نظَّم جناح دار الإفتاء المصرية، ضمن فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب، ندوةً علمية بعنوان «الفتوى والمحافظة على اللغة العربية»، تناولت الدور المحوري للغة العربية في ضبط الخطاب الإفتائي، وصيانة المعنى الشرعي، وتعزيز التواصل الواعي بين المفتي والمجتمع، في ظل التحديات الفكرية واللغوية المعاصرة.

واستضافت الندوة كلًّا من الأستاذ الدكتور حسن الشافعي، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، والأستاذ الدكتور عبد الفتاح حبيب، أستاذ اللغويات بجامعة الأزهر، فيما أدار الندوة وقدم محاورها فضيلة الشيخ حازم داود، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، بحضور فضيلة الأستاذ الدكتور نظير محمد عياد، مفتي الجمهورية رئيس الأمانة العامة لدُور وهيئات الإفتاء في العالم، إلى جانب نخبة من العلماء والمثقفين والباحثين وطلاب العلوم الشرعية واللغوية.

وأكد المتحدثون أن اللغة العربية تمثِّل الوعاء الأصيل للفتوى، وأن سلامة اللفظ ودقة التركيب شرطٌ لازمٌ لصحة الفهم والاستنباط، محذرين من أن أي خلل لغوي قد يفضي إلى اضطراب المعنى، ومن ثم إلى إساءة تنزيل الحكم الشرعي على الواقع. وشددوا على أن المحافظة على العربية ليست مسألة تراثية فحسب، بل ضرورة علمية ومنهجية لحماية النصوص الشرعية من التحريف وسوء التأويل.

وأوضح الأستاذ الدكتور حسن الشافعي أن علماء الأمة جمعوا عبر العصور بين الفقه واللغة، معتبرًا تمكُّن المفتي من علوم العربية من أهم أدوات الاجتهاد الرشيد؛ لما لها من أثر مباشر في فهم النصوص القرآنية والحديثية وضبط دلالاتها. وأكد أن اللغة العربية لم تُبنَ على أساس عِرقي أو نسَبي، مستشهدًا بما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن العربية ليست لأحد من أب أو أم وإنما باللسان، فمن تكلم العربية فهو عربي»، مبينًا أن هذا الفهم نقل العربية من دائرة العنصرية إلى أفق الثقافة والانتماء الحضاري.

وأشار الشافعي إلى الإقبال العالمي على تعلم العربية في الأزهر الشريف، موضحًا أن جامعة الأزهر بمدينة البعوث الإسلامية تضم أكثر من 130 ألف طالب من نحو 120 جنسية، ما يعكس عالمية اللغة العربية وارتباطها بالعلوم الشرعية.

وتناول عضو هيئة كبار العلماء العلاقة الوثيقة بين اللغة العربية والأحكام الشرعية، مؤكدًا أن الأحكام في جوهرها أحكام لغوية، وأن الخطأ اللغوي إذا أدى إلى غموض النص أو تحريف المعنى كان معصية؛ لأن الله أنزل القرآن ليُفهم ويُعمل به. وبيّن أن علاقة المسلم العادي بالعربية تختلف عن علاقة المفتي بها، فإتقان اللغة شرط ضروري للمفتي لفهم السؤال، وتصوّر الإشكال تصورًا صحيحًا، مستدلًّا بقوله تعالى:
{وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ…} [النساء: 83]، موضحًا أن الاستنباط مرتبة علمية لها شروطها الدقيقة.

وأشار إلى أن العلماء اشترطوا الاجتهاد في المفتي حتى القرن السادس الهجري، ثم توسعوا فاكتفوا بإتقان الفقه، ومعرفة المقاصد، والتمكن من أدوات الاستنباط، وفي مقدمتها اللغة العربية، محذرًا من الدعوات القديمة المتجددة التي تنادي بالتخلي عن العربية لصالح العامية، معتبرًا إياها دعوات لا تخدم مصلحة الأمة.

وأثنى الشافعي على منهج فضيلة المفتي الدكتور نظير عياد في ربط الفتوى بأصول الفقه ومقاصد الشريعة، مشيرًا إلى أن إنكار المجاز في اللغة والقرآن أدى في بعض المراحل إلى الغلو والتكفير، غير أن هذا الفكر آخذ في التلاشي.

من جهته، تناول الأستاذ الدكتور عبد الفتاح حبيب مفهوم التراث باعتباره أصل الهوية ومصدر الشرف الحضاري، مؤكدًا أن التراث هو الجسر الذي يصل الماضي بالحاضر، وأن الأزهر الشريف يمثل نموذجًا حيًّا لهذا الامتداد العلمي المتصل عبر العصور. واستشهد بمقولة الإمام الزجاجي حول أهمية علم النحو في فهم كلام الله ورسوله، معتبرًا إياها قاعدة لا تزال صالحة إلى اليوم.

وسلّط أستاذ اللغويات الضوء على الصلة العميقة بين النحو والفقه، مستعرضًا نماذج من سِيَر علماء العربية، مثل أبي عمر الجرمي، الذي قيل إنه أفتى الناس ثلاثين عامًا من كتاب سيبويه، في دلالة على أن القياس النحوي هو ذاته القياس المعتمد في الفقه بأركانه المختلفة.

وضرب مثالًا تطبيقيًا يوضح أثر الدلالة اللغوية في الفتوى، متناولًا حرف الجر «إلى» واختلاف العلماء في دلالته، وما يترتب على ذلك من اختلاف الأحكام في مسائل الطلاق، مؤكدًا أن مثل هذه الفروق الدقيقة تُظهر خطورة الجهل باللغة في الإفتاء.

المصدر

المصدر: بوابة الوفد

كلمات دلالية: الإفتاء الفتوى اللغة العربية م جناح دار الإفتاء معرض القاهرة معرض القاهرة الدولي للكتاب ندوة الأستاذ الدکتور اللغة العربیة

إقرأ أيضاً:

«مبادلة للرعاية الصحية» تعزز العلاج الاستباقي لصحة الدماغ

دبي (وام)

تدعم عيادة الذاكرة في «مبادلة للرعاية الصحية» بدبي التابعة لـ«M42» رؤية دولة الإمارات نحو بناء مجتمع أكثر صحة قائم على الوقاية من خلال التركيز على الكشف المبكر، والتوعية الصحية، والعلاج الاستباقي لصحة الدماغ، وتشجيع الأفراد على طلب المساعدة في وقت مبكر، وتعزيز الوعي المجتمعي بالصحة الإدراكية.
وأكد الدكتور محمد غتالي استشاري طب الأعصاب رئيس مركز علوم الأعصاب في «مبادلة للرعاية الصحية» بدبي، أن العيادة تسهم في تحويل الرعاية الصحية من نموذج قائم على العلاج إلى نموذج قائم على الوقاية والتدخل المبكر، ورصد التغيرات الإدراكية في مراحلها الأولى عند المرضى عبر تقييمات عصبية شاملة، واختبارات القدرة الإدراكية، واجراء تصوير طبي متقدم، ومؤشرات حيوية مرتبطة بمرض ألزهايمر، إلى جانب نشر الوعي المجتمعي والتثقيف بالمرض وتقليل الوصمة المرتبطة باضطرابات الذاكرة، وتعزيز الحوار المفتوح حول الشيخوخة الصحية وصحة الدماغ.

خطط العلاج

أخبار ذات صلة الإمارات: نهج ثابت في محاربة التطرف والإرهاب الإمارات: السلام الحقيقي لا يتحقق في ظل انتهاك سيادة الدول

أضاف غتالي أن خطط العلاج المصممة خصيصاً حسب حالة كل مريض، تشمل، علاجات دوائية للتحكم بالأعراض، ودعماً للقدرة الإدراكية، وتمارين للذاكرة، وإرشادات نمط الحياة التي تتضمن النوم والنشاط البدني والتغذية، وصحة الدماغ، والاستشارة الأسرية، ودعم مقدمي الرعاية، بالإضافة إلى نهج وتخطيط علاجي طويل الأمد. ولفت إلى أن السنوات الأخيرة شهدت تطورات مهمة في علاج مرض ألزهايمر. وقال: «غالباً ما يقلل من أهمية مشكلات الذاكرة باعتبارها جزءاً طبيعياً من التقدم في العمر، لكن في كثير من الحالات قد تكون مؤشراً مبكراً على تغيرات كامنة في الدماغ، حيث إن اكتشاف هذه التغيرات في مرحلة مبكرة أمر بالغ الأهمية، لأنه يمنح المرضى وعائلاتهم فرصة التدخل في وقت مبكر، فيكون للعلاج والتغييرات في نمط الحياة الأثر الإيجابي الأكبر».

مقالات مشابهة

  • «مبادلة للرعاية الصحية» تعزز العلاج الاستباقي لصحة الدماغ
  • حقيقة تقاضي موظف بـ الإفتاء لراتب 189 ألف جنيه.. رد حاسم من الدكتور أيمن أبوعمر
  • البرهان يصل تركيا في زيارة غير معلنة وأردوغان يتحدث اللغة العربية في إستقباله بالمجمع الرئاسي “فيديو”
  • سلامة من طرابلس: حماية التراث مسؤولية لا تتوقف رغم الأزمات
  • الصين تعلن نجاح أول عملية زرع كبد وكليتي خنزير معا في جسم إنسان
  • رئيس جامعة العريش يتفقد الاختبارات الإلكترونية بالكليات: التكنولوجيا تصنع مستقبل التعليم الجامعي
  • المفتي العام يحذر من تداول نسخة من القرآن الكريم
  • التوابل ليست مجرد نكهات وفوائدها لصحة الجسم كبيرة
  • أحمد سلامة: مصطفى محمد يستحق التواجد في منتخب مصر وأن يحظى بدعم حسام حسن
  • الرئيس الشرعي في ذمة الله