الطغيان الأمريكي الإسرائيلي.. إلى أين وإلى متى؟! 1- 7
تاريخ النشر: 1st, February 2026 GMT
حمد بن خلفان آل تويّه
في الوقت الذي كان يتطلع فيه العالم بأسره ومنه منطقة الشرق الأوسط على وجه التحديد إلى العيش بسلام بعيدًا عن الأزمات المُتلاحقة والحروب المتوالية؛ إذا بالأيام تُكذب هذه الآمال لتُحيل حياة جميع سكان هذا الإقليم بالذات إلى حالٍ من الفوضى وعدم الاستقرار وضنك العيش بعد أن ابتليت المنطقة بزرع كيانٍ غاصبٍ إرهابيٍّ مُجرمٍ في قلبها يسمى "إسرائيل" التي لفظتها إنجلترا الاستعمارية الظالمة في ساعةِ نحس؛ عندما منح ذلك الملعون المدعو بلفور في عام 1917 وطنًا قوميًا لليهود في فلسطين، وكأنّ هذه الدولة وأرضها المقدسة أورثها له أمه وأبوه كي يتصرف بها كما يشاء- قبّحهُ الله- حيث أعطى ما لا يملك لمن لا يستحق، ومنذ أن أُوجد هذا الكيان المصطنع في هذه المنطقة والمصائب والويلات والحروب والأزمات تتوالى عليها على نحوٍ أكّد بكل وضوح أنّ كل الشرور والآثام والنكبات، مُقترنةٌ بهذا الكيان الرقيع إلى يوم زواله!
ومتى كانت هذه الدولة الاستعمارية ذات التاريخ الأسود الطويل باحتلال كثيرٍ من بلدان العالم واستعمارها واستعباد شعوبها وسرقة ثرواتها والسطو على تاريخها وآثارها، رائدةً للخير وساعيةً إلى المعروف بحق الشعوب وما من مصيبةٍ ولا كارثة أدّت إلى وقوعٍ نزاعات وحروب بين الدول التي كانت محتلةً لها ومستعمرةً إياها بسبب الخلافات على الحدود وتقسيم الأراضي، إلا وكان لهذه الدولة البغيضة يدٌ خبيثةٌ في تلك الخلافات حتى اليوم والتي تتجدد بين الحين والآخر لأنّ إبليس دقّ إسفينهُ فيها.
وحتى في ظل انحسار الدور الخسيس لهذه الدولة الاستعمارية بعدما غربت شمسها- لا أعاد الله لها الشروق من جديد- فإنّ دورها المقترن بتأزيم وتسميم حياة الآخرين ممن تناصبهم العداء، لا يزال قائمًا ويتمظهر بأشكالٍ وأوجه عديدة على أرض الواقع، وفي مقدمة ذلك هذا الدعم الاستخباراتي الكبير لمغول العصر الحديث الصهاينة المجرمين والذي أفضى وعلى نحوٍ كبير وأساسي إلى استمرارية شلال الدمّ النازف في غزّة وبشاعة الإبادة الجماعية التي لم تتوقف لحظةً واحدة، رغم كل الأكاذيب والأضاليل التي يروّج لها كلّ حين بخلاف ذلك، ثم ألا يعتبر ما تقوم به هذه الدولة الاستعمارية من دعم أساسي ومباشر لعصابات الإرهاب الصهيونية ضد الأبرياء والعزل في غزة وغيرها سببًا كافيًا لإعداد الكثير من ملفات الملاحقات القانونية بحق ساسة وعسكريي هذه الدولة وغيرها من الدول الأخرى ذات الدور المماثل جراء هذه الأفعال الإجرامية ضد الإنسان الذي يعادونه على كافة الأصعدة ويلاحقونه بالموت والدمار لمجرد أنه أبى الخضوع لهم والاستسلام لمشيئتهم؟!
ومن منطلق أن الشر لا يلد إلا شرًا مثله أو أبشع منه وفقًا لمبدأ كل إناء بما فيه ينضح رزئ العالم ونُكب بدولة الشر الأكبر في تاريخه التي تسمى أمريكا لتكون وريثة لكل خبث وشرور تلك الإمبراطورية الغاربة بل وتزيد وتتفوق عليها سوءًا وإجرامًا؛ ذلك أنه ما مر يومٌ سعيدٌ على الإنسانية منذ أن أطلت هذه الدولة المارقة بوجهها القبيح على الدنيا، والتي تقوم حياتها واستمرار وجودها على اختلاق الحروب وافتعال الأزمات حتى يبقى العالم في احتراب واصطراع يجعل من كل خيوط التحكم في يدها؛ حيث إن السلام تعده هذه الدولة الشريرة عدوًا لها وكفيلًا بالقضاء عليها، وللمرء أن يتخيل مدى العدوانية التي تحكم أيديولوجية هذه الدولة التي تعتبر كل ما عداها عدوًا لها يتوجب ترويضه، وإن أبى، يتم القضاء عليه!.
توفرت هذه الدولة على كل مقومات القوة والتفوق على غيرها مستخدمة كل طرق الترغيب المخادع والترهيب كي تبقى هي الإمبراطورية الجديدة التي تسيطر على العالم منفردة، وقد كان يلزم في ظل وضع كهذا أن تسعى هذه الدولة إلى إشاعة أجواء السلام في كل العالم كي تبقى هي المسيطرة وذات اليد الطُولى فيه بأقل قدر من الأذى والضرر لغيرها، ولكنها أبت إلا أن تتفرعن وتتخذ من ذلك الشقي الهالك فرعون أنموذجًا لها عندما ادعى – والعياذ بالله-الربوبية دونًا عن الرب الواحد المعبود، متفوقًا بذلك حتى على إبليس ذاته الذي كان أول عاصٍ للواحد الأحد من بين جميع الخلق!
كان يُنتظر من هذه الدولة- التي بات العام كله مكرهًا لا راغبًا، يدين لها بالولاء والتبعية بسبب ما تمتلكه من جبروت ومقومات وقدرات وإمكانات جعلتها تتبوأ موقع القوة والصدارة- أن تعمل على حماية الأمن والسلم الدوليين لا أن تشكل مصدر التهديد الأول لهما كما فعلت من قبل مرات عديدة وكما هي تفعل الآن.
إن الطغيان الأمريكي الذي يصطبغ به وجه هذه الدولة الكريه، هو السمة البارزة لهذه الدولة التي لا يكاد يمر يوم-وبالذات في هذه الآونة-دون أن تتسبب فيه بتعريض استقرار العالم للخطر وإشعال الحروب من أجل تكريس هيمنتها وسعيًا لمزيد من التغول والتدخل في حياة شعوب العالم ودوله، ضاربة عرض الحائط بكل ما كانت تردده من شعارات جوفاء وزائفة عن السلام والأمن والديموقراطية وحقوق الإنسان والرفاه الاقتصادي وغير ذلك من هذه الأباطيل التي انطلت على شعوب العالم الذين كانوا يصفقون لهذه الدولة باعتبارها أيقونة تحتذى في مبادئ التمدن والعصرنة والقيم النبيلة التي ينبغي أن تسود وتحكم مختلف دول المعمورة، ولكنها قلبت ظهر المجَن لكل ذلك، وباتت هي الدولة الأكثر اعتداءً على هذه القيم والمبادئ لتحل محلها شريعة الغاب التي أضحى ينتهجها الكاوبوي الأمريكي في تعاطيه مع غيره من الدول وتعديه الصارخ على حقوق الشعوب في السلام والاستقرار والحياة الكريمة، وما فنزويلا- وهي مجرد مثال واحد فقط- منَّا ببعيد!
ترى ما هو الخير الذي فعلته أمريكا حتى يذكرها به أبناء هذا العالم- وبالذات منطقة الشرق الأوسط- بعدما كانت هي السبب المباشر في تدمير عدة دول مثل العراق وليبيا وسوريا وأفغانستان، والقائمة تطول، وسعيها الدؤوب لتخريب ما تبقى من الدول الأخرى- كإيران في هذه الآونة- بحجة نزع أسلحة الدمار الشامل وتحجيم برنامج الصواريخ البالستية لهذه الدولة، وما إلى ذلك من الادعاءات الكاذبة بزعم تحقيق السلام الذي هو كذبة اخترعتها هذه الدولة مع ربيبتها دويلة الكيان اللقيط إسرائيل وصدقها العرب وشربوا نخبها ليستمروا في سكرهم بلا إفاقة منه حتى الآن!
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
دَعْنا نراقب الشمس…
قبل أن نتحدّث عن الاستغناء، وقبل أن نفكّر في السيادة الداخلية، دعنا نرفع أبصارنا قليلًا نحو السماء ونراقب - بعيون الفيلسوف لا بعيون العالِم - ذلك الجرم المتوهّج الذي لم يستأذن أحدًا كي يُشرق.
الشمس في مجرّة درب التبانة هي المركز. وحولها كلّ شيء يدور. حتى لو دار كوكبٌ حول نفسه، فإنّ ذلك لا يتعارض مع دورانه حول الشمس، بل يجعله أكثر إثارةً وتعقيدًا وجمالًا، ويسمح لنور الشمس أن يشرق على كلّ جوانبه دون استثناء.
الشمس تختار موقعها بحسابات دقيقة لا تخطئ: تقترب بما يكفي لتهب الدفء والحرارة اللازمين للخلق، وتبتعد بما يكفي لتضمن ألّا يذوب ذلك الخلق ويتلاشى تحت لهيبها. قرب يُحيي، وبُعد يصون -وهذا وحده يكفي تعريفًا للتوازن.
الشمس تُشرق كلّ صباح بلا استئذان، معلِنةً الإذن للحركة والسعي والإنجاز. ثمّ حين تُشرق على غيرك، تمنحك أنتَ فرصة الراحة والمراجعة والعودة إلى نفسك. لا تعتذر عن غروبها، ولا تستأذن في شروقها.
الشمس تُنير السموات والأرض وتسطع بأشعّتها الذهبية دون نظام فلترة أو تصنيف.. هي تُشرق على الظالم والمظلوم، على الجاهل والعالِم، على النشيط والكسول، على المخطئ والمصيب، على الجميل والقبيح، دون تمييز ودون انتظار شكر.
باختصار: الشمس تكون حقيقتها فقط. دون تجميل مبنيّ على آراء الآخرين.. دون تعديل يُمليه خوف الرفض. هي أصلًا لا تعرف إلّا أن تكون ما هي عليه دون قناع ودون مسرحية.
ومن يشتكي من حرّها؟ تزيده لهيبًا. ومن يشتكي من غيابها؟ تسمح للغيوم بالتراكم بينها وبينه، بما يحجب عنه ضوءها ودفأها - لا عقابًا، بل لأنّ الغيم جاء من اختياراته هو لا من طبيعتها هي.
ماذا لو علمتَ أنّك أنتَ الشمس في مجرتك؟ حياتك تبدأ بقدومك إلى هذا العالم وتنتهي بمغادرتك إيّاه. وما بين الميلاد والموت تلك هي مجرّتك كلّه. فلو كانت ثمّة شمس في هذه المجرّة، فهل ستكون غيرك؟
لحظةٌ لا تأتي بإشعار
ثمّةَ لحظةٌ لا تُعلن عن نفسها، لا تأتي مصحوبةً بصوت ولا مشهودةً بشاهد. لحظةٌ تتسلّل في صمت، مثلما يتسلّل الفجر بين شقوق الليل، فلا تدري متى بدأت، غير أنّك تُدركها في كامل حضورها حين تجد نفسك - ولأوّل مرّة ربّما - تقف أمام الحياة بلا حاجةٍ تستجدي، ولا ذاتٍ تثبت، ولا سؤالٍ يبحث عن إجابة في عيون الآخرين.
تلك اللحظة لا تهبها المكانة، ولا تصنعها الثروة، ولا تُهديها الشهرة. إنّها تولد من داخل الإنسان وحده، حين يكتشف - بعد رحلةٍ طويلة من الركض خلف ما ليس له - أنّ معظم ما كان يطارده لم يكن سوى صدىً لصوت داخلي يُناديه بالعودة إلى نفسه.
في تلك اللحظة تحديدًا يبدأ الوعي. ويبدأ التحرّر. ويبدأ ما يمكن تسميته - بكلّ دقّة - الاستغناء.
بين السؤال والجواب.. ثورة
يُروى أنّ جلال الدين الرومي توجّه يومًا إلى شمس الدين التبريزي بسؤالٍ يحمل ثقل كلّ روحٍ تعبت من نفسها:
"كيف تبرد نار النفس؟"
فأجابه شمس، بكلمةٍ واحدة:
"بالاستغناء."
لم يقل له: بالصلاة وإن كانت عماد الروح. ولا بالعلم وإن كان نور العقل. ولا بالمال ولا بالزهد. قال له: بالاستغناء.
لأنّ الاستغناء ليس فعلًا خارجيًا يمارسه الجسد، بل ثورةٌ داخلية تُعيد رسم حدود الذات. إنّه اللحظة التي تتوقّف فيها عن استجداء ما وهبك الله إيّاه أصلًا، واللحظة التي ينتهي فيها ذلك التسوّل الصامت - تسوّل الاعتراف، والقبول، والمعنى - من موائد الآخرين.
أخطر القيود.. تلك التي لا تُرى
إنّ أخطر أنواع العبودية ليست عبودية الجسد، بل عبودية الاحتياج. فالإنسان قد يمشي حرًّا بلا سلاسل ترى، بينما يقضي عمره كلّه أسيرًا لفكرة متجذّرة، أو شخصٍ يملك مفتاح رضاه، أو صورةٍ ذهنية صنعها من فتات آراء الآخرين.
كم من إنسانٍ باع سلامه الداخلي ثمنًا للقبول؟ وكم من امرأةٍ تنازلت عن كرامتها خشية الهجران؟ وكم من رجلٍ أضاع نفسه في متاهة إثبات نفسه؟ وكم من موهبةٍ عظيمة دُفنت حيّةً تحت ثقل الحاجة إلى التصفيق؟
قال كارل غوستاف يونغ:
"الامتياز الحقيقي لا يكمن في أن تكون أفضل من الآخرين،
بل في أن تكون أفضل مما كنتَ عليه بالأمس."
فالإنسان لا يُهزم حين يفقده الآخرون، بل يُهزم حين يفقد نفسه وهو يحاول الاحتفاظ بهم.
فصولٌ لا كتاب.. وأدوارٌ لا أصحاب
الحقيقة المُرّة الجميلة في آنٍ واحد: بعض الناس يأتون ليكملوا فصلًا في كتاب حياتك، لا ليقيموا في كلّ صفحاته.
"الناس صنفان؛ من أراد هجرك وجد في ثقب الباب مخرجًا،
ومن أراد البقاء معك لردم ثقبٍ في الصخرة مدخلًا."
الوعي ليس أن تعرف كيف تتمسّك. بل أن تعرف متى تترك. فالوردة لا تبكي حين تتساقط أوراقها، والشجرة لا تدخل في حداد كلّ خريف، والنهر لا يعود إلى منبعه هربًا من المجهول. فلماذا يُصرّ الإنسان وحده على التمسّك بما انتهى؟
الجرح ليس فيما فقدتَ.. بل فيما أعطيتَه لما فقدتَ
الناس لا يتألّمون بسبب ما فقدوه، بل بسبب المعنى الذي ألصقوه بما فقدوه. يفقد أحدهم علاقةً فيعتقد أنّه فقد الحبّ كلّه. ويفقد منصبًا فيعتقد أنّه فقد قيمته جميعها. بينما الحقيقة أنّ الحبّ أكبر من شخص، والقيمة أسمى من منصب.
قال فيكتور فرانكل، الذي عاش الجحيم وخرج منه شاهدًا لا ضحية:
"كلّ شيءٍ يمكن أن يُسلَب من الإنسان إلّا شيئًا واحدًا:
حريّته في اختيار موقفه تجاه ما يحدث له."
وهنا يكمن جوهر الاستغناء الحقيقي: أن تُدرك أنّ أحدًا لا يملك سلطةً على روحك، إلّا بمقدار ما أنتَ نفسك منحتَه إيّاها.
الاستغناء الأعظم: أن تستغني عن البشر بربّ البشر
ليس الانفصال عن الناس نفيًا لهم أو عزلةً عنهم، بل ألّا تجعلهم المصدر الوحيد لمعناك. ألّا تجعل رضاهم ميزان قيمتك. ألّا تجعل قبولهم تعريفًا يُحدّد هويّتك.
من عرف الله حقًا استغنى. ومن استغنى تحرّر. ومن تحرّر أشرق. ومن أشرق صار حضوره دعوةً صامتة إلى النور.
قال إبن الرومي:
"حين أترك ما أنا عليه، أصبح ما يمكن أن أكونه."
فكلّ ولادةٍ جديدة تبدأ بموت شيءٍ قديم. وكلّ اتّساعٍ يبدأ بتخلٍّ. وكلّ حريّةٍ حقيقية تبدأ باستغناء.
الاستغناء.. كما ينبغي أن يُفهم
الاستغناء ليس قسوةً على النفس ولا جحودًا للجمال. بل هو أن تُحبّ دون أن يأسرك الخوف. أن تمتلك دون أن يمتلكك ما تمتلك. أن تحلم دون أن يُشلّك القلق. أن تعمل دون أن تربط قيمتك بسقف النتائج.
إنّه أن تسير في هذه الحياة بقلبٍ ممتلئٍ بالله لا بالهواجس، وبروحٍ تستمدّ نورها من الخالق لا من تصفيق المخلوقين.
ستكتشف أنّ أعظم أشكال الثراء ليس ما تُضيفه إلى حياتك، بل ما تتحرّر منه. وأنّ أعظم أشكال القوّة ليس ما تسيطر عليه، بل ما لم يعد قادرًا على السيطرة عليك.
ذلك هو الاستغناء.
وذلك هو سرّ السيادة الداخلية.
وذلك هو الطريق الوحيد الذي لا يقودك إلى امتلاك العالم… بل إلى امتلاك نفسك.
باريس
1 يونيو 2026