أنور الخنجري

alkhanjarianwar@gmail.com

 

 

تتزايد في الآونة الأخيرة النقاشات حول منفعة كبار السن، في ظل ما يُتداول عن توجهات محتملة لإعادة تنظيمها أو تعديل آليات استحقاقها، وهو نقاش مشروع يتجاوز هذه المنفعة بعينها ليطرح سؤالًا أوسع: كيف نوازن بين الاستدامة المالية والعدالة الاجتماعية؟ وهل يكفي ربط الدعم بالدخل دون النظر إلى واقع المعيشة المتغير؟

من حيث المبدأ، يُعد ربط منفعة كبار السن بالدخل خطوة منسجمة مع التوجهات العالمية الحديثة في نظم الحماية الاجتماعية؛ فمع ارتفاع متوسط الأعمار وتزايد أعداد المستفيدين، لم تعد معظم الدول- بما فيها المتقدمة- قادرة على الاستمرار في تقديم دعم شامل غير موجه.

وعليه، فإن الإشكال لا يكمن في مبدأ التعديل بحد ذاته، بقدر ما يكمن في طريقة تطبيقه. والتطبيق العملي لأي سياسة اجتماعية هو ما يحدد أثرها الحقيقي، والانتقال المفاجئ من الاستحقاق إلى القطع الكامل عند حد دخل مُعين يخلق فجوة حادة، ويُوَلِّد شعورًا بالأسى حتى لدى من يتفهم منطق الدولة المالي. هذه الفجوة لا تُضعف القبول المجتمعي فحسب؛ بل قد تقوِّض الهدف الأساسي للسياسة نفسها، ذلك أن السياسات الاجتماعية، حين تُعدَّل، لا تمس أرقامًا في الموازنة فقط، بل تمس شعور الأمان لدى فئات لا تملك هامشًا كبيرًا للتكيّف، وفي مقدمتها كبار السن والمتقاعدون. فالمتقاعد، عندما يطّلع على أخبار تعديل المنافع وشروط استحقاقها، لا يتعامل معها كملف اقتصادي مجرد، بل كسؤال شخصي مباشر: هل سأبقى قادرًا على العيش بكرامة واستقرار؟

ومن هذا المنطلق، يدرك كثير من كبار السن والمتقاعدين أن السلطنة تمر بمرحلة انتقالية طبيعية نحو نموذج اقتصادي أكثر استدامة، وأقل اعتمادًا على النفط وعلى الإنفاق الاجتماعي الواسع. ويدركون كذلك أن ربط بعض المنافع بالدخل يهدف إلى توجيه الدعم لمن هم أكثر حاجة، وهو توجه مفهوم ومطلوب في جوهره. ومن هذا الفهم نفسه تنبع الحاجة إلى مقاربة أكثر شمولًا. فنجاح أي سياسة إصلاحية لا يُقاس بتوازن الأرقام فقط، بل بقدرتها على الحفاظ على الثقة الاجتماعية؛ فكبار السن والمتقاعدون، بحكم طبيعة هذه المرحلة، لا يملكون ترف الوقت ولا القدرة على إعادة ترتيب حياتهم من جديد، وأي سياسة تمسهم يجب أن تُصاغ بمنطق يحفظ كرامتهم قبل أن يحسب تكلفتهم. ومن هنا تبرز أهمية النظر إلى المتقاعد وكبير السن من زاوية القدرة الفعلية على المعيشة، لا من زاوية الدخل الشهري فقط. فالدخل الثابت قد يبدو كافيًا نظريًا، لكنه لا يعكس دائمًا واقع الالتزامات، خاصة مع ارتفاع تكاليف المعيشة والخدمات، وثبات المعاشات لسنوات طويلة دون مُراجعة.

ويقود هذا الواقع بطبيعة الحال إلى ملف آخر لا يقل أهمية، وهو ملف الزيادة السنوية في معاشات المتقاعدين. ففي الوقت الذي ترتفع فيه تكاليف المعيشة تدريجيًا، بقيت معاشات كثير من المتقاعدين ثابتة لسنوات طويلة. ومع غياب آلية واضحة للزيادة الدورية المرتبطة بالتضخم، تتآكل القوة الشرائية لهذه المعاشات عامًا بعد عام. وهنا تظهر مفارقة لافتة؛ فقد يُعد متقاعد بدخل مُعين غير مستحق لمنفعة كبار السن، بينما هو في الواقع يواجه ضغوطًا معيشية متزايدة بسبب ثبات معاشه؛ بل إن تطبيق زيادة سنوية محدودة بنسبة 1% فقط- كما بدأ منذ العام الماضي- قد يؤدي تدريجيًا إلى تقليص فرص الاستحقاق للمنفعة، دون أن يعكس تحسنًا حقيقيًا في مستوى المعيشة.

وإذا كان التوجه العام هو ترشيد الدعم النقدي، فإنَّ البديل المنطقي يتمثل في تقديم امتيازات واقعية ومباشرة للمتقاعدين وكبار السن، وهي امتيازات يمكن تطبيق كثير منها دون أعباء مالية كبيرة على الدولة. من ذلك، على سبيل المثال، تعزيز الرعاية الصحية لكبار السن، خصوصًا فيما يتعلق بالأمراض المزمنة والأدوية طويلة الأمد، وتسهيل المواعيد الطبية وخدمات الإسعاف، ومنحهم أولوية في المؤسسات الصحية والحكومية. كما إن الإعفاء أو الإعفاء الجزئي من بعض الرسوم الحكومية- مثل تجديد المركبات والتراخيص والخدمات البلدية ومأذونيات العمل للمهن المساعدة- إضافة إلى دعم أو تثبيت كلفة الخدمات الأساسية كالكهرباء والمياه ضمن شرائح استهلاك محددة، وتوفير تسهيلات في النقل وتذاكر الطيران والخدمات العامة، وتفعيل البرامج الاجتماعية لكبار السن، مثل المراكز النهارية والأنشطة الصحية والاجتماعية، كلها امتيازات مستحقة ذات أثر مباشر على جودة الحياة.

هذه الامتيازات لا تمثل رفاهًا إضافيًا؛ بل تعويضًا عادلًا عن تقليص الدعم النقدي، ورسالة واضحة بأن الدولة ما زالت حاضرة في حياة المتقاعد، ولكن بصيغة أكثر استدامة. ويزداد هذا الأثر إيجابية إذا ما وُضعت آلية واضحة لمراجعة معاشات التقاعد على فترات زمنية معقولة تراعي التضخم والظروف الاقتصادية العامة.

وفي المُحصِّلة، ليس المطلوب العودة إلى دولة رفاه غير مستدامة، ولا تجاهل ضرورات الإصلاح المالي. المطلوب ببساطة إصلاح إنساني ذكي، إصلاح يضع الإنسان قبل الأرقام. ففي مرحلة التقاعد، لا يبحث الإنسان عن امتيازات استثنائية، بقدر ما يبحث عن الاستقرار. ولا يطلب وعودًا مفتوحة؛ بل سياسات واضحة يمكن الاعتماد عليها؛ فالإصلاح الناجح، من وجهة نظر المتقاعد، هو ذاك الذي يحفظ الكرامة، ويقلل القلق، ويجعل سنوات ما بعد العمل مرحلة أمان، لا مرحلة ترقّب.

المصدر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

رئيس جامعة العاصمة: التوسع في زراعة جميع المساحات الصالحة بالحرم الجامعي

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

أكد الدكتور السيد قنديل، رئيس جامعة العاصمة، أن الجامعة تمضي بخطوات متسارعة نحو تعزيز الاستدامة البيئية وتحقيق أهداف التنمية المستدامة، من خلال التوسع في زراعة جميع المساحات الصالحة للزراعة داخل الحرم الجامعي، وذلك عقب وضع حجر أساس الحديقة النباتية بالجامعة، والتي تمثل إضافة نوعية للبيئة التعليمية والبحثية والخدمية.

جاء ذلك خلال اجتماع مجلس الجامعة، الذي عقد بحضور الدكتور حسام رفاعي نائب رئيس الجامعة لشئون التعليم والطلاب، والدكتور عماد أبو الدهب نائب رئيس الجامعة للدراسات العليا والبحوث، والدكتور وليد السروجي نائب رئيس الجامعة لشئون خدمة المجتمع وتنمية البيئة، اللواء محمد أبو شقة أمين عام الجامعة، السادة عمداء الكليات، والسادة المستشارين، وأمناء الجامعة المساعدين.

وأوضح رئيس الجامعة أن الحديقة النباتية تمثل نموذجًا عمليًا لتكامل الأدوار التعليمية والبحثية والبيئية داخل الجامعة، مشيرًا إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد تنفيذ خطة شاملة لاستغلال كافة المناطق الصالحة للزراعة وزيادة الرقعة الخضراء بما يسهم في تحسين جودة البيئة الجامعية، وتعزيز الوعي البيئي لدى الطلاب وأسرة الجامعة.

الاستدامة والحفاظ على الموارد الطبيعية

وأضاف الدكتور السيد قنديل أن الجامعة تولي اهتمامًا كبيرًا بقضايا الاستدامة والحفاظ على الموارد الطبيعية، وتسعى إلى تحويل الحرم الجامعي إلى نموذج للجامعة الخضراء من خلال التوسع في المساحات المزروعة، وترشيد استهلاك الموارد، ودعم المبادرات البيئية التي يشارك فيها الطلاب وأعضاء هيئة التدريس والعاملون.

وأشار إلى أن هذه الجهود تأتي في إطار رؤية الجامعة الهادفة إلى توفير بيئة تعليمية وصحية جاذبة، تسهم في دعم العملية التعليمية والبحثية، وتحقق التوازن بين التنمية والتطوير والحفاظ على البيئة، بما يعزز مكانة الجامعة كإحدى المؤسسات التعليمية الرائدة في تبني الممارسات المستدامة.

وخلال الاجتماع، وجه رئيس الجامعة الشكر لجميع الجهات والإدارات المشاركة في تنفيذ وتطوير المشروعات البيئية داخل الجامعة، مؤكدًا استمرار العمل على تنفيذ المزيد من المبادرات التي تعزز من جودة الحياة الجامعية وترسخ ثقافة الاستدامة والمسؤولية البيئية.

مقالات مشابهة

  • «تنمية المجتمع» بدبي تُطلق تقريرها الثاني للاستدامة
  • “التنمية الأسرية” تستقبل حجاج الدولة من كبار المواطنين وأسرهم
  • تحترق المكتبات وترحل المرويات!
  • قرقاش: الدول العربية تدفع ثمن الطموح الإيراني الإقليمي المتضخم
  • حزب الوعي: مؤتمر العمل الدولي فرصة لتعزيز الحوار وتطوير الحماية الاجتماعية
  • إصابات وقرارات فنية وإخفاقات.. لماذا يغيب نجوم كبار عن مونديال 2026؟
  • مواطن وزوجته يفترشان الرصيف في وسط البلد بعمان.. وأسئلة حول دور الحماية الاجتماعية
  • رئيس جامعة العاصمة: التوسع في زراعة جميع المساحات الصالحة بالحرم الجامعي
  • رئيس جامعة العاصمة: التوسع في زراعة جميع المساحات الصالحة للزراعة
  • وزير الخارجية يتوجه إلى طوكيو لعقد لقاءات مع كبار المسؤولين