توصيف الموضوع
وفقَ اعتقادي، الإنسان في الأرض لاختبار منظومته العقلية ومدى قدرتها على التفكير السليم، وأن ما زل به آدم وزوجه هو أنهما لم يفكرا جيدا رغم أن المعلومات كانت متاحة، وعبر العصور كانت المعلومة تتفاعل مع الإنسان؛ يقبلها أو يرفضها بمدى قناعته بالدليل. والتدين غريزة، من أجل هذا وجدنا يعبدون الأصنام، ووجدنا ملحدين على طريقة عصرهم، أو من يعبد الأصنام ولا يعرف معناها.
فكلامي هنا ككل مقال ليس من منطلق تدين وإنما من أجل الحقيقة التي تبقى تدور وموضع تدقيق، وهكذا هي منظومة الإنسان الناجحة، أما من استقر وتعصب للدين بلا فهم أو تعصب ضده، وكما نرى أناسا إعلاميين ومثقفين يجاهرون لدرجة السفاهة الواضحة وهم يزرعون الفشل بضياع الهوية وبرجعية الطرح التي لا تدل على أنهم يدركون أو حتى يعلمون شيئا عن عظمة الخلق في جسدهم هم ناهيك عن الكون ككل لدرجة تعجب لثقة الجاهل بما وصفته نظرية دانينغ-كروغر.. هؤلاء في فهمي يمثلون بيئة ومنظومة تنمية التخلف، وهؤلاء الناس يعتبرون هدفا لمشروع هداية.
الملحدون أو من يعجبهم هذا الوصف دوما يُتهمون بانهم ليسوا أصحاب مبادئ أو منحلين خلقيا، لكن لغياب المنظومة القيمية الصارمة تجد أكثرهم معرض للانحراف كما ينحرف المتدين الذي يبرر لنفسه الانحراف، وهم ظالمون لأنفسهم بجهلهم وتصورهم الفهم والمعرفة فلا يرون جهلهم.
المسألة إذن ليست هنا، وإن كثرت فلأن هنالك من يدعي الإلحاد كما هنالك من يدعي التدين ليغلف رغباته وغرائزه، وترى هؤلاء أشد تعصبا. ونحن نرى في طرح الملحدين من الإعلاميين كم الكراهية والحقد على الإسلام، وقد يتسامح مع أديان أخرى، لكنه يجد الإسلام هو التحدي في بيئته، وهو يجهل الإسلام كجهله لأشياء كثيرة ويظن أنه يعرفها كما يظن معرفته لكل شيء، بينما الباحث عن الحقيقة، متدينا أو غير متدين، تميزه برصانة السلوك.
رجعيّة الضلال
من هنا ننظر إلى المسألة على أصل الفكرة وهي الملحد عن تفكيره هو وقناعاته؛ لكن من خلال ملاحظتي أن هذه النوعية قليلة وهو أمر يؤسف له؛ لأن هؤلاء إن تَفَعَّلَتْ منظومتهم العقلية وأدركوا الإسلام بعد حربه سيكونون من خاصته العلمية والمعرفية، بيد أن ما أراه في أغلب المواقع سطحية وتخلفا ينقصه الإدراك وعكسا للمنطق باسم المنطق، وإذا بهم يجدون أنفسهم متعصبون لدين اسمه الإلحاد يفقدهم المروءة والموضوعية، فهم عندما يهاجمون الإسلام في بيئتنا لأنه الدين الغالب وهم يريدون أن ينزعوا أنفسهم منه، يهاجمونه وفق أساليب عفا عنها الزمن، متخلفة جدا وبناء على انطباعات غير صحيحة، ويناقشون أخطاء بلاغية فيما تقاس عليه قواعد البلاغة جهلا، أو أحكاما لا يعرفون عنها إلا ظنا، فسمتان في هؤلاء الناس تشابهان المتدين غريزة، وهما جهل في الدين وحقيقته، والأخذ بالسطحية وثقة الجاهل.
العالم يتقدم في اكتشافاته العلمية وبيان الدقة الكونية وسعة الكون الرهيبة فعلا، ليقول لك شخص ما إن الكون أكبر أن نكون نحن فيه لوحدنا، بدل أن يسأل عن نظام الكون واستحالة كونه غير مصمم ومبرمج من لدن عليم عظيم، وهو لم يفهم معنى "رب العالمين" الذي يريد تسفيه كلامه بلا إمكانيات ولا قدرة، يأتي إلى أحكام في العلاقات ويأخذ برأي إنسان ويعكسه على العقيدة، وان أفهمته؛ يقول هذا عالم. وماذا عنك؟! ألَسْتَ العقلاني على حد زعمك؟ ألا تستطيع أن تفكر لتعرف الصواب ما دمت قررت أن رأي "رجل الدين" خطأ بدل أن تسد الطرق أمامك بكسلك؟ على الأقل أن هذا النظام الذي نراه يوما بعد يوم ندرك أنه لا يمكن أن يكون عشوائيا، لكنها المكابرة وحب للظهور. فأبو جهل كان يكنى بأبي الحَكم لبلاغته وحكمته، لكنه مات مكابرا متكبرا، وإبليس ليس غبيا لكنه شطَّ فسمي شيطانا.
الأنا والمكابرة في الباطل تيه وضياع وهروب من نور الحقيقة إلى ظلام التخلف، اليوم فعلا أصبح رجعيا متخلفا من يردد عبارات لا تراها تتجدد ولا يشعر بأنه يجب أن يحقق اتهاماته أو انطباعاته، فهو كلام مرسل وتجنٍ وبهتان وبلا دليل، رغم أن ما ينقصه أُفهم له مرات، لكن إحساسه بأن له قيمة في إعلام فاسد يزيد من تيهه، مع الرد على سطحيته دون إعلامه بأن أفكاره باتت رجعية مع تقدم المعرفة.
الملحدون في عصر الاكتشافات الكونية
هل هم متخلفون عن الزمن في عصرنا الحالي، الذي يشهد تقدما علميا مذهلا؟ إن الله وعد أن نرى آياته، وسيكتشف أهمها من هو كافر به بطرق تفوق الخيال، فمنذ إطلاق تلسكوب جيمس ويب وغيره من المهمات الفضائية، أصبحنا نرى نظاما بديعا لا يمكن أن يكون عشوائيا، فالقول بالعشوائية تخلّف عن الزمن وعن العلم قد يسامح في العصور الغابرة وليس بثورة الاكتشافات والعلوم، فهذه عودة لعصور غابرة قبل التفكير بالخليقة والخالق.
العَالِمُ بما في الكون ما لم يكابر سيصل إلى أن للكون خالق، أما الإصرار على الرجعية بتغييب المراجعة فهو إهانة للكرامة الإنسانية وقيمة المنظومة العقلية.
تدفعهم عقائد فاسدة فيتقمصون الإلحاد
بعض متخذي الإلحاد غطاء لا يستطيع أن يهاجمك من خلال عقيدته فيتقمص الإلحاد. تعرفهم بلحن القول وفلتات اللسان وما نلاحظه من جرأة هؤلاء وسفههم، يستغلون مهنهم، وهنالك من تستعبدهم رغبة الشهرة بزعمهم الإلحاد، عبيد الشهرة مشوِّهو الانتماء، هؤلاء يقفلون على أنفسهم عالم عميان يعتبرون معه النور هرطقة، ولا غرابة أن يستخفوا بالقيم، فقوم لوط لم يستنكرون ولو كذبا على لوط سوء سلوك، بل استنكروا "إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ".
المسألة مسألة فهم ولا ينبغي أن نعمم فكل توجه فكري فيه أقلية متطرفة بسلوكها تشوه فكرها، وهنالك من يلحد بسلوك يغيّب اللهَ في نفسه فلا يرتدع عن ظلم لنفسه أو الآخرين.
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مدونات مدونات الفكرة الدين جهل اسلام الدين فكر الحاد جهل مدونات مدونات مدونات مدونات مدونات مدونات اقتصاد سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة صحافة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة
إقرأ أيضاً:
لغز الفيوم العظيم.. الملك المفقود الذي يروي مجد الدولة الوسطى وصراعاتها
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
في عمق تاريخ مصر القديمة، وتحديدًا خلال عصر الدولة الوسطى في الأسرة الثانية عشرة (نحو 1985–1773 ق.م)، خرجت إلى الوجود واحدة من أكثر القطع النحتية غموضًا وإثارة في تاريخ الفن المصري القديم: تمثال ضخم لملك مجهول الهوية بدقة، يُعتقد أنه أحد ملوك هذه المرحلة العظيمة مثل سنوسرت الثالث أو سنوسرت الثاني، وربما امتدت احتمالاته إلى أمنمحات الرابع.
هذا التمثال، الذي اكتُشف في منطقة هيراكليوبوليس ماغنا قرب الفيوم، لا يمثل مجرد عمل فني، بل هو وثيقة سياسية ودينية تعكس تحولات كبرى في مفهوم الحكم والسلطة والخلود في الحضارة المصرية.
ملوك الدولة الوسطى.. بناء دولة مركزية قويةشهدت الدولة الوسطى واحدة من أكثر مراحل مصر استقرارًا وازدهارًا، حيث أعاد ملوك الأسرة الثانية عشرة توحيد البلاد بعد فترات من الاضطراب، ونجحوا في بناء جهاز إداري قوي ودولة مركزية متماسكة.
برز من بين هؤلاء الملوك سنوسرت الثالث، المعروف بحملاته العسكرية في النوبة وإصلاحاته الإدارية الصارمة، إلى جانب ملوك آخرين مثل سنوسرت الثاني وأمنمحات الرابع، الذين أسهموا في ترسيخ قوة الدولة وتوسيع نفوذها.
وفي هذا السياق، جاءت التماثيل الضخمة لتكون أداة سياسية بصرية تعكس هيبة الملك وتؤكد طبيعته الإلهية.
فن يعكس التحول نحو الواقعيةيمثل هذا التمثال نموذجًا واضحًا للتحول الفني الذي ميّز عصر الدولة الوسطى، حيث ابتعد الفنانون تدريجيًا عن المثالية المطلقة التي كانت سائدة في العصور السابقة، واتجهوا نحو تصوير أكثر واقعية وصدقًا في ملامح الملوك.
فبدلًا من الوجوه الشابة المثالية، ظهرت تعابير أكثر جدية وصرامة، تعكس شخصية الملك كحاكم مسؤول عن حماية البلاد وإدارة شؤونها في عالم مليء بالتحديات.
ويُعتقد أن هذا الأسلوب بلغ ذروته في تماثيل سنوسرت الثالث، التي أظهرت ملامح تحمل مزيجًا من القوة والتجربة والرهبة، وكأنها تعكس ثقل الحكم ذاته.
لغز الهوية وإعادة الاستخدام الملكيإحدى أبرز نقاط الغموض في هذا التمثال هي هويته الدقيقة، إذ يرى بعض الباحثين أنه قد يمثل سنوسرت الثالث، بينما يرجح آخرون أنه يعود إلى أمنمحات الرابع، بسبب محدودية المعلومات المتاحة عن فترة حكمه القصيرة.
كما أن التمثال يحمل دليلًا مهمًا على إعادة استخدامه في عصر لاحق، خلال الفترة الرعامسية، وربما في عهد مرنبتاح، ابن رمسيس الثاني. وقد كانت إعادة النقش وإعادة توظيف التماثيل ممارسة شائعة في مصر القديمة، حيث كان الملوك اللاحقون يربطون أنفسهم بإنجازات أسلافهم لتعزيز شرعيتهم السياسية.
الأميرات إلى جانب الملك.. رمزية العائلة والسلطةما يجعل هذا التمثال أكثر تميزًا هو وجود شخصيات صغيرة لأميرات بجوار الملك، وهو عنصر نادر في النحت الملكي المصري. هذه الإضافة لا تحمل بعدًا عائليًا فقط، بل تعكس أيضًا فكرة استمرار السلالة الملكية وترسيخ مفهوم الوراثة الإلهية للحكم.
كما تُظهر هذه التفاصيل كيف كان الفن المصري القديم وسيلة للتعبير عن السلطة بوصفها نظامًا متكاملًا يجمع بين الملك والعائلة الملكية والدين والدولة.
شاهد حجري على تاريخ متغيراليوم، يقف هذا التمثال في المتحف المصري الكبير كطبقات متراكمة من التاريخ؛ فهو عمل فني من الدولة الوسطى، أعيد استخدامه في عصر لاحق، واكتشف في زمن حديث، ليصبح سجلًا مفتوحًا يروي قصة آلاف السنين من السياسة والدين والفن.
إنه ليس مجرد تمثال لملك مجهول، بل مرآة تعكس كيف كانت مصر القديمة تعيد تشكيل صورتها عبر الزمن، وكيف استطاعت أن تجعل من الحجر وسيلة لحفظ السلطة والهوية والذاكرة.
وهكذا، يبقى هذا التمثال الضخم شاهدًا على حقيقة واحدة: أن الملوك قد يرحلون، لكن الحجر الذي نُقشت عليه أسماؤهم يواصل الحديث عنهم إلى الأبد.
الملك المفقود