحات نقلها موقع Nieman Lab، يرى مسؤولو النشر أن قواعد بيانات أرشيف الإنترنت تمثل هدفًا مغريًا لشركات الذكاء الاصطناعي الباحثة عن محتوى منظم وجاهز للاستخدام على نطاق واسع.

روبرت هان، رئيس شؤون الأعمال والتراخيص في صحيفة الجارديان، أوضح أن العديد من شركات الذكاء الاصطناعي تسعى إلى مصادر ضخمة ومنسقة من المحتوى، معتبرًا أن واجهة البرمجة الخاصة بأرشيف الإنترنت كانت بمثابة نقطة دخول مثالية لهذه الأدوات لاستخلاص الملكية الفكرية. هذا التصور دفع الجارديان وغيرها إلى اتخاذ خطوات وقائية للحد من الوصول إلى محتواها عبر الأرشيف.

صحيفة نيويورك تايمز سارت في الاتجاه نفسه، مؤكدة أنها قامت بحجب روبوتات أرشيف الإنترنت عن الوصول إلى محتواها، لأن خدمة واي باك ماشين تتيح وصولًا غير مقيد إلى المواد الصحفية، بما في ذلك من قبل شركات الذكاء الاصطناعي، دون تفويض. الموقف ذاته تبنته مؤسسات أخرى مثل فايننشال تايمز، إلى جانب منصات رقمية كمنتدى Reddit، التي لجأت إلى تقييد طريقة فهرسة محتواها داخل الأرشيف.

هذه التحركات تأتي في سياق أوسع من المواجهات القانونية بين قطاع الإعلام وشركات الذكاء الاصطناعي، خلال الفترة الماضية، رفعت عدة مؤسسات صحفية دعاوى قضائية تتهم فيها شركات تقنية باستخدام محتواها في تدريب نماذج لغوية ضخمة دون ترخيص. من بين هذه القضايا دعوى نيويورك تايمز ضد OpenAI ومايكروسوفت، وقضية مركز الصحافة الاستقصائية ضد الجهتين نفسيهما، إضافة إلى دعاوى رفعتها مؤسسات مثل وول ستريت جورنال ونيويورك بوست ضد Perplexity، ودعوى جماعية شاركت فيها الجارديان وبوليتيكو ضد شركة Cohere.

في المقابل، اختارت بعض المؤسسات الإعلامية نهجًا أقل تصادمًا، عبر إبرام صفقات مالية تتيح لشركات الذكاء الاصطناعي استخدام أرشيفاتها مقابل رسوم، غير أن هذا المسار يثير بدوره جدلًا واسعًا، خصوصًا بين الصحفيين والكتّاب، إذ تذهب العوائد في الغالب إلى المؤسسات المالكة للحقوق، دون ضمان وصولها إلى صناع المحتوى أنفسهم.

ولا يقتصر هذا الصراع على الصحافة وحدها. فكتاب الروايات، والفنانون التشكيليون، والموسيقيون، جميعهم يخوضون معارك متشابهة ضد أدوات الذكاء الاصطناعي، متهمين إياها بالاعتماد على أعمالهم دون إذن لإنتاج محتوى جديد ينافسهم في السوق. 

ما يحدث مع أرشيف الإنترنت يعكس فقط إحدى جبهات هذه الحرب الأوسع حول حقوق الملكية الفكرية في عصر الخوارزميات.

اللافت أن القيود المفروضة على الأرشيف قد تحمل آثارًا جانبية غير مقصودة، فإضعاف الوصول إلى مواد تاريخية أو صحفية قديمة قد يضر بالباحثين والطلاب والصحفيين المستقلين، الذين يعتمدون على هذه الأدوات في التحقق والتوثيق، وهنا يبرز السؤال المعقد: كيف يمكن حماية حقوق النشر دون التضحية بقيم الوصول المفتوح والمعرفة العامة؟

في النهاية، تكشف هذه التطورات عن مرحلة انتقالية صعبة يعيشها الإعلام في مواجهة الذكاء الاصطناعي. 

فبين الخوف من استنزاف المحتوى دون مقابل، والرغبة في الحفاظ على دور الصحافة كمصدر موثوق للمعلومة، يجد الناشرون أنفسهم مضطرين لاتخاذ قرارات قد تعيد رسم خريطة الإنترنت كما نعرفها. 

ومع استمرار تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، يبدو أن الصدام بين الابتكار وحماية الحقوق لن يكون عابرًا، بل معركة طويلة ستحدد شكل العلاقة بين الإنسان والآلة في إنتاج المعرفة.

المصدر

المصدر: بوابة الوفد

كلمات دلالية: شرکات الذکاء الاصطناعی أرشیف الإنترنت الوصول إلى

إقرأ أيضاً:

"لم أكتب كوداً يوماً".. كيف غيّر الذكاء الاصطناعي مسار المستشارة القانونية لـ "OpenAI"؟

لم تمتلك المستشارة القانونية لـ "أوبن إيه آي" نيكول دياز، أي خبرة في البرمجة عندما انضمت إلى الفريق القانوني للشركة، لكن خلال عام واحد فقط، تحوّلت إلى مستخدمة متقدمة لأدوات الذكاء الاصطناعي، بل ومطوّرة لحلول تساعدها في أداء مهامها اليومية بكفاءة غير مسبوقة.

بدأ هذا التحول مع استخدامها أداة "شات جي بي تي" لتبسيط واحدة من أكثر المهام تعقيداً في عملها، وهي إعادة صياغة السياسات القانونية. 

تحويل النصوص إلى إرشادات واضحة

وبدلًا من التعامل مع نصوص طويلة مليئة بالمصطلحات المعقدة القادمة من مكاتب المحاماة، طورت دياز أداة مخصصة داخل "شات جي بي تي" تقوم بتحويل هذه النصوص إلى إرشادات واضحة ومباشرة تناسب بيئة العمل داخل الشركة، ما وفر عليها وقتاً وجهداً كبيرين.

دانييلا أمودي.. كيف حوّلت الشغف بالأدب الإنجليزي إلى ثروة بقيمة 7 مليارات دولار في قطاع الذكاء الاصطناعي؟ - موقع 24تصدّر اسم دانييلا أمودي، المؤسسة المشاركة ورئيسة شركة الذكاء الاصطناعي "أنثروبيك"، قائمة أبرز قصص النجاح في عالم التكنولوجيا، بعدما كشفت بيانات "فوربس" مؤخراً، عن وصول صافي ثروتها نحو 7 مليارات دولار.

ومع مرور الوقت، توسع استخدام الذكاء الاصطناعي ليشمل إدارة البريد الإلكتروني، حيث اعتمدت على "Codex" لإنشاء نظام ذكي يقوم بفرز الرسائل الواردة، وتصنيفها حسب درجة الخطورة، واقتراح ردود مناسبة بناءً على سياسات محددة مسبقاً. 

توفير رؤى تحليلية أوسع 

النظام السابق لا يكتفي بتوفير الوقت، بل يمنحها أيضاً رؤية تحليلية من خلال تتبع نوعية الاستفسارات وسرعة التعامل معها. ورغم هذا الاعتماد المتزايد على التكنولوجيا، تؤكد دياز أن الذكاء الاصطناعي لا يحل محل الخبرة القانونية، بل يدعمها، فهو يتولى المهام المتكررة، بينما يظل اتخاذ القرار النهائي قائماً على التقدير البشري والخبرة المهنية.

الذكاء الاصطناعي والاحتكار.. ملفات ثقيلة تنتظر قائد آبل الجديد جون تيرنوس - موقع 24في تحول تاريخي داخل واحدة من أكبر شركات التكنولوجيا في العالم، أعلنت شركة آبل تعيين جون تيرنوس، رئيس قسم الأجهزة الحالي، منصب الرئيس التنفيذي اعتباراً من 1 سبتمبر (أيلول) المقبل، خلفاً لتيم كوك الذي سيشغل منصب رئيس تنفيذي لمجلس الإدارة.

وتعكس تجربة دياز توجهاً أوسع داخل "أوبن إيه أي"، يقوم على تمكين الموظفين من بناء أدواتهم الخاصة دون الحاجة إلى خلفية تقنية عميقة، ففي بيئة العمل هناك، يتم تبادل الخبرات بشكل مستمر بين الزملاء، ما يخلق ثقافة تعلم جماعي تسهم في تسريع تبني هذه التقنيات.

تقدم التجربة نموذجاً جديداً لمستقبل العمل القانوني، حيث لا يقتصر دور المحامي على فهم القوانين فقط، بل يمتد ليشمل القدرة على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بفعالية، ما يعيد تشكيل طبيعة المهنة في العصر الرقمي.

مقالات مشابهة

  • طريقنا للابتكار في زمن الذكاء الاصطناعي…
  • الذكاء الاصطناعي يمنع «الانتحار بالقفز»
  • ترامب يوقع أمرا تنفيذيا بشأن تقوية أسس الذكاء الاصطناعي في البلاد
  • ولي عهد الشارقة يوجه بتسريع تبني الذكاء الاصطناعي المساعد
  • تقرير: ثورة الذكاء الاصطناعي قد ترسم مستقبل أسعار الفائدة
  • فقاعة أم طوق نجاة.. كيف أصبح الذكاء الاصطناعي الحامل الوحيد للاقتصاد الأمريكي؟
  • أمر رئاسي من ترامب لفحص نماذج الذكاء الاصطناعي قبل إطلاقها
  • "لم أكتب كوداً يوماً".. كيف غيّر الذكاء الاصطناعي مسار المستشارة القانونية لـ "OpenAI"؟
  • برنامج خبراء الإمارات يطلق “مسار الذكاء الاصطناعي” يونيو الجاري
  • ولي عهد الشارقة يوجه بتسريع تبني الذكاء الاصطناعي المساعد في العمل الحكومي