كهف الهوتة.. رحلة في أعماق ثاني أكبر كهوف سلطنة عُمان
تاريخ النشر: 31st, January 2026 GMT
كتب - يوسف الحبسي
"تصوير: محمد العوفي ـ محمد الصبحي"
في عمق الجبال، حيث يهمس الحجر بتاريخ يمتد لملايين السنين، تتجلى واحدة من أروع المواقع الجيولوجية في سلطنة عُمان كهف الهوتة الذي يقع بين الهضاب الجبلية في أجواف جبال ولاية الحمراء، ويعتبر ثاني أكبر كهف في سلطنة عُمان بعد كهف مجلس الجن في ولاية قريات، وسمي الكهف بالهوتة نسبة إلى القرية الموجودة بالقرب منه، ويبعد عن مركز الولاية بحوالي 10 كيلومترات، ويمكن وصف الكهف على أنه وادٍ متطور أو منظر جانبي لنهرٍ جافٍ وتنحدر منحدراتها باتجاه مجرى النهر لمخرج الوادي قرب كهف الفلاح، وتنحدر بتدرج لمسافة قبل أن تسقط بانغماس في منحدر آخر لتشابه السلم الهندسي الذي يتوسط البحيرات، وللكهف العديد من الفروع والغرف الصغيرة المزينة بأعمدة كربونات الكالسيوم الصاعدة والنازلة للصخور المتدلية والأحواض، والأعمدة الهابطة متوازية في الروابط التي تكون واضحة في السقف، ودرجة حرارة الكهف مناسبة والكهف مهوى، لأن الهواء يتغير كلما تغير الضغط الجوي ويصل الهواء الخارجي للداخل من كهف الهوتة إلى كهف الفلاح، مروراً بالبحيرات والتي تتغير إلى هواء جيد ومنعش.
ومع التوجهات الحديثة لتعزيز مكانة سلطنة عُمان كوجهة سياحية رائدة، ينطلق الكهف اليوم نحو مرحلة جديدة من التطوير الشامل الذي يجمع بين سحر الاستكشاف العلمي ومتعة الترفيه العائلي، إذ حقق قفزة نوعية ليتجاوز إجمالي الزوار 55 ألف زائر في عام 2025، كما افتتحت مؤخراً حديقة المغامرات التي تمثل إضافة نوعية في استقطاب الزوار إلى الكهف، ومع إحالة القطار إلى التقاعد أدخل القائمون على هذا المزار السياحي المركبات الكهربائية لنقل الزوار لمشاهدة مختلف مرافق كهف الهوتة.
الترفيه العائلي
وقال إبراهيم بن سعيد بن سليمان الوهيبي، مدير شركة كهف الهوتة: إن رؤيتنا تنطلق من القيمة الاستثنائية لكهف الهوتة كأحد أبرز المعالم الطبيعية ليس على المستوى المحلي فحسب، بل والإقليمي والدولي، لذا، ترتكز خطة التطوير على تعزيز هذه المكانة عبر تحويل الموقع إلى وجهة سياحية متكاملة تجمع بين الاستكشاف العلمي والترفيه العائلي، ونحن نسعى لخلق تجربة غنية تستهدف جميع الفئات العمرية وتلبي مختلف الاهتمامات، مع الحفاظ على الهوية الجيولوجية الفريدة للمكان.
وأوضح أن الحفاظ على النظم البيئية والجمال الطبيعي للكهف هو خط أحمر في كافة خططنا، إضافة أنشطة مثل سياحة المغامرات والحبال تمت بناءً على دراسات دقيقة لضمان اندماج هذه المرافق مع الطبيعة المحيطة دون المساس بسلامة التكوينات الجيولوجية، وهدفنا هو تقديم "إثارة مسؤولة" تتيح للزوار التفاعل مع الطبيعة دون التأثير سلباً عليها، محققين بذلك التوازن بين الاستدامة البيئية والجذب السياحي، وبما أن كهف الهوتة يمثل وجهة رئيسية للباحثين والمهتمين بالسياحة الجيولوجية والجمهور العام، فإن خطة التطوير صُممت لرفع كفاءة استقطاب الزوار وإدارة تدفقهم بشكل أكثر مرونة، ونحن نعمل وفق مستهدفات طموحة يتم تحديثها دورياً لتتناسب مع نمو القطاع السياحي في سلطنة عُمان، مع التركيز على جودة التجربة السياحية وضمان راحة الزوار سواء من داخل الدولة أو السياح الأجانب.
العربات الكهربائية
وأكد أن كهف الهوتة شهد نمواً ملحوظاً في الإقبال، حيث سجل عام 2024 حضوراً لافتاً بلغ حوالي 44 ألف زائر، وبفضل الجهود التطويرية والترويجية، نجحنا في تجاوز هذا الرقم خلال عام 2025 ليصل عدد الزوار إلى أكثر من 55 ألف زائر، مما يعكس الثقة المتزايدة في الموقع كوجهة مفضلة.
وأشار إلى أن مشاريع التطوير الكبرى تمر بمراحل متعددة تشمل الدراسات الفنية، التخطيط، التنفيذ، والتقييم لضمان أعلى معايير الجودة، ونحن مستمرون في العمل وفق الجدول الزمني المخطط له، وسيتم الإعلان عن التفاصيل المالية والجدول الزمني النهائي للمرافق المتبقية في الوقت المناسب فور اكتمال المراحل الحالية وبما يخدم مصلحة المشروع والجمهور.. مشيراً إلى أن عملية الانتقال من نظام القطار إلى العربات الكهربائية تأتي كجزء من رؤية تطويرية شاملة تهدف إلى تعزيز الانسيابية والحفاظ على بيئة الكهف من الانبعاثات والضجيج.
منظومة الأمن والسلامة
وبين أن سلامة زوارنا وعاملينا هي الأولوية القصوى التي لا تقبل المساومة، ولقد قمنا بتحديث منظومة الأمن والسلامة بالكامل، من خلال إضافة غرفة إسعافات أولية متطورة، وأنظمة مراقبة بالكاميرات تغطي كافة النقاط الحيوية، وتوفير معدات السلامة المعتمدة، والأهم من ذلك هو الكادر البشري؛ حيث يمتلك موظفونا تدريباً احترافياً للتعامل مع مختلف الظروف والحالات الطارئة لضمان رحلة آمنة وممتعة للجميع.
الصخور المتدلية
كهف الهوتة أو كما يسميه البعض كهف الفلاح هو عبارة عن منطقة ترسيب عظيمة، جلاميدها الصخرية التي تغطي القنوات هي أكثر صفة وشداً للانتباه عند المدخل وهذا الدليل عند كل قاعات الدخول لنظام الكهف، وبعض هذه الجلاميد عملاقة وتصل حوالي 10 متر، وبعض الترسبات متنقلة من وادي الهوتة نزولا لقناة الكهف، وهناك بعض الحطام الذي استقر عند مقدمة البحيرة مكوناً تلة صغيرة مدللة على ذوبانها بعد فيضان عظيم، أما بحيرة الكهف فهي بحيرة لها أمتداد كبير ويقال إن امتدادها يصل إلى وادي تنوف بولاية نزوى وبحيرة الكهف يوجد فيها الماء على مدار العام ولا تتعرض للمحل وتعيش في البحيرة أسماكٌ عمياءٌ وشأنها في ذلك شأن معظم الأسماك التي تعيش في الكهوف، فبعضها تظهر بدون أعين ولكنها تملك شعيرات طويلة لتلتمس الطعام، وبعضها يملك عيونا صغيرة جداً، وأسماك الكهف كغيرها من الأنواع التي تقطن الكهوف تكون شاحبة وأجسادها تفتقد للألوان وذلك كنتيجة لعيشها في بيئة مظلمة أو بها إضاءة خفيفة. لكنها تملك نشاطا قويا في الحواس الأخرى وفي بعض الحالات أعضاء إضافية مدركة للمس تتوزع على الجلد.
وتعتبر الصواعد والهوابط الخصائص الطاغية على نظام هذا الكهف والأكثر جذباً للأنظار هي الأعمدة الصاعدة، كما تدل ألوان الصخور المتدلية المختلفة على أجيال عديدة، وربما تعكس تأثرها بظروف مناخية مختلفة تصل الأعمدة لحوالي 5 أمتار قطرياً كما أن هناك أعمدة منتظمة على شكل أعمدة مخروطية، أما الأعمدة النازلة فهي شاهد على وجود تشققات في القواعد، حيث ترتبط مع سقف الكهف، والغرف الفرعية الفسيحة، في نظام هذا الكهف يظهر عدد من الصخور المتدلية والأعمدة النازلة.
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: کهف الهوتة
إقرأ أيضاً:
من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
عباس الزدجالي
abbas@omanamana.com
كشفت التقارير المتزامنة التي نشرتها صحف ومؤسسات إعلامية دولية بارزة، من بينها هآرتس وفايننشال تايمز ورويترز وأكسيوس، عن مشهد غير مألوف في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فبحسب هذه الروايات، لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستعد فقط لتوسيع العمليات العسكرية في لبنان، بل كانت هناك خطط لضربات أكبر قد تطال بيروت نفسها، قبل أن يتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا في اللحظات الأخيرة لوقف التصعيد أو الحد منه.
وتذهب بعض التقارير إلى أبعد من ذلك، متحدثة عن مكالمة غاضبة وغير مسبوقة بين ترامب ونتنياهو، استخدم خلالها الرئيس الأمريكي لغة حادة عكست حجم التوتر بين الرجلين. وبغض النظر عن دقة كل عبارة منسوبة إلى المكالمة أو مدى صحة التسريبات المتداولة، فإن تعدد المصادر وتطابق الخطوط العامة للرواية يشيران إلى وجود خلاف حقيقي حول مسار الحرب وحدودها، وليس مجرد اختلاف تكتيكي عابر.
اللافت في هذه التطورات أن ترامب لم يكن طوال السنوات الماضية معروفًا بممارسة ضغوط جدية على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بل على العكس، ارتبط اسمه بأكثر المواقف الأمريكية دعمًا لإسرائيل. ولذلك فإن تدخله المفاجئ لوقف أو تأجيل عملية عسكرية واسعة يثير تساؤلات عديدة حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التحول.
قد يكون أحد التفسيرات أن الإدارة الأمريكية بدأت تدرك أن استمرار التصعيد يهدد بتوسيع دائرة الحرب إلى مستوى يصعب احتواؤه. فبعد أشهر طويلة من القتال والدمار في غزة، والتوتر المتصاعد على الجبهة اللبنانية، والمواجهة المفتوحة مع إيران، باتت المنطقة أقرب إلى حافة انفجار إقليمي شامل. وفي مثل هذا السيناريو، لن تكون الكلفة مقتصرة على إسرائيل أو خصومها فقط، بل ستمتد إلى المصالح الأمريكية المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط، وإلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية.
كما أن واشنطن تُدرك أن صورتها الدولية تعرضت خلال الفترة الماضية إلى ضرر كبير نتيجة مشاهد الدمار وسقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين؛ فالدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل أصبح موضع انتقاد متزايد حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، وبين قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي. ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية الداخلية، لا يمكن تجاهل أثر هذه التطورات على الحسابات الانتخابية والسياسية لأي إدارة أمريكية.
أما نتنياهو، فيبدو بدوره محاصرًا بين ضغوط متناقضة. فمن جهة يواجه مطالب متزايدة من اليمين المتطرف بمواصلة التصعيد وتوسيع العمليات العسكرية، ومن جهة أخرى يواجه انتقادات داخلية متصاعدة بسبب طول أمد الحرب وتكاليفها البشرية والاقتصادية والسياسية. ولذلك فإن أي تراجع أو قبول بوقف التصعيد قد يُفسَّر من قبل خصومه وحلفائه على حد سواء باعتباره رضوخًا للضغوط الأمريكية.
لكن ما تكشفه هذه الأزمة يتجاوز شخص ترامب أو نتنياهو؛ فهي تُذكِّر بحقيقة كثيرًا ما يجري تجاهلها في الخطاب السياسي والإعلامي، وهي أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، مهما بدت وثيقة، ليست علاقة تطابق كامل في المصالح. فعندما تشعر واشنطن بأن سياسات تل أبيب تهدد أولوياتها الاستراتيجية الأوسع، فإنها لا تتردد في التدخل، ولو خلف الأبواب المغلقة، لإعادة رسم الحدود التي لا ينبغي تجاوزها.
وفي المقابل، تكشف الأحداث أيضًا حجم المأزق الذي وصلت إليه المنطقة بأسرها. فبعد شهور طويلة من الحروب والدمار وسقوط الضحايا في غزة ولبنان وإيران، لم يعد السؤال من انتصر ومن خسر في معركة هنا أو هناك، بل إلى أين يقود هذا المسار الجميع. فالحروب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها كثيرًا ما تنتهي بنتائج لم يتوقعها حتى الذين أشعلوها.
ولهذا فإن السؤال الأهم في نهاية المطاف ليس ما إذا كان ترامب قد أوقف هجومًا على بيروت، ولا ما إذا كان نتنياهو قد تراجع تحت الضغط الأمريكي، بل لماذا حدث ذلك الآن تحديدًا؟ هل كان الأمر تعبيرًا عن إدراك متأخر بأن المنطقة تقف على حافة انفجار شامل؟ أم أنه محاولة من واشنطن لإنقاذ نفسها من تداعيات سياسات ساهمت هي نفسها في صنعها؟ أم أن كلفة استمرار الحرب أصبحت ببساطة أعلى من قدرة الجميع على تحملها؟
ذلك هو السؤال الذي ستحدد إجابته ليس فقط مستقبل العلاقة بين ترامب ونتنياهو، بل ربما مستقبل الشرق الأوسط بأسره في السنوات المقبلة.