المفتي: المحافظة على اللغة العربية محور أصيل في أي نقاش علمي جاد يتعلق بالعلوم الشرعية
تاريخ النشر: 31st, January 2026 GMT
نظَّم جناح دار الإفتاء المصرية ندوةً بعنوان: "الفتوى والمحافظة على اللغة العربية"، تناولت الدور المحوري للغة العربية في ضبط الخطاب الإفتائي وصيانة المعنى الشرعي وتعزيز التواصل الواعي بين المفتي والمجتمع.
وقد استضافت الندوة كلًّا من الأستاذ الدكتور حسن الشافعي، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، والأستاذ الدكتور عبد الفتاح حبيب، أستاذ اللغويات بجامعة الأزهر، فيما قدَّم الندوة وأدار مَحاورها فضيلة الشيخ حازم داود، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية.
حضر الندوة فضيلة الأستاذ الدكتور نظير محمد عياد، مفتي الجمهورية رئيس الأمانة العامة لدُور وهيئات الإفتاء في العالم، ونخبة من العلماء والمثقفين والباحثين وطلاب العلوم الشرعية واللغوية. وقد أكد المتحدثون أن اللغة العربية تمثِّل الوعاء الأصيل للفتوى، وأن سلامة اللفظ ودقة التركيب شرطٌ لازمٌ لصحة الفهم والاستنباط، وأن أي خلل لُغوي قد يفضي إلى اضطراب المعنى، ومن ثَم إلى إساءة تنزيل الحكم الشرعي على الواقع. كما شددوا على أن المحافظة على العربية ليست مسألة تراثية فحسب، بل ضرورة علمية ومنهجية لحماية النصوص الشرعية من التحريف وسوء التأويل.
من جانبه، أوضح الأستاذ الدكتور حسن الشافعي أن علماء الأمة جمعوا عبر العصور بين الفقه واللغة، معتبرًا تمكُّن المفتي من علوم العربية من أهم أدوات الاجتهاد الرشيد، لما لها من أثر مباشر في فهم النصوص القرآنية والحديثية وضبط دلالاتها، مؤكدًا أن اللغة العربية لم تُبنَ على أساس عِرقي أو نسَبي، مستشهدًا بما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إن العربية ليست لأحد من أب أو أم وإنما باللسان، فمن تكلم العربية فهو عربي"، موضحًا أن هذا الفهم نقل العربية من دائرة العنصرية إلى أُفق الثقافة والانتماء الحضاري، وهو ما يفسر إقبال محبِّي اللغة العربية من غير العرب على إرسال أبنائهم إلى الأزهر الشريف لتعلمها، حيث تحتضن جامعة الأزهر بمدينة البعوث الإسلامية أكثر من مائة وثلاثين ألف طالب من نحو مائة وعشرين جنسية من مختلف أنحاء العالم، شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا.
وتناول عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف العلاقة بين اللغة العربية والأحكام الشرعية، مستحضرًا سؤالًا منسوبًا إلى ابن تيمية حول ما إذا كان الخطأ اللغوي من رفع المفعول أو نصب الفاعل يُعد إثمًا، مبينًا أن الأحكام الشرعية في جوهرها أحكام لغوية، وأن الخطأ اللغوي إن أدى إلى غموض النص أو تحريف المعنى كان معصية، لأن الله أنزل القرآن ليُفهم ويُعمل به ويُقتدى به، موضحًا فضيلته أن علاقة المسلم العادي باللغة العربية تختلف عن علاقة المفتي بها، فالمفتي إن كان عربيًّا فإن أدواته الأصلية القرآن والسنة، وهما بلسان عربي مبين، وإن كان غير عربي فإنه لا غنى له عن العربية للرجوع إلى النصوص الشرعية وفهمها، مؤكدًا أن إتقان اللغة العربية شرط ضروري للمفتي حتى يحسن فهم السؤال ويتصور الإشكال تصورًا صحيحًا. وأشار إلى أن إتقان اللغة العربية يمثل المدخل الأساسي لدراسة العلوم الشرعية وطرائق استنباط الأحكام، مستدلًّا بقوله تعالى: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83]، موضحًا أن المقصود بأُولي الأمر هنا المجتهدون، وليس كل العلماء أو المفتين، إذ إن مرتبة الاجتهاد لها شروطها العلمية الدقيقة.
وقد قرَّر العلماء إلى القرن السادس الهجري اشتراط الاجتهاد في المفتي، ثم توسعوا بعد ذلك فاكتفوا بإتقان الفقه، ومعرفة مقاصد الشريعة، والتمكن من أدوات الاستنباط، وفي مقدمتها اللغة العربية. وأكد أن المفتي أو العالِم أو المسؤول لا بد أن يفهم السؤال بحسب لغة السائل وسياقه، لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، فإذا لم يتبين مراد السائل وجب الاستفصال، وبقدر الإمكان باستخدام الوسائل الحديثة، واللغة السهلة الواضحة، مشددًا على أهمية هذا الأمر في الوقت الراهن في ظل دعوات قديمة متجددة ظهرت زمن الاحتلال وتعود للظهور اليوم، تنادي بالتخلي عن اللغة العربية واستبدالها بالعامية، وهي دعوات لا تريد للأمة خيرًا ويجب التنبه لها.
وأثنى عضو هيئة كبار العلماء على فضيلة المفتي الأستاذ الدكتور نظير عياد؛ لربطه الفتوى بأصول الفقه ومقاصد الشريعة، سواء من الكتاب والسنة أو الاستصحاب أو المصلحة أو القياس أو الإجماع، مشيرًا إلى أنَّ المجاز في اللغة والقرآن من مظاهر سَعة العربية وثرائها، وأن إنكار المجاز كان نتيجة قصور في فهم الكتاب والسُّنة، وقد أدى ببعض المنكرين إلى الغلو والتكفير، غير أن هذا الفكر آخذ في التلاشي.
كما ذكر أن العلاقة بين اللغة والفتوى تناولها العلماء من خلال مراحل الإفتاء، التي تبدأ بمرحلة التصوير، أي حسن إدراك مراد السائل، ولا يصح الحكم على الوقائع قبل تصورها تصورًا دقيقًا، وبعد الاستفصال والتثبت ينتقل المفتي إلى المراحل التالية، حيث يُلمُّ بالمؤثرات العقلية والاجتماعية، ويرجع إلى مقاصد الشريعة، ثم يحدد المناط، كما في الخمر التي حُرمت لعلة التأثير على العقل، سواء كانت نباتية أو كيميائية، ثم يحرر المناط ويحقق وجوده في الواقعة المعروضة، وهي مرحلة التكييف، ثم ينتقل إلى المرحلة الأخيرة وهي تنزيل الحكم على حال السائل بعينه، مختتمًا بالتأكيد على أن إحياء اللغة العربية أمر أصيل، وأن العربية محببة ومؤصلة في وجدان الأمة.
من جهته، تناول الأستاذ الدكتور عبد الفتاح حبيب، أستاذ اللغويات بجامعة الأزهر، التراثَ كونه يمثِّل أصل الهُوية ومصدر الشرف الحضاري، مشيرًا إلى أنه لولا التراث ما استقام الحاضر ولا تواصلت حلقات المعرفة، موضحًا أنه هو الجسر الذي يصل الماضي بالحاضر ويمنح الأمة قدرتها على الاستمرار والتجدد، وأن تاريخ الأزهر الشريف شاهد حيٌّ على هذا الامتداد العلمي المتصل؛ حيث حمل علماؤه هذا التراث وواصلوا به مسيرة العلم عبر العصور.
وذكر مقولة الإمام الزجاجي حين سُئل عن فائدة علم النحو مع أن أكثر الناس يتكلمون على سجيتهم ويفهم بعضهم بعضًا، فكان الجواب أن بالنحو يفهم كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، وهما أصل الدين والدنيا معًا، مؤكدًا أن هذه القاعدة لا تزال صالحة.
وتناول أستاذ اللغويات بجامعة الأزهر سيرة أبي عمر الجرمي، أحد أعلام القرن الثالث الهجري وتلميذ الأخفش، والأخفش هو تلميذ سيبويه، مبينًا أنه كان يقول إنه أفتى الناس في الفقه ثلاثين عامًا من كتاب سيبويه، في دلالة واضحة على عمق الصلة بين النحو والفقه، كما نقل عن المبرد قوله إن الجرمي كان محبًّا للحديث، وأن الطريق إلى فَهْم الحديث هو كتاب سيبويه لما يتضمنه من تدريب على النظر والتفتيش والقياس، مبينًا أن القياس الذي يمتلئ به النحو هو ذاته القياس المعتمد في الفقه بأركانه من مقيس ومقيس عليه وعلة وحكم، وأن العلة تمثل جوهر القياس، وأن من يقرأ كتاب سيبويه يكتسب عقلًا رشيدًا وفهمًا سديدًا لما يحمله من منهجية عقلية دقيقة، وأن ما هو موجود في النحو من سماع وقياس وإجماع واستصحاب حال هو نفسه ما تقوم عليه مناهج الاستدلال الفقهي، مشيرًا إلى مقولة شائعة بين العلماء مفادها أن "النحو قياس يتبع وبه ينتفع في كل علم"؛ مما يعكس مكانته المركزية في العلوم الإسلامية.
وحول العلاقة الوثيقة بين اللغة العربية والفتوى، ضرب مثالًا بحرف الجر (إلى) الذي يدل على الغاية المكانية أو الزمانية، حيث نقول: سرت إلى القاهرة وسرت إلى طلوع الشمس، وهنا يظهر التساؤل: هل الذي بعد (إلى) داخل في الذي قبلها، مشيرًا إلى أن العلماء اختلفوا في ذلك، ولكن الرأي الصحيح المحقق أنها لا تدخل، وبعضهم قال تدخل، وعليه فإذا قال قائل لزوجته: (أنت طالق إذا سرت إلى العُرس)، فإن هي سارت لكنها لم تدخل للعرس؛ فبناء على الرأي المحقق أن الذي بعد إلى لا يدخل فهي لا تطلق، لأنها لم تصل إلى العرس، في حين لو قال لها (أنت طالق إذا سرت للعرس) فإنها تطلق. كما أنه من المعروف أن واو العطف تشرك ما بعدها فيما قبلها في الحكم، فلو قال قائل لزوجته: أنت طالق اليوم وعلى رأس الشهر، فإنها تطلق طلقتين: الأولى اليوم والثانية على رأس الشهر.
من جانبه، أدار الشيخ حازم داود الندوة بأسلوب علمي تفاعلي، أتاح مساحة واسعة للحوار مع الحضور، وناقش سُبل التكامل بين المؤسسات الدينية والتعليمية والثقافية في دعم اللغة العربية بوصفها ركيزة أساسية للفتوى الرشيدة والخطاب الديني الوسطي.
وفي مداخلته أكد فضيلة الأستاذ الدكتور نظير محمد عياد، مفتي الجمهورية، أن المحافظة على اللغة العربية محور أصيل في أي نقاش علمي جاد يتعلق بالعلوم الشرعية، موضحًا أن إتقان اللغة العربية وفنونها وآدابها شرطٌ لازم فيمن يتصدر للحديث باسمها أو يوظفها في خدمة الخطاب الديني، لما بين اللغة العربية والعلوم الشرعية من ارتباط لا ينفصم. كم بيَّن فضيلته أن العربية لغة عالمية لا تقتصر وظيفتها على كونها وسيلة للتواصل فحسب؛ بل هي وعاء الدين بقواعده وأصوله وأداة التعريف به والكشف عن مقاصده، مؤكدًا أنه لا يمكن التخلي عنها أو الاستغناء عنها باعتبارها الحامل الأساس للعلوم الشرعية والسبيل إلى فهمها فهمًا صحيحًا.
وشدَّد فضيلة مفتي الجمهورية على أن صيانة اللغة العربية وإبراز دورها العلمي والمعرفي يسهم في قطع الطريق على محاولات التشكيك واللمز التي تستهدفها، حيث إن مثل هذه الندوات واللقاءات العلمية تسهم في تفنيد الافتراءات وإظهار مكانة اللغة العربية بوصفها لغة الكشف عن مراد هذا الدين وإبراز محاسنه وجماله في صورة علمية رصينة.
هذا، وتأتي هذه الندوة ضمن استراتيجية دار الإفتاء المصرية الرامية إلى تعزيز الوعي اللغوي لدى المتصدرين للفتوى، وترسيخ مكانة اللغة العربية باعتبارها جسرًا لفهم صحيح للدين، وأداة فاعلة في بناء وعي مجتمعي مستنير.
المصدر
المصدر: صدى البلد
كلمات دلالية: اللغة العربية الفتوى دار الإفتاء معرض الكتاب مفتي الجمهورية جناح دار الإفتاء الأستاذ الدکتور مفتی الجمهوریة اللغة العربیة الأزهر الشریف دار الإفتاء مشیر ا إلى بین اللغة العربیة ل ر العلماء موضح ا أن مؤکد ا أن إلى أن
إقرأ أيضاً:
فك أسرار عمالقة الفضاء.. رصد تاريخي للميثان على كوكب معتدل يبعد 335 سنة ضوئية
حقق تلسكوب "جيمس ويب" الفضائي إنجازا علميا جديدا، بعدما تمكن للمرة الأولى من رصد غاز الميثان بشكل مباشر في الغلاف الجوي لكوكب غازي عملاق يتمتع بدرجات حرارة معتدلة نسبيا خارج المجموعة الشمسية، في اكتشاف يفتح آفاقًا واسعة لفهم نشأة الكواكب وتطور أغلفتها الجوية.
ووفقًا لدراسة حديثة نُشرت في مجلة The Astronomical Journal، نجح فريق دولي من العلماء في الكشف عن وجود الميثان في الغلاف الجوي للكوكب المعروف باسم "TOI-199b"، والذي يقع على مسافة تقارب 335 سنة ضوئية من الأرض.
ويُصنف هذا العالم البعيد ضمن فئة العمالقة الغازية، إذ تبلغ كتلته نحو 17% من كتلة كوكب المشتري، بينما يصل نصف قطره إلى نحو 81% من نصف قطر أكبر كواكب المجموعة الشمسية.
ويكمل الكوكب دورة كاملة حول نجمه الشبيه بالشمس كل 105 أيام تقريبًا.
كوكب عملاق بحرارة معتدلةما يميز "TOI-199b" عن العديد من الكواكب الغازية المكتشفة سابقًا هو موقعه المداري؛ فهو لا يدور بالقرب الشديد من نجمه كما هو الحال في الكثير من العمالقة الغازية المعروفة، الأمر الذي يمنحه مناخًا أكثر اعتدالًا.
وتُقدر درجة حرارة غلافه الجوي بنحو 79 درجة مئوية، وهي حرارة منخفضة نسبيًا مقارنة بالحرارة الشديدة التي تسجلها كواكب غازية أخرى تدور بالقرب من نجومها.
كيف كشف "جيمس ويب" عن الميثان؟اعتمد العلماء على تقنية "التحليل الطيفي العابر"، حيث راقب تلسكوب "جيمس ويب" مرور الكوكب أمام نجمه.
وخلال هذه العملية يتم تحليل الضوء النجمي الذي يخترق الغلاف الجوي للكوكب، ما يسمح بتحديد العناصر والمركبات الكيميائية الموجودة فيه.
وأظهرت النتائج وجود بصمة واضحة لغاز الميثان، وهو اكتشاف يتوافق مع النماذج النظرية التي توقعت وجود هذا الغاز في الأغلفة الجوية للكواكب الغازية ذات الحرارة المعتدلة.
تأكيد لنظريات تشكل الكواكبيمثل "TOI-199b" أول كوكب غازي عملاق معتدل الحرارة يتم فيه تأكيد وجود الميثان بشكل مباشر، وهو ما يمنح العلماء دليلًا مهمًا يدعم النماذج الحالية الخاصة بتكوين الكواكب وتطور أغلفتها الجوية.
كما كشفت البيانات الأولية عن مؤشرات لاحتمال وجود مركبات أخرى، من بينها ثاني أكسيد الكربون والأمونيا، إلا أن العلماء يؤكدون الحاجة إلى المزيد من عمليات الرصد للتحقق من تركيز هذه الغازات بدقة.
وأشار الباحثون إلى أن دراسة التركيب الكيميائي لهذا الكوكب ستساعد في تحسين فهم العمليات الفيزيائية والكيميائية التي شكلت الكواكب عبر تاريخ الكون، وربما تسهم أيضًا في إلقاء الضوء على المراحل المبكرة التي مرت بها الأرض قبل مليارات السنين.
نافذة جديدة لاستكشاف العوالم البعيدةيرى العلماء أن هذا الإنجاز يعزز من أهمية تلسكوب "جيمس ويب" باعتباره الأداة الأكثر تطورًا لدراسة الكواكب الخارجية، كما يمنح المجتمع العلمي ثقة أكبر في توجيه المزيد من وقت الرصد نحو عوالم مشابهة.
ويُعد الميثان أحد أهم الجزيئات المستخدمة في دراسة الأغلفة الجوية للكواكب، لأنه يكشف الكثير عن طبيعة التفاعلات الكيميائية والظروف الفيزيائية السائدة فيها.
ورغم أن العلماء سبق لهم رصد الميثان في كواكب خارجية أخرى، فإن "TOI-199b" يُمثل أول مثال مؤكد لكوكب غازي عملاق معتدل الحرارة يحتوي على هذا الغاز، ما يفتح الباب أمام سلسلة من الاكتشافات المستقبلية التي قد تعيد تشكيل فهمنا لتنوع الكواكب المنتشرة في مجرة درب التبانة.