يناير .. حين الذاكرة تصنع المسؤولية والاختيار في وجدان المصريين
تاريخ النشر: 1st, February 2026 GMT
يناير ليس شهرا عابرا في الذاكرة المصرية، ولا في الذاكرة الإنسانية عموما، هو شهر ثقيل، مزدحم بالأسئلة، لا يترك صاحبه يمر دون أن يضعه وجها لوجه أمام نفسه، بعض الشهور نعيشها، وبعضها يعيش فينا ويناير من النوع الثاني.
في هذا الشهر تتقاطع الذكريات الخاصة مع الأحداث العامة، وتختلط مشاعر الفقد بأسئلة الوطن، وتصبح القدرة على التمييز بين الانفعال والمسؤولية ضرورة لا رفاهية، فهناك أيام لا يمكن اختزالها في تاريخ واحد، ولا تفسيرها برواية واحدة.
23 يناير هو تاريخ لا يعرفه إلا من فقد عزيزا، تاريخ شخصي لا يظهر في نشرات الأخبار، لكنه محفور في القلب، فقد الأب ليس حدثا عابرا، بل لحظة تعيد ترتيب العالم من جديد، وتعلم الإنسان أن الصمت أحيانا أبلغ من الخطب، وأن الاتزان لا يعني البرود، بل احترام الوجع.
ففي 23 يناير، لا أستدعي حدثا عاما، بل وجعا خاصا لا يراه سواي، في هذا اليوم فقدت أبي، ولم أفقده مرة واحدة، بل أفقده كل صباح منذ ذلك التاريخ، بعض الغياب لا يعوض، وبعض الفقد لا يهدأ مع الوقت، بل يتعلم الإنسان فقط كيف يعيش وهو يحمله، كان أبي ثابتا في زمن مرتبك، وهادئا في عالم يعلو فيه الضجيج.
وحين رحل، ترك فراغا لا تملؤه الأيام ولا الكلمات، في ذكرى رحيله، لا أبكيه بصوت مرتفع، بل ينكسر قلبي في صمت، وتتعصر روحي وأنا أتعلم كيف أستند على الذكريات بدل الكتف الذي اعتدت الاحتماء به، رحم الله أبي، فقد علمني أن القوة ليست في الصخب، بل في الاتزان، وأن الكرامة موقف لا شعار.
ثم يأتي 25 يناير، اليوم الذي لا يزال حتى الآن محل نقاش وجدال، هل هو عيد للشرطة أم ذكرى لثورة، وربما كانت المعضلة الحقيقية أننا نصر دائما على الاختيار بين حدين، بينما الواقع أكثر تعقيدا من ذلك، فالدول لا تبنى بإلغاء مؤسساتها، ولا تتقدم بإنكار مطالب شعوبها.
وليظل 25 يناير في وجدان الدولة المصرية عيدا للشرطة، يوما لتكريم مؤسسة وطنية دفعت ولا تزال تدفع أثمانا باهظة دفاعا عن أمن هذا الوطن واستقراره، هذا التاريخ لم يكن يوما عنوانا لصدام مع الشرطة، ولا شاهدا على انتفاضة ضدها، بل رمزا لتضحيات رجال حملوا أرواحهم على أكفهم.
ومحاولات اختزال هذا اليوم في رواية واحدة، أو إعادة تعريفه على حساب تاريخه الأصيل، لم تكن سوى محاولات لطمس صفحة ناصعة من تاريخ الشرطة المصرية، فالشرطة المصرية، بقياداتها ورجالها، لم تكن يوما طرفا في مواجهة مع الوطن، بل كانت دائما في صفه، تحمي مؤسساته وتصون استقراره.
من جيل إلى جيل، قدم رجال وزارة الداخلية نماذج في الانضباط والشجاعة وتحمل المسؤولية، سواء في مواجهة الإرهاب، أو في حماية الجبهة الداخلية، أو في حفظ الأمن اليومي الذي لا يشعر بقيمته إلا من فقده، واليوم، كما بالأمس، تستحق قيادات وزارة الداخلية ورجالها كل تقدير واحترام، ليس بالكلمات فقط، بل بالوعي بحقيقة دورهم الوطني.
ولأن للتواريخ جذورا لا يجوز اقتلاعها، فإن 25 يناير يعود في أصله إلى معركة الإسماعيلية عام 1952، حين وقف رجال الشرطة المصرية، بأسلحة محدودة وإرادة صلبة، في مواجهة قوات الاحتلال البريطاني دفاعا عن كرامة الوطن وسيادته، سقط الشهداء، وبقي الموقف شاهدا على أن الشرطة المصرية لم تكن يوما مجرد جهاز أمني.
بل جزءا أصيلا من حركة التحرر الوطني، وقدمت دماءها في لحظة فاصلة من تاريخ مصر الحديث، ليظل هذا اليوم رمزا للفداء والانتماء قبل أي تأويل لاحق أو قراءة طارئة، أحيانا أخطر ما يصيب الوطن ليس الصراع، بل اختزال الحقيقة في رواية واحدة.
الشرطة مؤسسة وطنية، وجودها ضرورة، واحترامها واجب، والثورة فكرة، حين تنحرف تفقد معناها، وحين تختزل تظلم، وبين المؤسسة والفكرة تقف الدولة، التي لا تحتمل صراعات الشعارات، بقدر ما تحتاج إلى وعي يحميها من الانقسام.
في مثل هذه اللحظات، يصبح الهدوء شجاعة، والتعقل موقفا، والابتعاد عن الاستقطاب فضيلة، فالوطن لا يحتاج إلى مزيد من الأصوات المرتفعة، بقدر ما يحتاج إلى عقول تفكر، وضمائر تراجع نفسها قبل أن تراجع الآخرين.
ربما يجمع يناير بين الحزن والسؤال والاختيار، لكنه يعلمنا درسا مهما، أن الحياة العامة لا تنفصل عن الإنسان، وأن السياسة بلا إنسانية تصبح قاسية، والإنسان بلا وعي عام يصبح معزولا، وبين هذا وذاك، يظل الاتزان هو أصعب الطرق وأكثرها احتراما.
هل نحن مستعدون لمستقبل يهدد لقمة عيشنا ويغير فرص العمل؟ أسعار السلع ترتفع، الذكاء الاصطناعي يسرق الوظائف، الشباب يبحث عن فرص عمل حقيقية، وكل مصري يتساءل عن مستقبله، وفي هذا الوقت تتقاطع ذاكرتنا مع يناير، الشهر الذي يضعنا وجها لوجه أمام المسؤولية والواقع، ليصبح كل درس شخصي وجماعي عن الوطن والإنسانية.
في ذكرى الفقد نتعلم الصبر، وفي ذكرى الوطن نتعلم المسؤولية، وفي لحظة الاختيار نتعلم أن التاريخ لا يصنعه الانفعال، بل القرار الواعي، ولعل أجمل ما يمكن أن نقدمه لأنفسنا، وللوطن، هو أن نمر من هذه الأيام بقلوب هادئة، وعقول يقظة، وإيمان بأن مصر تستحق دائما الأفضل.
المصدر
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: يوسف عبداللطيف الذاكرة المصرية الذكريات الخاصة الشرطة المصریة
إقرأ أيضاً:
عيد الغدير في اليمن .. تجليات الولاء وتجذر الارتباط الإيماني في وجدان القبيلة اليمنية
في الثامن عشر من ذي الحجة من كل عام، تتجدد في اليمن واحدة من أبرز المناسبات الدينية والإيمانية التي ارتبطت بوجدان المجتمع اليمني عبر قرون طويلة، حيث يحيي اليمنيون ذكرى عيد الغدير، يوم الولاية للإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، في مشهد جماهيري واسع يعكس عمق الارتباط برسالة الإسلام وقيمها الأصيلة، ويجسد حضور الولاية كجزء راسخ من الهوية الإيمانية والثقافية للشعب اليمني، ولا يقتصر إحياء هذه المناسبة على كونها فعالية دينية أو احتفالاً شعبياً عابراً، بل تمثل محطة سنوية لتجديد العهد مع المبادئ التي يجسدها الإمام علي عليه السلام في الوعي الإسلامي؛ باعتباره نموذجاً للعدالة والشجاعة والحكمة والقيادة الربانية، وهي القيم التي ترى فيها القبيلة اليمنية امتداداً لموروثها الإيماني والتاريخي.
يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي
الغدير والوجدان اليمني .. امتداد تاريخي للولاء
يكتسب عيد الغدير في اليمن خصوصية استثنائية نابعة من العلاقة التاريخية التي جمعت اليمنيين بأهل بيت النبوة عليهم السلام منذ فجر الإسلام. فقد كان اليمنيون من أوائل الشعوب التي استجابت لدعوة الإسلام، ومن أكثرها ارتباطاً بالإمام علي عليه السلام الذي بعثه الرسول محمد صلى الله عليه وآله إلى اليمن داعياً وقاضياً ومعلماً، فوجد فيه اليمنيون النموذج الأمثل للقائد العادل والمربي الحكيم، ومنذ ذلك التاريخ، ظل حب الإمام علي ومكانته الروحية والأخلاقية حاضرين في الثقافة اليمنية، وانتقل هذا الارتباط من جيل إلى آخر حتى أصبح جزءاً من البنية الثقافية والاجتماعية للمجتمع، وركناً أساسياً من مكونات الهوية الإيمانية اليمنية، وفي هذا السياق، يأتي عيد الغدير باعتباره مناسبة لاستحضار الحدث التاريخي الذي أعلن فيه الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله ولاية الإمام علي على الأمة في غدير خم، وتجديداً للالتزام بالقيم التي مثلها هذا الإعلان في الوعي الإسلامي.
القبيلة اليمنية.. حاضنة تاريخية لقيم الولاية
تمثل القبيلة اليمنية أحد أهم الحوامل الاجتماعية والثقافية للهوية الإيمانية في اليمن، وقد حافظت عبر مختلف المراحل التاريخية على منظومة من القيم المستمدة من الدين الإسلامي ومن التراث اليمني الأصيل، وفي مقدمتها الوفاء والكرامة ونصرة المظلوم والشجاعة والالتزام بالعهود، وتجد هذه القيم تجلياتها بصورة واضحة في إحياء عيد الغدير، حيث تنظر القبائل اليمنية إلى المناسبة باعتبارها تجديداً للعهد مع نهج الإمام علي عليه السلام الذي يجسد تلك المبادئ في أسمى صورها،
ومن هنا، فإن حضور الغدير في الوعي القبلي اليمني لا ينفصل عن مفهوم الانتماء للحق والالتزام بالموقف المبدئي، وهو ما يفسر استمرار الاحتفاء بهذه المناسبة رغم التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدتها المنطقة عبر العقود الماضية.
احتفال يتجاوز الطابع الديني إلى البعد المجتمعي
تتحول ذكرى الغدير في اليمن إلى مناسبة جامعة تتداخل فيها الأبعاد الدينية والثقافية والاجتماعية، حيث تشهد المدن والأرياف والقبائل فعاليات واسعة تعكس حجم الحضور الشعبي لهذه المناسبة، وتتنوع مظاهر الاحتفاء بين المسيرات الجماهيرية والأمسيات الثقافية والقرآنية والندوات الفكرية والخطب الدينية التي تتناول معاني الولاية وأبعادها الإيمانية، إضافة إلى الفعاليات الاجتماعية التي تعزز أواصر التراحم والتكافل بين أبناء المجتمع،
كما تحضر الفنون الشعبية اليمنية في هذه المناسبة بصورة لافتة من خلال عروض البرع والأهازيج والزوامل الشعبية التي تعبّر عن الفرح والاعتزاز بالانتماء الإيماني، إلى جانب انتشار مظاهر الزينة والإنارة في المنازل والمساجد والساحات العامة، ويعكس هذا التفاعل الشعبي الواسع حقيقة أن الغدير لم يعد مجرد ذكرى تاريخية في الوعي اليمني، بل أصبح مناسبة مجتمعية شاملة تسهم في تعزيز التماسك الاجتماعي وترسيخ القيم المشتركة بين أبناء المجتمع.
الولاية كمنظومة قيم
من أبرز الدلالات التي يبرزها إحياء عيد الغدير في اليمن أن مفهوم الولاية يُقدَّم بوصفه منظومة أخلاقية وإيمانية متكاملة تقوم على الهداية والعدالة والالتزام بالحق، وليس مجرد عنوان سياسي أو تاريخي، فالخطاب الثقافي والاجتماعي المصاحب للمناسبة يركز على استلهام شخصية الإمام علي عليه السلام كنموذج للقيادة القائمة على العلم والعدل والرحمة والزهد والمسؤولية، بما يجعل الغدير مناسبة لاستحضار هذه القيم في واقع الأمة المعاصر.
ولهذا السبب، ينظر كثير من اليمنيين إلى إحياء الغدير باعتباره تجديداً للالتزام بالمبادئ التي تحفظ للأمة استقلالها وكرامتها، وتعزز قدرتها على مواجهة التحديات والانحرافات الفكرية والثقافية والسياسية.
الغدير والهوية الوطنية الجامعة
رغم الطابع الديني للمناسبة، فإن عيد الغدير في اليمن يحمل أبعاداً وطنية واضحة تتمثل في دوره في تعزيز الهوية الجامعة القائمة على القيم الإيمانية المشتركة، ففي ظل التحديات التي تواجه المنطقة، يبرز الغدير كعامل من عوامل تعزيز الانتماء الوطني والثقافي، حيث يلتقي اليمنيون في هذه المناسبة حول مجموعة من القيم والمبادئ التي تشكل قاسماً مشتركاً بينهم، وفي مقدمتها العدل والكرامة والحرية والاستقلال، وتشير العديد من القراءات الاجتماعية إلى أن المناسبات الدينية ذات الحضور الشعبي الواسع، ومنها عيد الغدير، تسهم في إعادة إنتاج الوعي الجمعي وتعزيز حالة التماسك المجتمعي، وهو ما يمنحها بعداً يتجاوز حدود الاحتفال التقليدي إلى دور ثقافي وحضاري أوسع.
تجليات الغدير في الموقف اليمني المعاصر
يربط كثير من المثقفين والوجهاء والقيادات الاجتماعية في اليمن بين القيم التي يجسدها عيد الغدير وبين المواقف الوطنية والقومية التي يتبناها اليمن في المرحلة الراهنة، فمن منظورهم، فإن جوهر الغدير يتمثل في الانحياز للحق ومواجهة الظلم والدفاع عن المستضعفين، وهي المعاني التي يرون أنها تتجسد في المواقف اليمنية الداعمة لقضايا الأمة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، ورفض مشاريع الهيمنة والتبعية، ويُنظر إلى هذه المواقف باعتبارها امتداداً عملياً للقيم التي يمثلها الإمام علي عليه السلام، والتي تقوم على نصرة المظلوم والثبات على المبدأ مهما كانت التحديات.
الغدير.. ذاكرة متجددة ومستقبل ممتد
في اليمن، لا يُنظر إلى عيد الغدير بوصفه استدعاءً لحدث تاريخي مضى عليه أكثر من أربعة عشر قرناً فحسب، بل باعتباره مناسبة متجددة تعيد ربط الحاضر بجذوره الإيمانية وتمنح الأجيال الجديدة فرصة للتعرف على القيم التي شكلت وجدان الأمة عبر التاريخ.
وتكمن أهمية هذه المناسبة في قدرتها على الجمع بين البعد الروحي والبعد الثقافي والبعد الاجتماعي، بما يجعلها واحدة من أبرز المحطات التي تتجلى فيها الهوية اليمنية في صورتها الإيمانية الأصيلة، وفي ظل ما يشهده العالم من تحولات متسارعة وصراعات فكرية وثقافية، يظل عيد الغدير بالنسبة لليمنيين مناسبة لتأكيد الثبات على المبادئ، وتجديد الارتباط بالرسالة المحمدية، واستحضار النموذج العلوي في العدالة والشجاعة والحكمة، بما يعزز حضور الولاية كقيمة إيمانية وثقافية متجذرة في وجدان القبيلة اليمنية والمجتمع اليمني عموماً.
ختاما ..
يجسد عيد الغدير في اليمن صورة حية لتلاقي التاريخ بالعقيدة، والهوية بالموقف، والتراث بالواقع المعاصر، فبينما تتجدد مظاهر الفرح والاحتفاء في المدن والقرى والقبائل، تتجدد معها معاني الولاء والالتزام بالقيم التي يمثلها الإمام علي عليه السلام. ولذلك يبقى الغدير أكثر من مجرد مناسبة دينية؛ إنه تعبير متجدد عن هوية إيمانية راسخة، وذاكرة حضارية حية، ومنظومة قيم ترى فيها القبيلة اليمنية والشعب اليمني عموماً أساساً للثبات والوعي والكرامة في مواجهة تحديات الحاضر واستحقاقات المستقبل.