سواليف:
2026-06-03@00:23:10 GMT

شذرات عجلونية (61)

تاريخ النشر: 31st, January 2026 GMT

#شذرات_عجلونية (61)

الدكتور: #علي_منعم_محمد_القضاة

ألا حيّها عجلون من بُرْدَةِ الهوى           أسامرها بدرًا؛ فترسمني شمســا

القراء الأعزاء؛ أسعد الله أوقاتكم بكل خير، أينما كُنتُم، وحيثما بِنتُم، نتذاكر سويًّا في شذراتي العجلونية، ففي كل شذرة منها فكرة في شأنٍ ذي شأن، ننطلق من عجلون العنب والذَّهب، عجلون الحُبِّ والعتب؛ لنطوف العالم بشذراتنا، راجيًا أن تستمتعوا بها.

مقالات ذات صلة حين كان الرغيف رسالة 2026/01/31

فكونا لا تدبونا عن ظهر الطور

          بكل تأكيد، ستكون المقارنة غير منصفة إلى حد بعيد، لكن إذا علمنا أن “زهران ممداني” هو من مواليد 18 تشرين الأول/أكتوبر 1991 (18 أكتوبر وليس 7 أكتوبر، حتى لا أُتّهم بمعاداة السامية)، وأن قانون الأحزاب الأردني الأول (رقم 32 لسنة 1992) صدر بعد العودة لما يسمى بـ “الديمقراطية”؛ أي عندما كان “زهران” لا يزال طفلاً لا يجيد نطق  “بابا” (DAD) ولا “ماما” (MAM)،..

هذا الشاب أصبح في غضون 35 عاماً عمدةً لأهم مدينة أمريكية بترشيح من حزبه. “زهران ممداني” الحزبي أصغرُ عمراً من قانون أحزابنا، بينما أحزابنا السياسية -منذ ذلك التاريخ ولغاية الآن- ما زالت في أغلبها تبحث عن “تكملة عدد” لاستيفاء النصاب القانوني!

فلماذا نخدع أنفسنا بـ “جوز فارغ” وندعي أن لدينا حياة حزبية؟ “فكونا.. ولا تدبونا عن ظهر الطور”، بلا أحزاب بلا هم! فلا أحزابنا نضجت وتربت تربية سياسية حقيقية، ولا الحكومات المتعاقبة كانت حريصة على وجود أحزاب ناضجة تدير دفة السلطة التنفيذية بكفاءة. أعيدونا إلى سيرتنا الأولى، فهو أفضل مما نحن فيه من تناحر لا طائل منه.

مخلوقات سياسية هلامية

إن وجود كمٍّ هائلٍ من الأحزاب السياسية أمرٌ غير طبيعي في مجتمعٍ صغيرٍ نسبياً، لا يتجاوز عدد سكانه الذين يحملون الرقم الوطني تسعة ملايين نسمة (أقل من سكان بعض المدن الكبرى)؛ وقد أفرز هذا الواقع مخلوقات سياسية هلامية مشوهة، تعاني من الاضطراب والضبابية. إنها كيانات حزبية وُلدت في “غرفة الخداج”، فهي غير مكتملة النمو، وتعاني من “خلع ولادة” يمنعها من السير بشكل سليم.

ومما لا شك فيه أن هذا الأمر ينعكس—ولا أقول “انعكس” كفعلٍ ماضٍ، فالانعكاس ما يزال مستمراً—على مشهد الحياة السياسية الأردنية؛ إذ إن كثرة الازدحام تعيق الحركة، وتشتت المنتسبين، وتُفقد هذه الكيانات قيمتها الحقيقية.

الحقيقة مرة

بعض هذه الأحزاب لا تملك النصاب القانوني، ولا حتى الحد الأدنى من المنتسبين، رغم اندماج العديد منها؛ بل إنها لا تملك مصادر تمويل تمكنها من استئجار مقار لاجتماعاتها، و”يخلف على الحكومة” التي تقدم لها منحاً تتيح لها دفع الأجور الشهرية، وإلا لوجدوا أنفسهم في الشارع.

قُل لي بربك: كيف لهؤلاء أن يذهبوا لمحاورة رؤساء أحزاب في بريطانيا أو أمريكا أو أي بلد آخر على مبدأ “هم رجال ونحن رجال”؟! (هم رؤساء أحزاب، ونحن رؤساء أحزاب)، وكيف يكون رئيساً لحزب سياسي من ربما لم يقرأ مقالة سياسية في حياته، ولم يشارك يوماً في ندوة حزبية؟!

نعم، هذه هي الحقيقة، والحقيقة دائماً مُرّة؛ فبنيان الأحزاب السياسية في الأردن أُسِّس على جرفٍ هارٍ فانهار بهم. ومن وجهة نظري: هي أحزاب “مبرمجة”، وليست “برامجية”.

فلتكن أفعالنا هي العنوان.. لا التسميات

بصرف النظر عما يجري في العالم من استعمارٍ وإذلالٍ للمنطقة العربية، وبالرغم من الإملاءات على الحكومات التي ترضخ تحت مسميات عديدة وأدوات متنوعة—أبرزها البنك الدولي ومجلس الأمن والمؤسسات التي تُدار بعقلية إجرامية—إلا أنني أؤيد عدم تذييل مؤسسات المجتمع المدني بصبغة دينية.

إن حذف كلمة “إسلامي” من أسماء الأحزاب الأردنية التي تتسمّى بها، ربما يخدم الإسلام عبر إبعاده عن الفهم الخاطئ أو التوظيف السياسي القاصر، لكنني في الوقت ذاته لا أرى في هذا الحذف وحده خدمةً للإصلاح السياسي في الأردن، ولا دعماً حقيقياً للعملية الديمقراطية بشكل عام.

فالفهم الخاطئ والحقد الدفين لا يميّزان بين حزبٍ يذيل عنوانه باسم دينٍ معين، وبين الانتماء الحقيقي لهذا الدين. هناك الملايين ممن ينتمون للإسلام ويفتدونه بأرواحهم وهم غير منضوين تحت لواء أي حزب إسلامي، بل ولا أي حزب سياسي أصلاً. كما أنَّ العرب من غير المسلمين ليس لديهم عداء مع الإسلام كدينٍ أبداً. وهنا لا بد لنا أن نستذكر قول الراحل الدكتور كامل أبو جابر رحمه الله: “ديانتي مسيحية، وثقافتي إسلامية، ولغتي عربية”؛ فهذا هو التعبير الأصدق عن مكونات المجتمعات العربية عموماً، والأردن على وجه الخصوص.

التمييز العنصري والديني مرفوضٌ قطعاً؛ فاحترامي لجاري وزميلي المسيحي، ومعاملته لي بطيبة وخلق، لا يعني أنني سأذهب معه يوم الأحد للصلاة في الكنيسة، ولن يحضر هو معي يوم الجمعة لسماع الخطبة، فـ {لكم دينكم ولي دين}. وطالما أننا ملتزمون بالدستور والقوانين النافذة، فهذا كفيلٌ بالتعايش السلمي، فلاحترام المتبادل في أصله “تربيةٌ بيتية”

جهلٌ مركَّب

          عوداً على بدء، لستُ أبداً مع إقحام التسميات الدينية (إسلامي أو مسيحي) في مسميات الأحزاب، أو المستشفيات، أو البنوك؛ والأسباب كثيرة، أهمها: أنَّ كثيراً من الحاقدين، وبعض الأغبياء من كل الملل والنحل، إذا شاهدوا خطأً فردياً من أحد العاملين في هذه المؤسسات، سارعوا دون تردد لإلصاق الخطأ بجوهر الدين الإسلامي، والدينُ منها براء.

وهذا هو “الجهل المركَّب”؛ ظلماتٌ بعضها فوق بعض. فهو جهلٌ لدى التابعين، وتركيبةٌ خبيثة بأساليب إقناعية من قِبل الحاقدين. ولعلَّ في وصف القرآن الكريم لهؤلاء أبلغ بيان: {… لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} [الأعراف:179]. ولا أجدُ مثلاً لهؤلاء “الأنعام” أكثر انطباقاً من أولئك الذين يستغلون الإسلام من نافذة الأحزاب، أو الذين يهاجمونه عبرها، مرددين بغباء أفكار أسيادهم في الغرب.

رُبَّ ضارةٍ نافعة

ربما تكون ردة الفعل على حذف كلمة “إسلامي” أشدَّ خطورة على الغرب من وجودها؛ ذلك لأن الحاقدين يستفزون المجتمعات الإسلامية عامة، والمجتمع الأردني خاصة، الذي تعتبر ثقافة سكانه كافة ثقافةً إسلامية أصيلة. حتى “سفير الحاقدين” بيننا، تجده يطلق لحيته ويشارك في واجب العزاء بالمآتم، وربما يزاحم الناس في مصليات العيد..

لذا، أرجو الله أن ينطبق عليهم المثل الشعبي: “جاجة حفرت على رأسها عفرت”؛ فبإصرارهم على طمس الهوية الإسلامية من مسميات المؤسسات، يرتكبون حماقةً ستعود عليهم بالوبال.

حرية الاختيار هي الخيار

من وجهة نظري، فإنَّ استجابة الحكومة الأردنية لهذه الإملاءات هو مجانبةٌ للصواب. كان الأجدر بها ترك الخيار حراً لكل حزب ليتسمى بما يشاء؛ فهذا هو المؤشر الحقيقي على حرية الفكر والديمقراطية التي نعتبرها -للأسف- ضرباً من الخيال.

إنَّ زيادة رقعة الحرية هي المطلب الملح في منطقة يلتهب العالم من حولها. ومن الغباء الاعتقاد بأنَّ نزع الكلمات، أو تسمية الأحزاب وفق ما يهوى “ترامب”، سينزع الولاء والانتماء من نفوس الناس. بل على العكس؛ هم بفعلتهم هذه يقدمون “خدمة إيقاظ” مجانية للغافلين، حين يدرك الناس أنَّ الغرب يحاربهم في أصل دينهم.

خدمة “خمس نجوم” مجانية!

يروّج الحاقدون، ويصدق الأغبياء والسذج من القوم، أنَّ أيَّ تعاملٍ مع جهة تحمل اسم “إسلامي” يجب أن يتضمن خدمةً من فئة “الخمس نجوم”، دون حتى أن يكلّفوا أنفسهم قول “شكراً”؛ بل يعتبرون هذا التميز واجباً مفروضاً على تلك المؤسسات!

– في القطاع الطبي: مطلوبٌ من المستشفى الذي يسمي نفسه “إسلامياً” أن يوفر أحدث التكنولوجيات الطبية، وربما يُجري عمليات مشتركة مع “مايو كلينك”، وأن يمتلك أمهر الكفاءات.. كل ذلك دون أن يتقاضى من المراجعين أجراً! أو ربما يرضى هؤلاء المراجعون بدفع “ربع دينار” عن كل علاج (أسوةً بالمراكز الصحية الحكومية)؛ فالمنطق عندهم يقول: هو مستشفى إسلامي، ينبغي أن يقصد الأجر من الله وحده، فـ “المصاري وسخ دنيا”!

– في القطاع المالي: يريدون من “البنك الإسلامي” أن يكون “بيت مال المسلمين” كما كان في عهد الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز؛ فلا يترك في المجتمع فقيراً، ويدفع نفقات زواج العزاب، ويبني البيوت للمحتاجين، بل ويبذر القمح على رؤوس الجبال “حتى لا يجوع الطير في الغابات”! يتعاملون معه كأنه جمعية خيرية مطلقة الصلاحيات، وكأنه بلا موظفين، ولا شركاء مساهمين، ولا التزامات، ولا بنى تحتية أو نفقات تشغيلية.

– في العمل الحزبي: يريدون من الحزب الذي يسمي نفسه “إسلامياً” أن يقضي بلمسة سحرية على الفقر الذي تسببت به الحكومات المتعاقبة، وأن يحارب فساداً لم يرتكبه. يريدون منه أن يسدد مديونيةً بلغت 70 مليار دينار خلّفتها سياساتٌ كانت تخدرنا بأنَّ “غدنا هو الأجمل”، حتى جاء الغد الذي جعلنا نبكي فيه دماً على أول أمس!

يريدون من هذا الحزب أن يصلح كل فساد إداري واجتماعي وسياسي وثقافي في المجتمع، بحجة أن الإسلام جاء لإصلاح المجتمعات وهو كلٌّ متكامل.. وهذا كله ما هو إلا غيضٌ من فيض.

الدكتور علي منعم القضاة

أستاذ مشارك في الصحافة والإعلام الرقمي

E-mail:dralialqudah2@gmail.com

Mob: +962 77 77 29 878

المصدر

المصدر: سواليف

كلمات دلالية: یریدون من

إقرأ أيضاً:

د. أمل منصور تكتب : الأمان والونس والعفوية .. الثالوث الذي يحفظ الحب حيًا

يخطئ كثيرون عندما يظنون أن الحب يبدأ وينتهي عند المشاعر. ويخطئ آخرون عندما يعتقدون أن اللهفة هي الدليل الأكبر على الحب، أو أن الشوق وحده يكفي لبناء علاقة طويلة العمر. فالمشاعر الجميلة قد تفتح الأبواب، وقد تشعل البدايات، لكنها وحدها لا تكفي لتجعل قلبًا يستقر، ولا روحًا تطمئن، ولا علاقة تصمد أمام تفاصيل الحياة الكثيرة.

فالإنسان لا يبحث في الحب عن شخص يحبه فقط، بل يبحث عن شخص يشعر معه أنه بخير. يبحث عن شخص يهدأ في حضرته ضجيج العالم، وتخف معه وطأة الأيام، وتصبح الحياة أقل قسوة وأكثر احتمالًا.

لهذا السبب، فإن أجمل العلاقات ليست بالضرورة تلك التي بدأت بأكبر قدر من الانبهار، وإنما تلك التي استطاعت أن تمنح أصحابها ثلاثة أشياء لا غنى عنها: الأمان، والونس، والعفوية.

بين الأمان والونس والعفوية... يولد الحب الحقيقي.

الحب الذي يعيش طويلًا ليس الحب الذي يجعل القلب يخفق أكثر، بل الحب الذي يجعله يطمئن أكثر. فالخفقان حالة مؤقتة، أما الطمأنينة فهي وطن.

ولعل الأمان هو أول ما يحتاجه القلب بعد أن يتجاوز مرحلة الانبهار الأولى. فكل إنسان يحمل داخله مخاوفه الخاصة، وجروحه القديمة، وتجارب لم يخبر بها أحدًا. وكل إنسان يدخل أي علاقة وهو يتمنى، في أعماقه، أن يجد شخصًا لا يضيف إلى أوجاعه وجعًا جديدًا.

الأمان العاطفي هو أن تتحدث دون أن تخاف من السخرية. أن تعبر عن مشاعرك دون أن تشعر أنك في قفص الاتهام. أن تخبر الطرف الآخر بما يزعجك دون أن يتحول اعترافك إلى نقطة ضعف تُستخدم ضدك لاحقًا.

الأمان العاطفي هو أن تكون نفسك بلا أقنعة.

فالإنسان يتعب من التمثيل. يتعب من مراقبة كلماته، ومن حساب ردود أفعاله، ومن الخوف الدائم من أن يُساء فهمه. ولهذا فإن الراحة الحقيقية لا تأتي من الحب وحده، بل من الشعور بأنك مقبول كما أنت.

ثم يأتي نوع آخر من الأمان، ربما يكون أكثر تأثيرًا في العلاقات العاطفية، وهو أمان الاحتياج.

ذلك الشعور الجميل بأن هناك شخصًا يمكن الاتكاء عليه عندما تتعب الحياة. شخصًا لا يختفي عند الأزمات، ولا يصبح وجوده مشروطًا بظروف معينة.

أجمل ما في الحب... أن أشعر بك دون أن أطلبك.

كم من الأشخاص لا يحتاجون حلولًا لمشكلاتهم بقدر حاجتهم إلى شعور واحد فقط: أن هناك من انتبه إلى تعبهم قبل أن يشرحوه، ومن لاحظ حزنهم قبل أن يعترفوا به، ومن اقترب منهم قبل أن يطلبوا ذلك.

فالاحتياج ليس ضعفًا كما يتصور البعض، بل جزء أصيل من طبيعتنا البشرية. وكلنا نحتاج إلى من يشعر بنا، وإلى من يلتقط إشاراتنا الصغيرة التي قد لا نملك القدرة على التعبير عنها بالكلمات.

أن أجدك وقت حاجتي إليك... تلك هي الحكاية كلها.

ليست الحكاية في عدد الرسائل، ولا في كثرة الكلمات، ولا في المظاهر التي يراها الناس. الحكاية الحقيقية تكمن في ذلك الحضور الذي يأتي في اللحظة المناسبة. في ذلك الشخص الذي يظهر عندما تضيق بك الدنيا، وكأنه يقول لك: أنا هنا.

وهناك أيضًا أمان المكانة.

ذلك النوع من الأمان الذي يجعل الإنسان يعرف موقعه في قلب من يحب. فلا يعيش في حيرة دائمة، ولا في اختبارات متكررة، ولا في قلق مستمر حول قيمته عند الطرف الآخر.

فالعلاقات التي تُبنى على الشك تستهلك أصحابها أكثر مما تسعدهم. والإنسان لا يستطيع أن يمنح الحب وهو منشغل طوال الوقت بالسؤال: هل ما زلت مهمًا؟ هل ما زلت مرغوبًا؟ هل ما زلت أحتل نفس المكانة؟

الحب الصحي لا يجعل صاحبه يلهث خلف الطمأنينة، بل يمنحه إياها.

ثم يأتي أمان الضعف.

وهذا من أجمل أنواع الأمان وأندرها.

أن تسمح لنفسك بأن تكون هشًا أمام شخص ما، وأنت مطمئن أنه لن يكسرك. أن تكشف له مخاوفك وأحزانك ونقاط ضعفك، وأنت واثق أنها ستكون في أيدٍ أمينة.

فالناس يحبون من يشاركونهم لحظات القوة، لكن العلاقات العميقة تُبنى في لحظات الضعف.

في اللحظة التي تسقط فيها كل الأقنعة، ويبقى الإنسان على حقيقته.

لكن الأمان وحده لا يكفي.

فالعلاقة قد تكون آمنة، لكنها جافة. مستقرة، لكنها بلا روح. وهنا يأتي العنصر الثاني من هذا الثالوث الجميل: الونس.

الونس ليس كلمة عابرة، بل حاجة إنسانية عميقة.

فقد يعيش الإنسان وسط عشرات الأشخاص، ويظل يشعر بالوحدة. وقد يجلس مع شخص واحد فقط، فيشعر أن العالم كله أصبح أخف.

أحبك لأنني أرتاح في حضرتك.

وربما تكون هذه الجملة من أصدق تعريفات الحب.

فالراحة ليست أمرًا بسيطًا كما يظن البعض. الراحة أن تتمكن من الحديث دون تكلف. وأن تصمت دون حرج. وأن تشعر أن وجودك مرحب به دائمًا.

هناك ونس الحديث، عندما يصبح الكلام سهلًا وعفويًا، وتمضي الساعات دون شعور بالملل.

وهناك ونس الحضور، وهو أعمق من الكلام نفسه. فبعض الأشخاص يكفي وجودهم ليخفف عنك ما لا تستطيع الكلمات تخفيفه.

وهناك ونس المشاركة. أن تجد شخصًا يريد أن يشاركك تفاصيل يومه، ويسأل عن تفاصيل يومك، وكأن ما يخصك يخصه أيضًا.

وهناك ونس الصمت.

نعم، الصمت.

فمن علامات العلاقة الناضجة أن يصبح الصمت مريحًا لا محرجًا. أن يجلس شخصان معًا دون حاجة دائمة إلى ملء الفراغ بالكلمات.

أما العنصر الثالث فهو العفوية.

العفوية هي الروح التي تمنع الحب من التحول إلى واجب ثقيل.

العفوية هي الضحكة التي تخرج دون تخطيط، والكلمة التي تُقال من القلب مباشرة، والاهتمام الذي يأتي بلا حسابات معقدة.

العلاقات التي تفقد عفويتها تفقد شيئًا من جمالها كل يوم.

فالإنسان لا يريد أن يشعر أنه يتعامل مع مشروع إداري، أو مع معادلة حسابية دقيقة. يريد أن يشعر أنه مع إنسان حقيقي، يتصرف بطبيعته، ويعبر عن مشاعره دون خوف أو تصنع.

كم من علاقة بدأت جميلة ثم أرهقتها الحسابات الدقيقة؟

من اتصل أولًا؟
ومن اعتذر أكثر؟
ومن بادر أكثر؟
ومن أعطى أكثر؟

فتتحول المشاعر إلى دفاتر حسابات، ويتحول الحب إلى عملية مراجعة مستمرة للأرصدة العاطفية.

العفوية لا تعني الفوضى، لكنها تعني الصدق.

والصدق دائمًا أكثر جمالًا من الكمال المصطنع.

ولذلك فإن أجمل العلاقات هي تلك التي تسمح للطرفين بأن يكونا على سجيتهما، دون خوف من الأحكام أو الانتقادات أو المقارنات.

ومن هنا نصل إلى حقيقة مهمة يغفل عنها كثير من الناس.

ما الذي يجعل شخصًا يكبر في قلبنا كل يوم؟

ليس الشكل وحده.

ولا الكلمات وحدها.

ولا البدايات المبهرة وحدها.

الذي يجعل شخصًا يكبر في القلب هو طريقته في التعامل معنا.

فالناس في العلاقات نوعان لا ثالث لهما.

هناك شخص نحبه كثيرًا منذ البداية. ندخل معه العلاقة ونحن نحمل له مشاعر كبيرة، وتوقعات كبيرة، ومكانة كبيرة. ثم تبدأ الأيام في كشف طريقة تعامله، فنفاجأ بأن الحب الذي كان يملأ القلب بدأ يتراجع تدريجيًا.

ليس لأن المشاعر كانت كاذبة.

بل لأن المعاملة كانت أقوى من المشاعر.

وهناك شخص آخر لا يبدأ القصة بنفس القدر من الانبهار. قد تكون مشاعرنا نحوه عادية، أو متوسطة، أو هادئة. لكنه مع الوقت يكبر في القلب بشكل مدهش.

يكبر لأنه كان حاضرًا عند الحاجة.

ويكبر لأنه منحنا الأمان.

ويكبر لأنه كان مصدر ونس.

ويكبر لأنه تصرف بعفوية وصدق.

فيتسلل إلى أعماق القلب خطوة خطوة، حتى يحتل مكانة لم يكن يتوقعها أحد.

وهنا تكمن إحدى أهم الحقائق النفسية في العلاقات الإنسانية.

القلوب لا تحتفظ بحبها بناءً على الانطباع الأول فقط، بل بناءً على التجربة اليومية المتكررة.

فنحن لا نحب الأشخاص بسبب ما وعدونا به، بل بسبب ما جعلونا نشعر به.

نحب من جعلنا أكثر اطمئنانًا.

ونقترب ممن جعلوا الحياة أخف.

ونتمسك بمن منحونا الشعور بأننا لسنا وحدنا في مواجهة العالم.

لهذا السبب يبقى الأمان والونس والعفوية أعمدة الحب الحقيقية.

فالأمان يجعل القلب يستقر.

والونس يجعل الروح تبتسم.

والعفوية تجعل العلاقة تحتفظ بنبضها وجمالها.

أما الحب الذي يخلو من هذه الثلاثة، فقد يبقى اسمًا للحب، لكنه يفقد الكثير من معناه.

فالإنسان في نهاية المطاف لا يبحث عن شخص يثير مشاعره فقط، بل عن شخص يشعر معه أنه في بيته. شخص لا يحتاج معه إلى الحذر، ولا إلى التمثيل، ولا إلى شرح كل ما يشعر به.

شخص يستطيع أن يقول له العالم كله: أنت وحدك، بينما يخبره حضوره الصادق أنه ليس وحده أبدًا.

وهذه، في رأيي، هي أجمل صورة للحب، وأصدقها، وأبقاها.

ومادام هذا الثالوث حاضرا يبقي الحب قادرا علي مقاومة الزمن .لأن القلوب لا تتعب من الحب بقدر ماتتعب من غياب مايجعل الحب جديرا بالبقاء .

طباعة شارك الأمان الطمأنينة الحب الحقيقي

مقالات مشابهة

  • القيادة الأمريكية: الناقلة التي عطلتها قواتنا كانت ترفع علم بوتسوانا
  • د. أمل منصور تكتب : الأمان والونس والعفوية .. الثالوث الذي يحفظ الحب حيًا
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • بيان عربي إسلامي يؤكد على الرفض القاطع لأي محاولات لتغيير الوضع التاريخي والقانوني بالقدس
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • العودات يطلق برنامج التمكين السياسي لدى الشباب في الأحزاب السياسية “سيادة القانون وقيم المواطنة الفاعلة”
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟