من أجل عُمان.. مسؤولية تتجدد في قلوب الطلبة
تاريخ النشر: 2nd, February 2026 GMT
د. علي بن سليمان الشعيلي
في ظلّ عالمٍ متغيرٍ تتسارع فيه التحولات التقنية والمعرفية، تبقى المدرسة العُمانية حجر الزاوية في صناعة الإنسان العُماني القادر على الجمع بين العلم والقيم، بين الإبداع والمسؤولية؛ فالرهان الحقيقي لعُمان اليوم ليس في الموارد الطبيعية فقط، بل في طلبتها الذين يُشكّلون رأس المال البشري والمعرفي لمستقبل الوطن، أولئك الذين تسعى رؤية "عُمان 2040" إلى إعدادهم ليكونوا مواطنين واعين، مؤمنين بدورهم في تحقيق التنمية المستدامة، ومبادرين في خدمة مجتمعهم ووطنهم.
وإدراكًا بأن المواطنة كانت ولا تزال من أولويات رؤية "عُمان 2040" وما تلاها من توجهات وطنية، جاءت الجهود التربوية والتعليمية لترسّخ هذه القيم في نفوس الناشئة، من خلال سياسات واستراتيجيات تستلهم من توجيهات القيادة الحكيمة. إذ أكّد حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- في خطابه السامي في فبراير 2020 على أن: «الاهتمام بالشباب أولوية وطنية، فهم عماد الحاضر وأمل المستقبل، وسنحرص على أن نوفر لهم البيئة الداعمة التي تمكّنهم من الإسهام الفاعل في مسيرة التنمية والبناء».
وهو تأكيدٌ سامٍ بأن بناء الإنسان العُماني وتمكينه هو الركيزة الأولى لمسيرة النهضة المتجددة، وهو ما تُترجمه الممارسات الميدانية والمؤسساتية في وزارة التربية والتعليم اليوم.
إنّ مفهوم المواطنة لم يعد مجرّد حفظٍ للنشيد الوطني أو رفعٍ للعلم صباح كل يوم دراسي، بل أصبح سلوكًا متجذرًا في الفكر والممارسة، يعكس الوعي العميق بالانتماء والمسؤولية. فالطالب الذي يحافظ على ممتلكات مدرسته، ويشارك في مشروعٍ بيئيّ، أو يتطوّع في مبادرة مجتمعية، هو مشروع مواطنٍ إيجابي يمارس الوطنية بأجمل صورها، ويجسّد القيم العُمانية الأصيلة في حياته اليومية، مستلهمًا في ذلك ما غرسته الأسرة والمدرسة من مبادئ الإخلاص، والاحترام، والتعاون، والعطاء.
وفي هذا الإطار، تتجلى مبادرات وطنية رائدة مثل مشروع "من أجل الوطن.. تفاعل إيجابي وشعور بالمسؤولية" الذي أطلقته وزارة التربية والتعليم، لتغرس في الطلبة الوعي بأهمية العمل الجماعي والمشاركة المجتمعية والتفكير الإيجابي. وتأتي هذه الجهود منسجمةً مع خطة الوزارة في تمكين الشباب والطلبة بمهارات المستقبل ضمن الخطة الخمسية العاشرة (2021- 2025)، التي أكدت على أهمية التحول نحو التعليم النوعي القائم على الابتكار والمعرفة الرقمية، وإعداد الطلبة للتعامل الواعي مع متطلبات الثورة الصناعية الرابعة، من خلال تنمية مهارات التفكير الناقد، والإبداع، والعمل بروح الفريق.
ومن ثمرات هذا التحول نحو التعليم النوعي فقد أثبت طلبتنا حضورهم المشرف في المحافل المحلية والدولية من خلال مشاركاتهم في معارض الابتكار ومشاريع الطاقة النظيفة، والأنشطة البيئية، والبرامج التطوعية التي تُجسّد روح العطاء والمسؤولية؛ فمن الجميل أن نرى الطالب اليوم يتحدث بلغةٍ وطنيةٍ مسؤولة، يدرك أن حماية البيئة واجبٌ وطني وعالمي، وأن الالتزام بالنظام المدرسي واحترام الوقت صورة من صور احترام القانون والانتماء للوطن. فكل سلوك إيجابي يصدر من الطالب هو لبنة في بناء هوية وطنية أصيلة.
ولا يمكن أن نغفل دور المعلّم في هذه المنظومة؛ فهو القدوة والموجّه وصانع الأثر الذي يغرس في طلابه حبّ الوطن عبر ممارساتٍ متنوعة داخل المدرسة وخارجها. كما أن الأسرة هي الشريك الأول في تعزيز روح الانتماء، من خلال غرس القيم السامية كالصدق، والإخلاص، والتعاون، وتشجيع الأبناء على تحمّل المسؤولية منذ الصغر؛ إذ إنّ التناغم بين البيت والمدرسة والمجتمع يشكّل الأساس المتين لبناء مواطنٍ صالحٍ يعتزّ بهويته وينفتح على العالم بثقة ووعي ومسؤولية.
وفي كل صباحٍ دراسيّ، حين يُردّد الطلبة النشيد الوطني في ساحة المدرسة، فإنهم لا يُنشدون كلماتٍ فحسب؛ بل يُجددون عهدهم بالولاء والانتماء لعُمان وقائدها المفدّى حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- مؤكدين أن حبّ الوطن ليس قولًا يُردّد؛ بل ممارسة وسلوكٌ يوميّ يُترجم بالعمل والاجتهاد.
طلبتنا الأعزاء، أنتم جيل النهضة المتجددة وسفراء المستقبل المشرق، فكونوا على قدر الأمانة التي يحملها علمُكم، واحملوا قيم وطنكم أينما كنتم. اجعلوا من أيامكم الدراسية مساحاتٍ للعطاء والتميز والإبداع، فبكم تُبنى الأوطان، وبكم تستمر مسيرة المجد والعزة لعُمان الخالدة. فهل أنتم مستعدون لتجديد العطاء كل يوم من أجل وطنكم؟ وهل ستجعلون من كل فكرةٍ ومبادرةٍ خطوة نحو مستقبلٍ تزهو به عُمان؟
** أخصائي مواطنة أول- وزارة التعليم
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.
الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.
في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.
وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.
والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.
إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.
نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.
فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.
ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟
بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟
سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..