لجريدة عمان:
2026-06-03@03:28:48 GMT

حرب على حافة الانفلات

تاريخ النشر: 31st, January 2026 GMT

حرب على حافة الانفلات

جربت منطقة «الشرق الأوسط» العام الماضي معنى المواجهة المباشرة بين إسرائيل وإيران بعد أن كانت تجري بشكل غير مباشر أو عبر وكلاء منذ 4 عقود تقريبا. عرفت إسرائيل مواطن قوتها وضعفها وكذلك فعلت إيران. وعرفت دول الخليج والعراق والأردن ولبنان وسوريا واليمن ماذا يعني أن تكون في هذا المحيط الملتهب، وماذا يعني أن تكون مع طرف من هذه الأطراف سواء بالقول أو بالفعل.

نتائج تلك التجربة، الميدانية والسياسية أو حتى النفسية تدفع اليوم إلى مواجهة أخرى، لكن أمريكا ترامب هي التي تمسك بفتيل الحرب هذه المرة فيما تبدو إسرائيل في ظل -قليلا- رغم ما قد يكون في هذا من مناورة عسكرية وتكتيكية. حيث توجه الأنظار إلى الأساطيل الأمريكية فيما تأتي الضربة من إسرائيل.

الحرب، أي حرب، مشكلة كبيرة في حد ذاتها، وهي كما تسمى ذروة المأساة البشرية، لكن مشكلة هذه الحرب بالذات أنها إن وقعت، لن تبقى «ثنائية» وقد شُكلت المنطقة خلال العقود الأربعة الماضية وتشابكت العلاقات فيها من أجل مثل هذه اللحظة؛ حرب بين طرفين تجر معها بشكل مباشر أو غير مباشر أكثر من عشر دول في الجانب العسكري وتجر معها العالم أجمع في الجانب الاقتصادي. ما يعني أن أحدا لن يكون في منأى عن هذه المواجة إن وقعت كل بحسب قربه من أحد طرفي الصراع.

لكن هذه الحرب أيضا تضع المنطقة أمام اختبار حقيقي مع نفسها: قدرتها على حماية سيادتها، وقدرة المجتمعات فيها على احتمال الصدمة، وقدرة القانون على كبح القوة حين تتقدم وتنفلت دون رادع أو توازن قوى ولو في حده الأدنى.

يبدو قرار الحرب في مثل هذه اللحظة، من بعيد، خيارا محسوبا، لكنه من قريب، هو سلسلة تفاعلات.. ضربة تتبعها قراءة نوايا، ثم رد، ثم رد على الرد.

قد تغري الحسابات الداخلية بعض الساسة في واشنطن نفسها بتصعيد يراكم شعبية ترامب أو حتى حزبه في عام الانتخابات النصفية، ومن ثم يترك الإقليم يدفع الثمن وحده كما حدث في أعقاب الغزو الأمريكي للعراق. يدفع البعض من حلفاء أمريكا اليوم نحو المواجهة باعتبارها لحظة حسم. وآخرون يلتزمون الصمت خوفا من كلفة غضب واشنطن/ ترامب أو من فواتيره الجمركية. وبين هذين الطرفين تقف دول عربية وخليجية منها بشكل خاص أمام سؤال صعب جدا: كيف تحمي استقرارها الداخلي إذا تحولت أراضيها، أو أجواؤها، أو سواحلها، إلى ساحة رسائل متبادلة؟ عبر الصواريخ وليس عبر الدبلوماسية!

ثم يأتي الخطر الأمني. لا تحتاج الحروب الحديثة إلى احتلال كي تصبح مؤذية، يكفي استهداف البنى الحساسة: الطاقة، والموانئ، والاتصالات. ويكفي أيضا خطأ واحد في البحر أو السماء. ودول الخليج معرضة لمثل هذه الأخطاء، سواء كانت أخطاء حقيقية أم مبرمجة لأهداف سياسية آنية أو مستقبلية.

ثم هناك مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، وورقة رابحة في اللحظة التي يمكن أن يفقد فيها أحد الأطراف أوراقه الرابحة. وورقة مضيق هرمز لا تتمثل في الإغلاق كما في السياق الكلاسيكي للحرب ولكن في كلفة أقساط التأمين على السفن أو تعطيل سلاسل الإمداد النفطي. الجميع سيدفع الثمن، ودول الخليج ستدفعه مضاعفا نظرا لقربها واعتماد دخلها على النفط في المقام الأول.

تبدو أوروبا الضعيفة عالقة أمام هذه الحرب الموشكة على الاندلاع بين خوف التصعيد وخوف غضب الحليف الأمريكي، تعرف أن فاتورة الحرب ستُدفع بالتضخم والطاقة قبل أن تُدفع بالسلاح. والاتحاد الأوروبي يدرك أن كسر القواعد ينعكس على أمنه، لأن الأمن لا يُصنع بالردع وحده والذي لم تعد أوروبا تملكه أصلا.. تشاهد أوروبا كل هذا وهي تعرف أنها المتضرر الأكبر منه مع الوقت. فهي الهدف الأثمن بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية مع الزمن.

بهذا المعنى فإن هذه الحرب، إن وقعت، فيمكن أن تغير المنطقة والعالم. ستترك المنطقة في أكبر حالة فوضى وسيخرج العالم في أعقابها بقواعد جديدة تجتر كل أشكال الفوضى والهيمنة والإمبريالية عبر التاريخ.

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: هذه الحرب

إقرأ أيضاً:

نجاة عبد الرحمن تكتب : أم صلاح والحارة الضيقة

في قلب حواري المطرية، حيث تتشابك الأزقة الضيقة وتثقل الوجوه بملامح الاحتياج، تظهر أحيانًا شخصيات تفرض حضورها بقوة داخل مجتمعات مهمشة تبحث عن طوق نجاة. ومن بين هذه النماذج، برز اسم "أم صلاح" كحالة استثنائية، جمعت بين العطاء الواسع، والغموض العميق.

في ظاهرها، تبدو سيدة بسيطة، بملابس عادية، تقيم في منطقة الخارجة بالمطرية، لا توحي بأي مظهر من مظاهر النفوذ أو الثراء. لكن ما يحدث خارج هذا الإطار البسيط، يطرح تساؤلات أكبر من الصورة الظاهرة.

ففي منطقة أخرى، وتحديدًا داخل حارة ضيقة بكورنيش مسطرد، وعلى مسافة بعيدة نسبيًا من محل سكنها، استأجرت "أم صلاح" شقة تحولت مع الوقت إلى مقر دائم لنشاط واسع النطاق. هذه الشقة، التي تقع أمام سور تابع لمعسكر قوات مسلحة، وعلى مقربة من إحدى بواباته، لم تعد مجرد وحدة سكنية، بل أصبحت مركزًا لإدارة شبكة توزيع منظمة.

داخل هذا المكان، تتكدس المواد الغذائية بكميات كبيرة، وتتحرك منظومة توزيع تبدو أقرب إلى العمل المؤسسي، رغم غياب أي كيان رسمي أو تسجيل قانوني.

تشير التقديرات داخل الحي إلى أن ما يقرب من 200 أسرة تستفيد من هذا النشاط، حيث تحصل كل أسرة على نحو 1000 جنيه، إلى جانب السلع الغذائية. كما تقوم "أم صلاح" بدفع فواتير الكهرباء والمياه والغاز لبعض الأسر، وهو ما يعكس حجم إنفاق شهري ضخم، يتجاوز بكثير قدرات أي عمل فردي بسيط.

لكن التحول الأهم لم يكن في حجم العطاء… بل في طبيعته.

فمع مرور الوقت، لم يعد الدعم مقتصرًا على الأكثر احتياجًا، بل امتد في بعض الحالات إلى أشخاص لا تنطبق عليهم معايير الفقر، وهو ما يفتح باب التساؤل: هل الهدف هو الإغاثة فقط… أم بناء قاعدة نفوذ أوسع؟

ومع اقتراب المواسم الكبرى، وعلى رأسها الانتخابات الرئاسية و البرلمانية ، بدأت ملامح هذا النفوذ تظهر بشكل أكثر وضوحًا. لم يعد العطاء منفصلًا عن التوجيه، بل أصبح – وفق ما يتردد – مرتبطًا بإشارات غير مباشرة، وأحيانًا واضحة، لتوجيه الناس نحو مواقف انتخابية معينة.

وهنا يتحول الفقر من حالة إنسانية… إلى أداة تأثير.

ولتعزيز هذا الدور، لم يقتصر النشاط على الدعم المادي فقط، بل امتد إلى المجال الديني، من خلال تنظيم حلقات لتحفيظ القرآن داخل نفس الشقة، وجذب الأطفال والشباب بشكل مستمر. كما تم استقطاب بعض الأشخاص من خارج المنطقة، للإقامة داخل المقر بحجة التحفيظ، ما يجعل المكان نقطة تجمع دائمة، ليس فقط لتلقي المساعدات، بل لتلقي التوجيه أيضًا.

الأمر لم يتوقف عند هذا الحد.

فقد بدأت "أم صلاح" في جمع نسخ من بطاقات الرقم القومي، وشهادات الميلاد، ووثائق الزواج والطلاق، وشهادات الوفاة، بالإضافة إلى فواتير الخدمات الخاصة بالأسر التي تتلقى الدعم. هذا الكم من البيانات الشخصية، الذي يتم جمعه خارج أي إطار رسمي أو رقابي، يثير تساؤلات مشروعة حول طبيعة استخدامه، والهدف الحقيقي من تجميعه، خاصة و أن ظهور ام صلاح كان قبيل الانتخابات الرئاسية مباشرة .

ورغم كل هذا النشاط، لا توجد أي جهة معلنة تقف خلف "أم صلاح". لا جمعية مسجلة، ولا كيان خيري معروف، ولا مصدر تمويل واضح. كل ما هو موجود، هو شبكة توزيع واسعة، وتأثير متزايد، وغموض يحيط بكل التفاصيل.

ومع تكرار المشهد، تحولت "أم صلاح" في نظر البعض إلى ما يشبه "الشخصية المقدسة"، التي لا يجوز انتقادها أو التشكيك فيها، وهو ما يعكس مدى تغلغل هذا النموذج داخل المجتمع.

القضية هنا لا تتعلق بشخص بعينه، بل بنمط يمكن أن يتكرر في أكثر من مكان، خاصة في المجتمعات المهمشة، حيث يصبح الاحتياج مدخلًا سهلًا للتأثير، في ظل غياب البدائل والرقابة.

إن أخطر ما في هذا النموذج، ليس في حجم ما يُقدم من مساعدات، بل في غياب الشفافية، وتحول العطاء إلى أداة نفوذ ناعم، يصعب ملاحظته، لكنه شديد التأثير.

وفي النهاية، يبقى السؤال قائمًا:
هل نحن أمام عمل خيري خالص؟
أم أمام منظومة غير معلنة تستخدم العطاء كوسيلة للسيطرة والتوجيه؟
الإجابة قد تكون معقدة…
لكن تجاهل السؤال، هو الخطر الحقيقي.

من الناحية الاجتماعية، تكشف هذه النماذج عن طبيعة العلاقات داخل المجتمعات الهشة، حيث يتحول مقدم المساعدة إلى مركز ثقل اجتماعي، يعاد حوله تشكيل شبكات من الولاء والاعتماد. ومع الوقت، قد تتراجع مؤسسات الدولة أو تغيب في الوعي الجمعي لصالح هذا النوع من "الفاعل المحلي"، مما يعيد إنتاج علاقات غير متكافئة داخل المجتمع، تقوم على الحاجة بدل الحقوق، وعلى الامتنان بدل المواطنة.


أما من الناحية السياسية، فإن استمرار هذا النوع من الأنشطة خارج الأطر الرسمية يفتح الباب أمام توظيف غير مباشر للنفوذ الاجتماعي في التأثير على السلوك العام، خصوصًا في لحظات مثل الانتخابات أو الأزمات. وهنا يصبح العطاء أداة ناعمة لتشكيل الاتجاهات، دون الحاجة إلى خطاب سياسي مباشر، وهو ما يجعل رصده أو قياس تأثيره أكثر صعوبة، رغم فعاليته العالية على أرض الواقع.

طباعة شارك المطرية العطاء الثراء

مقالات مشابهة

  • الحرب على إيران وسعت العلاقة بين إسرائيل والإمارات.. مسؤول رفيع يكشف التفاصيل
  • الإعيسر.. من بوق الحرب إلى عبئها
  • نجاة عبد الرحمن تكتب : أم صلاح والحارة الضيقة
  • الحرب والضائقة الاقتصادية تضربان استعدادات إيران لمونديال 2026
  • السيسي يستعرض رؤية القاهرة لاحتواء أزمات المنطقة أمام وفد من المنظمات اليهودية الأمريكية
  • جدعون ليفي: هكذا تسير إسرائيل في تنفيذ خطتها لما بعد الحرب على غزة
  • الرئيس اللبناني: لا خيار آخر غير التفاوض مع إسرائيل
  • رفضوه عريسًا فوقف على حافة الموت.. إنقاذ شاب حاول القفز من أعلى عقار بمدينة نصر
  • محاكمة جرائم الحرب السورية في النمسا تُحيل مسؤولين سابقين في نظام الأسد أمام المحكمة الأوروبية
  • تل أبيب تطلب ضوءًا أخضر أمريكيًا لتوسيع عملياتها داخل لبنان | إسرائيل تعلن السيطرة على قلعة الشقيف جنوب لبنان .. وجيش الاحتلال يصدر أوامر إخلاء جديدة