الجزيرة:
2026-07-23@22:48:23 GMT

سيناريوهات قاتمة: ما الذي يجري بين فرنسا وألمانيا؟

تاريخ النشر: 1st, February 2026 GMT

سيناريوهات قاتمة: ما الذي يجري بين فرنسا وألمانيا؟

لم يكن الفشل المعلن لقمة الاتحاد الأوروبي الأخيرة في ديسمبر/كانون الأول 2025 مجرد تعثر دبلوماسي عابر، ولم يكن الخلاف حول استخدام الأصول الروسية المجمدة محض تباين في وجهات النظر القانونية.

ما شهدته أروقة بروكسل هذه المرة كان بمثابة سقوط أول لمعادلة حكمت القارة القديمة لعقود: التوافق الفرنسي-الألماني شرط مسبق لأي فعل أوروبي.

وللمرة الأولى منذ توحيد ألمانيا، نجد أنفسنا أمام مشهد جيوسياسي مقلوب رأسا على عقب؛ برلين تتخلى عن حذرها التاريخي وتقود الهجوم، بينما باريس، التي طالما كانت عاصمة "الأفكار الكبرى"، تمارس سياسة الكبح والعرقلة، مدفوعة بضعف داخلي غير مسبوق. إن العلاقات بين القوتين العظميين في القارة تكاد تتجاوز لحظة فتور مرحلي لتعيش حالة من "الطلاق الصامت" الذي يهدد بشل قدرة الاتحاد الأوروبي في منعطف تاريخي حرج.

الضعف الداخلي جرد ماكرون من قدرته على اتخاذ قرارات كبرى ذات تبعات مالية، إذ لم يعد يملك "دفتر شيكات" سياسيا ليصرفه في بروكسل

الخيانة في بروكسل: كواليس "الانقلاب" الفرنسي

ملف الأصول الروسية المجمدة الذي كان موضوع القمة الأساس كشف عن عمق الأزمة بين برلين وباريس. جاء المستشار الألماني الجديد، فريدريش ميرتس، إلى بروكسل حاملا مشروعا طموحا لاستخدام 210 مليارات يورو من الأصول السيادية الروسية المجمدة لدى البنوك والمؤسسات المالية الأوروبية في تعويم نظام كييف بشكل مباشر، في خطوة تمثل تحولا جذريا عن العقيدة الألمانية التي طالما اتسمت بالتردد القانوني.

ميرتس، المدعوم بانتصار انتخابي قوي وتفويض لإنهاء حقبة "التردد الشولتسي" (نسبة لسلفه أولاف شولتس)، كان يعتقد أنه يمتلك شريكا يعتمد عليه في الإليزيه.

في الأسابيع التي سبقت القمة، لم تبد باريس اعتراضا علنيا. لكن في الكواليس، كان فريق إيمانويل ماكرون يزرع الألغام. الحجة الفرنسية كانت قانونية في ظاهرها، لكنها مالية في جوهرها. إذ حذر مستشارو الرئيس من أن استخدام الأصول قد يتطلب من الدول الأوروبية تقديم "ضمانات سيادية" لتغطية المبلغ في حال أُجبرت أوروبا قانونيا على إعادة الأموال لموسكو مستقبلا.

إعلان

وتلك تحديدا كانت العقدة التي انفجرت ببروكسل: فرنسا، بديونها التي تضخمت لتتجاوز الحدود الآمنة، وعجزها المالي المزمن، لم تكن في موقع تحمل عبء إصدار ضمان وطني بمليارات اليورو.

النتيجة جاءت صاعقة للمستشار الألماني. ففي اللحظة الحاسمة، انضم ماكرون إلى المعسكر الرافض، مصطفا ببراغماتية فجة مع دول مثل بلجيكا وإيطاليا. وصف دبلوماسي أوروبي رفيع المستوى المشهد بدقة قائلا: "لقد خان ماكرون ميرتس، وهو يعلم أن هناك ثمنا سياسيا سيدفعه، لكنه ضعيف جدا لدرجة أنه لم يكن لديه خيار سوى الاختباء خلف جورجيا ميلوني".

وهكذا انتهى الطموح الألماني بتسوية باهتة: قرض بقيمة 90 مليار يورو، وهو حل "ترقيعي" لا يحل المعضلة الإستراتيجية، ولكنه يحفظ ماء الوجه مؤقتا، على أن الموقف رسخ قناعة في برلين بأن باريس لم تعد شريكا موثوقا، بل عبئا يجب إدارته.

بين "الجنرال" ميرتس و"البطة العرجاء" ماكرون

برغم الدوافع المالية المفهومة للخلاف، فإنه لا يمكن فصل هذه الصفحة المتوترة من العلاقات الثنائية عن الديناميات الشخصية والسياسية للزعيمين. ميرتس، الذي وصل إلى المستشارية في مايو/أيار 2025، يمثل تيارا ألمانيا جديدا أكثر حزما وأقل رومانسية تجاه فرنسا، ولا يحمل "عقدة الذنب" التاريخية التي كبلت أسلافه، وهو يرى في أوروبا سوقا يجب حمايتها، وقوة يجب تسليحها. خطته لإطلاق إنفاق دفاعي وبنية تحتية بقيمة تريليون يورو للعقد القادم تعكس ألمانيا جديدة واثقة، مستعدة لتحمل تكاليف القيادة.

على النقيض تماما، يقف ماكرون في النصف الثاني من ولايته الأخيرة، محاصرا بلقب "البطة العرجاء". الرئيس الفرنسي مكبل بجمعية وطنية (برلمان) معادية، واضطرابات اجتماعية، وصعود مخيف لليمين المتطرف الذي ينتظر على أحر من الجمر انقضاء ولايته في 2027.

هذا الضعف الداخلي جرد ماكرون من قدرته على اتخاذ قرارات كبرى ذات تبعات مالية، إذ لم يعد يملك "دفتر شيكات" سياسيا ليصرفه في بروكسل. لقد حدث تبادل أدوار كامل: فلسنوات كان الإليزيه يشكو من ضعف برلين وترددها، لكن الآن لدينا مستشار في برلين يفهم الجيوبوليتيكا، ويريد الفعل، لكن باريس عاجزة عن الوفاء بجانبها من المهمة.

الاقتصاد كساحة حرب: معضلة "ميركوسور" والديون

تجلت الهوة السحيقة بين البلدين في الملف الاقتصادي، وتحديدا في اتفاق التجارة مع دول أمريكا الجنوبية (ميركوسور). بالنسبة لألمانيا، الدولة التي يعتمد اقتصادها على التصدير الصناعي، يعتبر هذا الاتفاق شريان حياة لفتح أسواق جديدة تعوض البرود مع الصين والحمائية الأمريكية مع سياسات دونالد ترمب الانعزالية. ميرتس ضغط بكل قوته لإتمام الاتفاق الذي استغرق ربع قرن من المفاوضات.

لكن ماكرون كان ينظر للأمر من زاوية مختلفة تماما: زاوية البقاء السياسي. المزارعون الفرنسيون، الذين يمثلون قوة ضغط هائلة، يرون في الاتفاق تهديدا وجوديا. ولأن ماكرون لا يملك رفاهية إغضاب الشارع الفرنسي أكثر، فقد لجأ إلى "التخريب الدبلوماسي". والمفارقة التاريخية هنا هي تحالف ماكرون (الليبرالي المؤيد لأوروبا) مع جورجيا ميلوني (اليمينية المتشككة) لعرقلة الاتفاق وتأجيله قدر الإمكان.

الفارق الجوهري متأتٍ من أن ألمانيا تنظر للاقتصاد من منظور "النمو والأسواق"، بينما تنظر فرنسا إليه حاليا من منظور "الحماية والديون". هذا التباين يجعل التوفيق بين النموذجين شبه مستحيل في المدى المنظور. ألمانيا تخشى أن تتحول أوروبا إلى "فرنسا كبيرة" مثقلة بالديون والروتين، وفرنسا تخشى أن تفرض ألمانيا انضباطا ماليا يؤدي لانفجار اجتماعي في باريس.

ميرتس، المحافظ التقليدي، وافق مؤخرا على إجراءات دفاع تجارية ضد واردات الصلب الصيني، وأرسل قوة رمزية مع سبع دول أوروبية أخرى بينها فرنسا لدعم الدانمارك في غرينلاند، وهو ما يعد خروجا عن السياسات الليبرالية الألمانية الكلاسيكية

الدفاع: عندما تتلاشى الثقة في "طائرات الورق"

لعل أخطر مؤشرات الأزمة هو ما يحدث في قطاع الدفاع، أي القطاع الذي يتطلب أقصى درجات الثقة الإستراتيجية المتبادلة. المشروع المشترك لنظام القتال الجوي المستقبلي (FCAS)، الذي تبلغ قيمته التقديرية 100 مليار يورو، يترنح. الخلاف ظاهريا تقني وصناعي بين شركتي "داسو" الفرنسية و"إيرباص" (بقيادتها الألمانية) حول حقوق الملكية الفكرية وتقاسم العمل. لكن في العمق، فإن الخلاف إستراتيجي بحت.

إعلان

برلين، التي خصصت صندوقا خاصا بقيمة 100 مليار يورو لتحديث جيشها (البوندسفير) فور اندلاع حرب أوكرانيا، بدأت تشعر بأن باريس تتعامل مع المشاريع المشتركة كآلية لإنقاذ صناعتها الوطنية بأموال دافعي الضرائب الألمان، دون تقديم تكنولوجيا حقيقية أو شراكة متكافئة. نفاد صبر ميرتس دفعه للتلويح ببدائل أخرى، بما في ذلك شراء منظومات جاهزة (أمريكية أو بريطانية) أو الدخول في شراكات مع دول أخرى.

إذا انسحبت ألمانيا فعليا من مشروع (FCAS)، فإن ذلك سيعني نهاية حلم "الاستقلال الإستراتيجي الأوروبي" في مجال الصناعات الدفاعية.

فرنسا وحدها لا تملك القدرة المالية لتطوير طائرة جيل سادس، وألمانيا لن تنتظر المزاج الفرنسي المتقلب في ظل التخلي الأمريكي بينما الأخطار الروسية على الأبواب. هذا التباعد يأتي في وقت حرج، حيث يتفق الطرفان نظريا على ضرورة بناء "ركن أوروبي" داخل الناتو، لكنهما يختلفان جذريا حول كيفية بنائه ومن يقوده.

المفارقة الكبرى: أوروبا "فرنسية" بنكهة ألمانية

من سخرية القدر أن الاتحاد الأوروبي في عام 2026 يبدو، من الناحية النظرية، أكثر "فرنسية" من أي وقت مضى. الأفكار التي نادى بها ماكرون لسنوات، مثل "السيادة الأوروبية"، و"الحمائية التجارية"، و"شراء المنتج الأوروبي"، و"إصدار ديون مشتركة" و"الجيش الأوروبي" أصبحت جزءا من القاموس السياسي في بروكسل وبرلين.

حتى ميرتس، المحافظ التقليدي، وافق مؤخرا على إجراءات دفاع تجارية ضد واردات الصلب الصيني، وأرسل قوة رمزية مع سبع دول أوروبية أخرى بينها فرنسا لدعم الدانمارك في غرينلاند، وهو ما يعد خروجا عن السياسات الليبرالية الألمانية الكلاسيكية.

لكن المشكلة تكمن في أن انتصار "الأفكار الفرنسية" تزامن مع لحظة انهيار قدرة باريس على الفعل. الأفكار فرنسية، لكن التنفيذ والتمويل والقيادة أصبحت ألمانية حصرا. وهذا يخلق حساسية مفرطة في باريس، وشعورا بالاستياء في برلين.

الألمان يشعرون أنهم يُدفعون لتبني سياسات حمائية لا تخدم مصالحهم التصديرية فقط لإرضاء فرنسا، بينما الفرنسيون يشعرون بأن ألمانيا "تسرق" أجندتهم السياسية وتنفذها بطريقتها الخاصة التي تهمش باريس.

وثمة شعور متزايد في بروكسل بأن فرنسا تعطي الأولوية للمصالح الوطنية الضيقة على مصالح الاتحاد. العبارة القديمة القائلة إن فرنسا هي "كلمات، كلمات، كلمات، ولا فعل" عادت لتتردد في أروقة المفوضية الأوروبية، ولكن هذه المرة بمرارة أكبر لأن البديل الألماني بات جاهزا ومستعدا للتحرك منفردا أو مع تحالفات جديدة.

السيناريوهات القاتمة: هل يملأ الفراغ "تحالف الراغبين"؟

الأفق في المديين القريب والمتوسط لا يبشر بالخير للعلاقات الثنائية، والضغوط مرشحة للتصاعد لعدة أسباب بنيوية وظرفية:

غياب الكيمياء السياسية: لا يوجد أي قاسم مشترك بين ميرتس وماكرون سوى الضرورة.

الأول يمثل يمين الوسط العملي، والثاني يمثل ليبرالية نخبوية مأزومة.

الانتخابات الفرنسية 2027: كلما اقتربنا من نهاية ولاية ماكرون، أصبحت فرنسا أكثر انغلاقا على ذاتها، وأكثر تشددا في المواقف القومية لقطع الطريق على اليمين المتطرف، مما يعني المزيد من الصدامات مع برلين. العامل الأمريكي: عودة الانعزالية الأمريكية أو الضغوط التجارية من واشنطن ستجبر أوروبا على خيارات صعبة. ألمانيا ستحاول عقد صفقات لإنقاذ صناعتها، بينما ستحاول فرنسا بناء حصون حمائية، وهما مساران متضادان.

في ظل هذا الشلل، قد نشهد ظهور تكتلات جديدة داخل الاتحاد. ميرتس أظهر استعدادا للعمل مع "تحالف الراغبين" الذي يشمل بريطانيا (خارج الاتحاد) وبولندا ودول البلطيق، خاصة في ملفات الأمن والدفاع.

هذا التوجه يهمش فرنسا جيوسياسيا وينقل مركز الثقل الأوروبي بوضوح نحو الشرق والشمال، بعيدا عن الوسط الكارولنجي القديم- أي إمبراطورية الفرنجة التي ضمت فرنسا، وألمانيا، وإيطاليا.

التالي: إدارة التدهور، بدلا من الحل

لا يمكن بحال الزعم أن العلاقات الألمانية الفرنسية تمر بـ"سحابة صيف". نحن أمام تغير مناخي كامل في بيئة العلاقات الأوروبية. ألمانيا استعادت وعيها الجيوسياسي، وقررت أنها لا تستطيع انتظار فرنسا حتى تتعافى من أمراضها المالية والسياسية. وفرنسا، في المقابل، تقاتل بشراسة للحفاظ على مكانتها كقوة عظمى دبلوماسية رغم تآكل قواعد قوتها المادية.

إعلان

إن سيناريو "الطلاق" الكامل غير وارد نظرا للتشابك الاقتصادي والمؤسسي العميق، لكن السيناريو الأقرب للواقع هو صيغة من "التعايش البارد": علاقة وظيفية بحدها الأدنى، خالية من الدفء السياسي أو الرؤية المشتركة الكبرى.

ستستمر برلين في الدفع نحو الحلول العملية والاتفاقات التجارية والتسليح، فيما ستستمر باريس في محاولة وضع الخطوط الحمراء واستخدام حق النقض (الفيتو) الضمني.

الخطر الحقيقي ليس في الخلاف الثنائي بحد ذاته، بل في الرسالة التي يرسلها هذا الخلاف للعالم: أوروبا بلا رأس، وبلا محرك.

وفي عالم يتسم بصعود القوى المفترسة وعودة صراعات القوى العظمى، فإن هذا الفراغ القيادي في قلب القارة العجوز قد يكون الدعوة المفتوحة لأزمات لا يمكن احتواؤها.

إن ميرتس قد يكون ربح جولة "الواقعية السياسية"، لكن أوروبا قد تكون خسرت روحها التضامنية، وماكرون قد يكون ربح معركة "السيادة الوطنية"، لكنه خسر قيادة القارة. وبين هذا وذاك، يقف المشروع الأوروبي عند مفترق طرق خطير، حيث لم يعد السؤال "إلى أين نتجه؟" بل "هل يمكننا التحرك معا أصلا؟".

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

aj-logo

aj-logo

aj-logo إعلان من نحنمن نحناعرض المزيدمن نحنالأحكام والشروطسياسة الخصوصيةسياسة ملفات تعريف الارتباطتفضيلات ملفات تعريف الارتباطبيان إمكانية الوصولخريطة الموقعتواصل معناتواصل معنااعرض المزيدتواصل معنااحصل على المساعدةأعلن معناابق على اتصالالنشرات البريديةرابط بديلترددات البثبيانات صحفيةشبكتناشبكتنااعرض المزيدمركز الجزيرة للدراساتمعهد الجزيرة للإعلامتعلم العربيةمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسانقنواتناقنواتنااعرض المزيدالجزيرة الإخباريةالجزيرة الإنجليزيالجزيرة مباشرالجزيرة الوثائقيةالجزيرة البلقانعربي AJ+

تابع الجزيرة على:

facebooktwitteryoutubeinstagram-colored-outlinersswhatsapptelegramtiktok-colored-outlineجميع الحقوق محفوظة © 2026 شبكة الجزيرة الاعلامية

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات فی بروکسل

إقرأ أيضاً:

الجيش الأوكراني يحصل على قائد جديد.. من هو الجنرال الذي يراهن عليه زيلينسكي؟

منذ أكثر من 10 سنوات، عندما اندفعت عربة مدرعة أوكرانية لتحطم حاجزا نصبه "الانفصاليون" الموالون لـ روسيا في مدينة ماريوبول، تحول الضابط الشاب ميخايلو دراباتي إلى أحد رموز المقاومة الأوكرانية.

واليوم يعود الرجل نفسه إلى الواجهة، لكن في ظرف أكثر تعقيدا، بعدما اختاره الرئيس فولوديمير زيلينسكي قائدا أعلى للقوات المسلحة خلفا للجنرال أوليكسندر سيرسكي، في خطوة لا تعكس مجرد تغيير للأشخاص بقدر ما تمثل تحولا في فلسفة إدارة الحرب التي تخوضها أوكرانيا ضد روسيا.

اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2عزلة القوة.. "الفراغ الأمريكي" يفاقم أزمة الشرعية الإسرائيليةlist 2 of 2الحرب التجارية تتجدد.. كيف تستعد الصين لجولة جديدة مع واشنطن؟end of list

ويرى تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز ، وأعده الكاتب مارك سانتورا أن تعيين دراباتي يأتي في لحظة توصف بأنها من أكثر مراحل الحرب حساسية، إذ تتزامن مع انتقال عسكري وسياسي معقد، في وقت تواجه فيه أوكرانيا حرب استنزاف طويلة أصبحت التكنولوجيا، ولا سيما الطائرات المسيرة، العامل الأكثر حسما فيها.

مظاهرة للاحتجاج على إقالة وزير الدفاع فيدوروف والمطالبة بعزل سيرسكي في كييف 20 يوليو/تموز 2026 (رويترز)ينتمي لجيل جديد

ويشير سانتورا إلى أن القائد الجديد البالغ من العمر 43 عاما، ينتمي إلى جيل جديد من الضباط الأوكرانيين الذين نشأوا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، ويؤمنون بأن مستقبل الحرب يعتمد على الابتكار والمرونة أكثر من اعتماده على أساليب القتال التقليدية.

ويوضح التقرير أن دراباتي يعد أحد أبرز مهندسي إستراتيجية "خط الطائرات المسيرة" التي تقوم على إنشاء نطاق قتالي متواصل خلف خطوط المواجهة يعتمد على الطائرات المسيرة الهجومية والاستطلاعية والأبراج الآلية، بدلا من الاكتفاء بخنادق ثابتة تتعرض باستمرار للهجمات الروسية.

وقد ساعد هذا الأسلوب -حسب الصحيفة- في إبطاء التقدم الروسي، ومنح القوات الأوكرانية فرصة لاستعادة زمام المبادرة في بعض الجبهات للمرة الأولى منذ سنوات.

دراباتي خلال اجتماعه مع الرئيس زيلينسكي في العاصمة كييف في يوليو/تموز 2026 (أسوشيتد برس)استعادة رؤية فيدوروف

غير أن التغيير العسكري لم يكن منفصلا عن أزمة سياسية داخلية، إذ يلفت سانتورا إلى أن قرار زيلينسكي بإقالة وزير الدفاع الإصلاحي ميخايلو فيدوروف، الذي كان يقود عملية تحديث الجيش وتوسيع استخدام الطائرات المسيرة والأنظمة الآلية، فجر احتجاجات في كييف ومدن أخرى، بعدما اعتبر كثير من العسكريين أن الرئيس انحاز في البداية إلى سيرسكي في خلافه مع الوزير حول مستقبل الحرب.

إعلان

لكن اتساع الاحتجاجات، التي تحولت من المطالبة بإعادة فيدوروف إلى الدعوة لإقالة سيرسكي، دفع زيلينسكي في النهاية إلى تغيير القيادة العسكرية وتعيين دراباتي، المعروف بتأييده لرؤية فيدوروف القائمة على التكنولوجيا واللامركزية في اتخاذ القرار.

وترى صحيفة تايمز البريطانية -في تقرير لمراسلها مارك بينيتس- أن دراباتي لم يكتسب شهرته من مكتبه، وإنما من ساحات القتال.

ويستعيد بينيتس واقعة ماريوبول عام 2014، حين أمر دراباتي سائق المدرعة باقتحام الحاجز قائلا "انطلق بأقصى سرعة".

المهمة الجديدة للجنرال دراباتي تبدو أكثر تعقيدا بكثير من إنجازاته السابقة، إذ يتسلم منصبه وسط مجموعة من الأزمات المتشابكة، تبدأ من مشكلات التجنيد ونقص الأفراد، ولا تنتهي عند احتمال إطلاق روسيا موجة تعبئة جديدة

بواسطة مارك سانتورا

قائد جريء

وتحول تسجيل تلك العملية إلى رمز متداول على وسائل التواصل الاجتماعي بعد إعلان تعيينه قائدا للجيش، باعتباره يجسد صورة القائد الجريء الذي يفضل المبادرة والمخاطرة على التردد.

وتضيف الصحيفة أن دراباتي واصل بناء سمعته خلال الحرب الحالية، إذ شارك في وقف التقدم الروسي نحو مدينة كريفي ريه، مسقط رأس زيلينسكي، وأسهم في تحرير خيرسون، قبل أن يتولى "قيادة القوات البرية" عام 2024، حين أعلن مباشرة عزمه على تنفيذ إصلاحات واسعة لمحاربة الفساد داخل المؤسسة العسكرية.

ورغم استقالة دراباتي بعد أشهر قليلة إثر مقتل عشرات الجنود في مراكز تدريب نتيجة ضربات روسية، معلنا أن القادة يجب أن يتحملوا مسؤولية إخفاقاتهم، فقد أعاده زيلينسكي بعد يومين فقط لقيادة القوات المشتركة، في خطوة عكست استمرار الثقة في قدراته العسكرية.

مهمات جديدة معقدة

غير أن المهمة الجديدة تبدو أكثر تعقيدا بكثير من إنجازاته السابقة، إذ يقول تقرير نيويورك تايمز، إن دراباتي يتسلم منصبه وسط مجموعة من الأزمات المتشابكة، تبدأ من مشكلات التجنيد ونقص الأفراد، ولا تنتهي عند احتمال إطلاق روسيا موجة تعبئة جديدة، إضافة إلى حماية شبكة الطاقة الأوكرانية من الهجمات الشتوية، في وقت تتراجع فيه مخزونات الذخائر الخاصة بأنظمة الدفاع الجوي، فضلا عن ضرورة وقف التقدم الروسي البطيء في إقليم دونباس.

كما يواجه القائد الجديد تحديا سياسيا لا يقل صعوبة عن التحديات العسكرية، إذ سيكون مطالبا بالحفاظ على استقلالية القرار العسكري التي يدافع عنها الإصلاحيون، وفي الوقت نفسه التعامل مع ميل زيلينسكي إلى التدخل المباشر في إدارة العمليات الميدانية.

ويرى محللون -نقل عنهم كاتب التقرير مارك سانتورا- أن نجاح دراباتي لن يقاس فقط بما يحققه على الجبهات، وإنما أيضا بقدرته على إدارة هذه العلاقة الحساسة مع الرئاسة، ومنع تحول الخلافات السياسية إلى عبء إضافي على الجيش.

نهاية مرحلة

في المقابل، تقدم كارلوتا غال في صحيفة نيويورك تايمز قراءة موازية تركز على القائد المقال أوليكسندر سيرسكي، معتبرة أن إبعاده يمثل نهاية مرحلة كاملة في تاريخ الجيش الأوكراني.

وتقول غال إن سيرسكي كان أحد أبرز القادة الذين تصدوا للهجوم الروسي منذ الأيام الأولى للغزو عام 2022، وقاد معركة الدفاع عن كييف، ثم أشرف لاحقا على توسيع استخدام الطائرات المسيرة والروبوتات في ساحة القتال.

إعلان

لكن الكاتبة ترى أن إنجازاته العسكرية لم تعد كافية لحمايته من الانتقادات المتزايدة، بعدما اتهمه كثير من الضباط باتباع أسلوب قيادة شديد المركزية، والإصرار على الاحتفاظ بمواقع عسكرية أصبحت غير قابلة للدفاع، وهو ما أدى -حسب منتقديه- إلى خسائر بشرية كبيرة.

صراع بين مدرستين

وتشير غال إلى أن الخلاف بين سيرسكي ووزير الدفاع السابق ميخايلو فيدوروف لم يكن مجرد نزاع شخصي، بل كان يعكس صراعا بين مدرستين مختلفتين في إدارة الحرب، الأولى تتمسك بقيادة تقليدية تعتمد على التسلسل الهرمي الصارم، والثانية تدعو إلى منح القادة الميدانيين حرية أكبر في اتخاذ القرار، وتسريع دمج التكنولوجيا والطائرات المسيرة والأنظمة الذكية في العمليات العسكرية.

وقد أدى هذا الصراع في النهاية إلى خروج الرجلين معا من المشهد، وإن كان تعيين دراباتي يوحي بأن رؤية فيدوروف الإصلاحية ما زالت تحظى بتأييد داخل دوائر صنع القرار.

وتضيف الصحيفة أن القائد الجديد يتبنى فلسفة تقوم على منح الوحدات المقاتلة صلاحيات أوسع للاستجابة السريعة لتغيرات الميدان، مع الاعتماد بصورة أكبر على البيانات الفورية وتقنيات الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيرة.

أزمة الموارد البشرية

ويعتقد محللون أن هذه المقاربة قد ترفع كفاءة العمليات وتزيد من قدرة الجيش على مواجهة التفوق العددي الروسي، لكنها لن تكون كافية وحدها إذا لم تعالج أوكرانيا أزمة التجنيد المزمنة ونقص الموارد البشرية.

وتتفق صحيفة تايمز البريطانية مع هذا التقييم، لكنها تضيف بعدا سياسيا أوسع، إذ ترى أن تعيين دراباتي يمثل أيضا اختبارا للرئيس زيلينسكي نفسه، لأن الأزمة الأخيرة التي اندلعت عقب إقالة وزير الدفاع كشفت حجم التوتر داخل المؤسسة الحاكمة، وأظهرت أن الحرب لم تعد الساحة الوحيدة التي يواجه فيها الرئيس تحديات متزايدة.

وتنقل الصحيفة عن المحلل السياسي فولوديمير فيسينكو قوله إن ما جرى أبرز مرة أخرى أن السياسة الداخلية أصبحت نقطة الضعف الرئيسية في رئاسة زيلينسكي، وهو أمر قد ينعكس على مستقبله السياسي عندما تسمح الظروف بإجراء الانتخابات الرئاسية المؤجلة بسبب الحرب.

مقالات مشابهة

  • سيناريوهات يستعرض أبرز التحديات التي تواجه الحية في رئاسة حماس
  • سيناريوهات التصعيد بين أمريكا وإيران.. هل تنضم إسرائيل إلى المواجهة أم تبقى خارجها؟
  • ألمانيا تعرب عن قلقها بعد استهداف سفينة سعودية في البحر الأحمر
  • شمس البارودي: عمر الوحيد من أبنائي الذي أحب مهنة والده حسن يوسف
  • باريس سان جيرمان يقترب من تمديد عقد لويس إنريكي حتى 2030
  • الرئيس اليمني يجري تعديلًا وزاريًا محدودًا ويعين ثلاثة وزراء جدد
  • الجيش الأوكراني يحصل على قائد جديد.. من هو الجنرال الذي يراهن عليه زيلينسكي؟
  • الصراع الخفي بين فرنسا وألمانيا.. لماذا فشل مشروع الطائرة الخارقة الأوروبي؟
  • الجار الذي لا يخالط جيرانه
  • رجل أعمال أمريكي يفقد حقيبة مجوهرات بقيمة 1.3 مليون يورو في باريس