لبنى القاسمي: العطاء جزء متكامل من استراتيجية ريادة الأعمال
تاريخ النشر: 31st, January 2026 GMT
الشارقة (الاتحاد)
أكدت معالي الشيخة لبنى بنت خالد القاسمي أهمية تحول العمل الخيري من العطاء التقليدي قصير الأمد إلى استراتيجيات مؤثرة وطويلة الأمد، تعزز العملية التعليمية وتدعم الأسر والمبادرات الصحية وتشجع على المشاركة المجتمعية.
جاء ذلك خلال جلسة حوارية بعنوان «العمل الخيري والاستثمار المؤثر كنموذج جديد للنمو المستدام في المنطقة» ضمن فعاليات اليوم الأول من الدورة التاسعة من مهرجان الشارقة لريادة الأعمال الذي ينظمه مركز الشارقة لريادة الأعمال «شراع» في مجمع الشارقة للتكنولوجيا والابتكار.
وأكدت معالي الشيخة لبنى بنت خالد القاسمي أن العمل الخيري في دولة الإمارات استراتيجية مجتمعية شاملة تمتد لتشمل جميع أفراد المجتمع، مشيرةً إلى أن حكومة دولة الإمارات العربية المتحدة تلعب دوراً محورياً في تقديم نموذج يحتذي به المجتمع من خلال المبادرات التي تشجع التطوع والمساهمة المجتمعية على مستوى الأسرة والمجتمع ككل مستشهدةً بأمثلة عملية، مثل دعم الأطفال في غزة حيث شارك الأهالي أطفالَهم في تحضير وجمع المواد الغذائية لتعزيز قيم العمل الجماعي والمساهمة في عمل الخير من الصغر.
وأشارت معاليها إلى أهمية الجوائز والمبادرات، مثل جائزة زايد للاستدامة التي تهدف لدعم الشباب في تقديم مشاريع مبتكرة تخدم المجتمع وجهود قرينة صاحب السمو حاكم الشارقة سمو الشيخة جواهر بنت محمد القاسمي رئيسة مجلس الشارقة للأسرة والمجتمع من خلال العديد من المبادرات والبرامج، مثل القافلة الوردية للكشف المبكر عن سرطان الثدي، موضحة أن القافلة وفرت في أكتوبر الماضي خدمات تصوير طبية مجانية لما يقارب 20 ألف شخص في الدولة مع مساهمة الشركات التي تستأجر الحافلات المتنقلة لموظفيها.
ولفتت معاليها إلى أن التعليم هو أحد أهم مجالات العمل الخيري المستدام، حيث يمكن أن يكون وسيلة لإعادة العطاء للمجتمع بشكل طويل الأمد وذكرت أمثلة على الجامعات الإماراتية، مثل الجامعة الأميركية في الشارقة وجامعة نيويورك في أبوظبي التي تشجع المانحين على دعم المنح الدراسية للطلاب المتفوقين ممن لا يملكون القدرة المالية وهو ما أسمته «الدفع للأمام»، مضيفة أن العمل الخيري لا يحتاج إلى أن يكون مرتبطاً بالثراء بل يمكن أن يبدأ من أصغر الأمور مثل التطوع والمشاركة في تحسين البيئة المحلية.
وفي ختام حديثها وجهت معاليها رسالتها مباشرة لرواد الأعمال، مؤكدة أهمية العطاء منذ البداية وعدم الانتظار حتى تحقيق الثروة قائلةً: «كثير من الناس وأصحاب المشاريع يظنون أنه يجب أن يكونوا أثرياء قبل أن يبدؤوا بالعطاء لكن الواقع هو أنه لا حاجة لأن تصل إلى هذا الحد لتبدأ بالعطاء، ولا تنسوا الذين يعملون كموظفين بسيطين تعرفوا على أسمائهم وأصولهم وكونوا ممتنين لهم وساعدوهم وأن دمج العمل الخيري في استراتيجية المشاريع وروح المسؤولية الاجتماعية يجعل كل مشروع اقتصادي أداة للنهوض بالمجتمع بما يعكس جوهر فلسفة التكافل الإماراتية».
وفي جلسة بعنوان «بناء عالم يصلح للجميع» سلطت صاحبة السموّ السيدة الدكتورة بسمة آل سعيد رئيسة ومؤسسة لـ«عيادات همسات السكون» المتخصصة في مجال الصحة النفسية والعافية بسلطنة عمان الضوء على تصميم أنظمة رفاه شاملة تراعي الأصالة الثقافية وتواكب المعايير الحديثة للصحة النفسية لتعزيز الشمولية والعدالة الاجتماعية في المجتمع.
وأكدت أن بناء عالم يصلح للجميع يبدأ من التصميم المتأصل منذ البداية وليس من الإضافات اللاحقة.
وأوضحت أن أي مشروع أو منتج يجب أن يأخذ في الاعتبار الاختلافات الفردية للمستخدمين -من ثقافة ودين وتجارب حياتية- بدلاً من الافتراض أن الجميع متشابهون أو أن تصورنا الخاص سيكون مناسباً للجميع.
وشددت على أن التفكير في التنوع والشمولية يجب أن يكون جزءاً من الاستراتيجية الأساسية لأي مؤسسة أو مشروع وأن الاعتماد على فرق متنوعة وأبحاث مستمرة وتجارب عملية وتغذية راجعة متواصلة هو ما يضمن وصول الحلول إلى أكبر عدد من الناس بطريقة عادلة وفعّالة.
كما ربطت سموها هذا النهج بالجانب الإنساني، مشيرة إلى أن الاهتمام بالمجتمع والمساهمات المجتمعية والعمل الخيري هي عناصر أساسية لجعل أي عالم نصممه أكثر شمولاً واستدامة بحيث يشعر كل فرد بأنه مرئي ومقدَّر ومشارك في هذا العالم.
المصدر
المصدر: صحيفة الاتحاد
إقرأ أيضاً:
الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.
الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.
في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.
وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.
والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.
إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.
نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.
فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.
ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟
بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟
سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..