عربي21:
2026-06-03@05:13:26 GMT

راشد الغنوشي.. أكثر من ألف يوم خلف القضبان

تاريخ النشر: 1st, February 2026 GMT

سيرة فكرة.. من الزيتونة إلى الزنزانة

لم يولد الرجل في كواليس السياسة، بل خرج من رحم العلم. من الزيتونة بدأ الطريق؛ حيث تشكّلت ملامح عقلٍ دينيٍّ منفتح، يقرأ التراث بعيون المقاصد، ويصغي للعصر دون أن يذوب فيه. هناك تَربّى على فقهٍ يعرف ميزان النص والواقع، وعلى أخلاق دعوية ترى الإنسان قبل الشعار.

ثم جاءت المحنة، فصار المنفى مدرسة أخرى.

سنواتٌ طويلة خارج الوطن لم تكن هروبا من قدر، بل جهادا بالفكرة من أجل تحرير تونس من الاستبداد، وبناء أفقٍ يلتقي فيه الإسلام مع الحرية، والهوية مع التعدد. في المنفى نضج المشروع، وتبلورت الرؤية، وتحوّلت التجربة من ردّ فعل إلى منهج.

عاد إلى تونس لا منتقما ولا مُزايدا، بل حاملا مشروع حركةٍ إسلاميةٍ وطنية رفعت رايتها من قلب المجتمع، لا من فوقه؛ حركة راهنت على العمل السلمي، وعلى التداول، وعلى قبول المختلف، ودفعت ثمن هذا الرهان مرتين: مرة حين قاومت الاستبداد، ومرة حين صادقت على قواعد اللعبة.

لم يكن الغنوشي معصوما، ولا تجربته بلا أخطاء؛ لكن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأنه مفكّرٌ قبل أن يكون سياسيّا، وبأن سجنه اليوم ليس محاكمة لوقائع بقدر ما هو خصومة مع فكرة. فالسلطة التي تضيق بالكلمة، تُحاكم الرمز حين تعجز عن محاججة المعنى.

اليوم، يقبع خلف القضبان رجلٌ قضى عمره بين الكتب والمنابر، وبين السعي لوطنٍ حرٍّ يتسع لأبنائه. لكن المفارقة أن السجن لم يُطفئ الفكرة، بل أعاد طرح السؤال الكبير: هل يُسجَن من اجتهد أن يصالح بين الإسلام والدولة الحديثة، أم يُسجَن خوفُ الاستبداد من أي مشروعٍ يُذكّر الناس بأن الحرية حقٌّ أصيل؟.. سيخرج الجسد يوما، أو تبقى الذكرى شاهدا، أما الفكرة فستظل تمشي على قدمين في الشارع التونسي، لأن الأفكار التي تُولد من العلم، وتُربّى في المحنة، لا تموت في الزنازين.

إن التجربة لم تُحاكَم بوصفها اجتهادا بشريا قابلا للنقد، بل وُضِعت في قفص الاتهام، لا لشخص الغنوشي وحده، بل للفكرة التي يمثلها.

وهنا يتجاوز المعنى حدود تونس، فالغنوشي، في رمزيته، لا يمثّل حالة فردية، بل يختصر تجربة تيارٍ واسع من الدعاة، والسياسيين، والمفكرين، والعلماء، في مختلف الدول الإسلامية، ممن اختاروا طريق الإصلاح العلني والمؤسسي، فكان نصيبهم الإقصاء أو السجن.

في مصر، تجارب كاملة لبرلمانيين ودعاة ومفكرين قضى بعضهم أكثر من 4500 يوما خلف القضبان، (رئيس مجلس الشعب المصري د. محمد سعد الكتاتني نموذجا)، لا لأنهم حملوا سلاحا، بل لأنهم حملوا فكرة، ودخلوا المجال العام بوسائل مشروعة.

وفي السعودية، وغيرِها، نماذج لعلماء وأصحاب رأي حُوسِبوا على مواقف فكرية أو اجتهادات شرعية، لا على جرائم، في مشهدٍ يتكرر بأشكال مختلفة، لكن بمنطق واحد: الخوف من الفكرة حين تتحول إلى وعي عام.

بهذا المعنى، يصبح السجن مرحلة من مراحل تجربة الأفكار، لا نهايتها. فالفكرة التي تبدأ في حلقات العلم، وتُختبَر في المنفى، وتُجرَّب في السياسة، قد تنتهي -مؤقتا- في الزنزانة، لكنها لا تموت هناك. السجن هنا ليس ردّا علميا على اجتهاد، ولا تقييما موضوعيا لتجربة، بل إعلان عجزٍ عن إدارة الخلاف.

بدون شك ليس المقصود تمجيد الأشخاص، ولا تحويل التجارب إلى أيقونات معصومة، فكل تجربة بشرية قابلة للمراجعة والنقد والتطوير، لكن ما يجري في الإقليم منذ سنوات طويلة هو محاكمة للأفكار لا للأخطاء، وتجريم لمسارٍ اختار السلم والمؤسسات بدل الفوضى والصدام، فمن الزيتونة إلى السجن، تتلخّص الحكاية: فكرةٌ خرجت من العلم، ودخلت معترك الواقع، فدُفِعت ثمن جرأتها. وهكذا يصبح الغنوشي رمزا لا لشخصه، بل لمسارٍ فكريٍّ وسياسيٍّ كامل، لا يزال مفتوحا على السؤال الأكبر: هل تُدار خلافات الأمة بالعقل والاجتهاد، أم بالقيد والإقصاء؟.. سؤالٌ لم يُجِب عنه السجن يوما، ولن يُجيب.

الخلاصة:

الدين رسالةُ تحريرٍ لا أداة قهر، والإصلاح يبدأ من الإنسان قبل أن يصل إلى الدولة. هنا تَربّى المشروع: علمٌ، وهوية، ومسؤولية تجاه المجتمع. الصدام مع الواقع السياسي ليس مغامرة، بل اختبارا عمليا للفكرة.

المنفى لم يكن قطيعة، بل مرحلة نُضج، وفيه تحوّلت الرؤية من خطابٍ دعويٍّ عام إلى تصوّرٍ سياسيٍّ إصلاحي يحاول أن يُنزل القيم الإسلامية في ساحة الدولة الحديثة، عبر المؤسسات، والدساتير، والبرلمانات.

إن اعتقال الغنوشي الرجل -الهادئ الوديع.. العملاق الودود- بعد مسيرته الطويلة في الكفاح يطرح على شعوبنا وعلى نخبنا السياسية في عالمنا العربي السؤال الكبير: ألا يوجد طريق للخلاص من الاستبداد والفساد في بلادنا عبر حوار ديمقراطي مجتمعي ونضال سياسي رشيد؟

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه قضايا وآراء فكرة تونس الغنوشي سجنه تونس سجن الغنوشي فكر اسلامي قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء مقالات مقالات مقالات مقالات مقالات مقالات مقالات سياسة صحافة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة

إقرأ أيضاً:

القيادة الأمريكية: الناقلة التي عطلتها قواتنا كانت ترفع علم بوتسوانا

قالت القيادة المركزية الأمريكية، منذ قليل، أن الناقلة التي عطلتها قواتها كانت ترفع علم بوتسوانا ولم تمتثل للتوجيهات، موضحة أن إحدى طائراتهم عطلت الناقلة بصاروخ هيلفاير استهدف غرفة المحركات، وفقا للقاهرة الإخبارية.

عاجل.. سماع دوي انفجارات في منطقة جزيرة قشم بإيران وزير خارجية إيران يبحث مع نظيره السعودي آخر المسارات الدبلوماسية لخفض التوتر

إقرأ أيضا..رئيس لبنان: دماء شهداء الجيش والقوى المسلحة اللبنانية لن تكون موضع مساومة

وفي وقت سابق، قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، اليوم الثلاثاء، إن إيران تناقش جوانب في ملفها النووي كانت ترفض التطرق إليها، مُشددًا على أن الولايات المتحدة لن تسمح بأية طموحات نووية إيرانية.

واضاف روبيو - خلال الإدلاء بشهادته أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ - أن هذا التطور يمثل فرصة جديدة للمفاوضات، مشيرًا إلى أن إيران باتت الآن مستعدة للخوض في قضايا كانت تُعتبر من المحظورات قبل أشهر قليلة.

وأشار إلى أن الانقسامات الداخلية في الحكومة الإيرانية أبطأت العملية، حيث تستغرق الردود أياماً في كثير من الأحيان.

وأعرب روبيو عن أمله في إعادة فتح مضيق هرمز، وأن يتمكن الجانبان من التوجه نحو مفاوضات مركزة على قضايا محددة، بهدف التوصل إلى اتفاق مقبول للطرفين.

وقال روبيو إن هناك دلائل تشير إلى أن المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي يشارك بشكل متزايد على مستوى ما في المفاوضات.

وأضاف أن الشرط الأول في المحادثات مع إيران هو فتحها لمضيق هرمز، مشيرًا إلى أن طهران لن تحصل على تخفيف للعقوبات لمجرد فتح مضيق هرمز، وأن أي تخفيف للعقوبات سيكون مشروطاً.

فيما جاء الرئيس اللبناني، جوزيف عون، تأكيده أن دماء شهداء الجيش والقوى المسلحة اللبنانية لن تكون موضع مساومة مهما كانت الظروف أو المواقف، مشدداً على التزامه بحماية حقوق الشهداء وعائلاتهم وصون التضحيات التي قدموها دفاعاً عن لبنان.

هذا خلال استقبال الرئيس اللبناني، وفداً ضم ممثلين عن أهالي شهداء الجيش اللبناني في أحداث عبرا، حيث نقل أعضاء الوفد موقفهم من المداولات النيابية الجارية بشأن اقتراح قانون العفو وخفض العقوبات، معربين عن تخوفهم من إقرار أي نص قانوني يكون على حساب دماء الشهداء.


وأشاروا إلى أنهم أجروا اتصالات مع عدد من النواب ولاقوا تجاوباً من بعضهم، مؤكدين ثقتهم بأن الرئيس عون سيواصل الدفاع عن حقوق العسكريين الشهداء وفاءً لتضحياتهم.


وأوضح عون موقفه من الاقتراح المتداول، مشيراً إلى أنه ليس قانون عفو بالمعنى الفعلي، بل يندرج عملياً ضمن إطار خفض العقوبات. 

وشدد على أنه لن يوافق على أي صيغة قانونية تشمل مرتكبي جرائم قتل المدنيين أو العسكريين، مؤكداً أنه سيستخدم صلاحياته الدستورية في كل ما يتعلق بهذا الملف.

مقالات مشابهة

  • القيادة الأمريكية: الناقلة التي عطلتها قواتنا كانت ترفع علم بوتسوانا
  • الجهاز السري للنهضة .. القضاء التونسي يحكم على راشد الغنوشي بالسجن المؤبد
  • حكم جديد بالمؤبد مع السجن 30 سنة في حق زعيم حركة النهضة التونسية راشد الغنوشي
  • الحكم بسجن راشد الغنوشي 106 سنة ومدى الحياة في تونس
  • السجن مدى الحياة لراشد الغنوشي في قضية الجهاز السري لحركة النهضة
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • مكتبة محمد بن راشد تنظم برنامجاً ثقافياً ومعرفياً يحتفي بالأسرة والإبداع
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • 15 يوما جديدا خلف القضبان.. تجديد حبس فتاة تيك توك بشرم الشيخ
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش