صدى البلد:
2026-06-03@06:09:32 GMT

د. آية الهنداوي تكتب: قانون بلا روح و عدالة مفقودة

تاريخ النشر: 2nd, February 2026 GMT

لم يكن القانون في جوهره  مجرد مجموعة من النصوص الجامدة التي تُحفَظ في الكتب أو تُعلَّق على جدران المحاكم، بل وُجِد ليكون أداة لحماية الإنسان وضمان الحد الأدنى من الإنصاف والعدالة ، وصون كرامة الضعفاء قبل الأقوياء. 
غير أن التجربة اليومية في كثير من المجتمعات تكشف مفارقة مؤلمة فكلما ازداد حضور القانون شكلًا، تراجعت العدالة مضمونًا.


المشكلة لا تكمن دائمًا في غياب القوانين، بل في تحوّلها إلى نصوص بلا روح تُطبَّق حرفيًا دون مراعاة للغرض الذي شُرِّعت من أجله. عند هذه النقطة لا يعود القانون حارسًا للعدالة، بل قد يتحوّل – في بعض الحالات – إلى أداة تُشرعن الظلم بدلًا من أن تمنعه.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي منظومة قانونية هو انفصالها عن الحسّ الأخلاقي والبعد الإنساني. فالقانون مهما بدا منضبطًا ودقيقًا لا يكتسب شرعيته الحقيقية من صيغته اللغوية، بل من قدرته على تحقيق الإنصاف. وحين يُستخدم النص القانوني لتبرير التمييز، أو لإقصاء الفئات الأضعف، فإننا نكون أمام قانون قائم، لكن عدالة غائبة بل ومفقودة.
وكثيرًا ما نسمع العبارة الشهيرة: «القانون لا يَظلِم، وإنما يُساء تطبيقه». غير أن الواقع يثبت أن بعض القوانين بصيغتها نفسها تحمل داخلها بذور الظلم، إما لأنها صيغت لخدمة فئة دون أخرى، أو لأنها تجاهلت السياق الإجتماعي والإنساني الذي يُفترض أن تُطبَّق فيه. فالقانون الذي لا يرى الفوارق الواقعية بين الناس ولا يعترف بظروفهم يتحوّل إلى أداة قاسية تُساوي بين غير المتساوين وتُنتج ظلمًا مقنَّعًا بشرعية قانونية.
وتزداد الأزمة تعقيدًا حين يصبح الإلتزام الحرفي بالنص أهم من تحقيق العدالة ذاتها. 
هنا، يُختزل دور القاضي أو رجل القانون في تنفيذ النص، لا في إعمال روحه. ويصبح السؤال الأخلاقي: هل هذا عادل؟! ومع الوقت، يفقد الناس ثقتهم في القانون، لا لأنه غائب، بل لأنه حاضر بطريقة لا تخدمهم.
إن العدالة ليست نقيض القانون، لكنها أيضًا ليست مرادفًا له بالضرورة. العدالة قيمة أوسع تتطلب ضميرًا حيًا، وإرادة إنصاف وقدرة على الموازنة بين النص والواقع. 
أما القانون بلا روح فهو نظام يضبط المجتمع ظاهريًا، لكنه يفرغه من الإحساس بالإنصاف ويحوّل العدالة إلى شعار لا إلى ممارسة.
ولعل أخطر نتائج هذا الإنفصال بين القانون والعدالة هو شعور المواطن بأن القانون لم يعد ملجأه الأخير، بل عبئًا إضافيًا عليه. حينها، لا يُنظر إلى القانون باعتباره حماية، بل باعتباره أداة قهر مغلَّفة بالشرعية. وهذا الشعور إن ترسّخ، يهدد أسس الثقة بين الفرد والدولة ويقوّض فكرة سيادة القانون من جذورها.
إن إعادة الإعتبار للعدالة لا تعني الفوضى ولا تجاوز القانون، بل تعني إعادة ضخّ الروح في النصوص وربطها بالمقصد الذي وُجدت من أجله. وتعني أيضا أن يكون القانون في خدمة الإنسان، لا الإنسان في خدمة القانون. وأن يكون النص وسيلة للإنصاف، لا غاية تُبرِّر أي نتيجة.
في النهاية، لا تُقاس قوة القوانين بعدد موادها ولا بصرامة لغتها، بل بقدرتها على تحقيق العدل. فحين يفقد القانون روحه لا يبقى منه سوى شكل فارغ، وحينها فقط ندرك أن العدالة ليست مفقودة لأن القانون غائب، بل لأنها أُقصيت من داخله.
 

طباعة شارك القانون المحاكم الإنصاف العدالة

المصدر

المصدر: صدى البلد

كلمات دلالية: القانون المحاكم الإنصاف العدالة

إقرأ أيضاً:

ست سنوات على اغتيال القعيطي.. أسئلة العدالة لا تزال بلا إجابة

في الذكرى السادسة لاغتيال المصور الحربي نبيل القعيطي، تعود القضية إلى دائرة الضوء من جديد وسط استمرار غياب نتائج قضائية معلنة، وتزايد الدعوات المطالِبة بإعادة فتح ملف الاغتيال وتشكيل لجنة تحقيق مستقلة قادرة على كشف ملابسات الحادثة وتحديد المسؤولين عنها، في وقت لا تزال فيه قضايا استهداف الصحفيين في اليمن تُصنَّف ضمن الملفات العالقة التي لم تصل إلى العدالة النهائية وفق تقارير حقوقية دولية.

واغتال مسلحون مجهولون المصور الحربي القعيطي، في الثاني من يونيو من العام 2020، حيث نصب المسلحين كمينًا للمصور فور خروجه من منزل في مديرية دارسعد، شمال العاصمة عدن، حيث فتح المهاجمين النار على المصور ما أسفر عن مقتله على الفور، وتمكن الجناة من الفرار.

وتشير منظمات معنية بحرية الصحافة إلى أن اليمن يُعد من أخطر البيئات على الصحفيين خلال سنوات الصراع، مع استمرار ظاهرة الإفلات من العقاب في عدد من القضايا المرتبطة بعمليات اغتيال أو استهداف إعلاميين، وهو ما يعزز المطالب المحلية والدولية بضرورة فتح تحقيقات شفافة ومستقلة لضمان عدم طي مثل هذه الملفات دون محاسبة.

وأكدت أسرة الشهيد أن مرور ست سنوات على اغتيال القعيطي لا يعني بأي حال انتهاء القضية أو سقوط الحق القانوني والأخلاقي في ملاحقتها، بل يمثل—بحسب تعبيرها—دافعًا إضافيًا لإعادة فتح الملف بشكل جاد. وشددت الأسرة على أن غياب أي إعلان رسمي يوضح نتائج التحقيقات السابقة يثير تساؤلات مستمرة حول مسار القضية وأسباب تعثرها.

وقال فتحي القعيطي، شقيق الشهيد، إن الأسرة لا تزال متمسكة بمطلبها الأساسي المتمثل في كشف الحقيقة كاملة دون انتقائية، مؤكدًا أن العدالة لا تتحقق إلا عبر إجراءات شفافة تؤدي إلى محاسبة كل من يثبت تورطه أو تقصيره في الوصول إلى الجناة.

وناشدت الأسرة القائد أبو زرعة المحرمي، والفريق الركن محمود الصبيحي، ومحافظ العاصمة المؤقتة عدن، التدخل لتشكيل لجنة أمنية مستقلة ومحايدة تتولى إعادة فتح التحقيق، ومراجعة الإجراءات السابقة، والعمل على تتبع أي خيوط قد تقود إلى كشف الجريمة.

كما طالبت الأسرة بمساءلة الجهات التي كانت ضمن مسار التحقيق أو أشرفت عليه في مراحل سابقة، معتبرة أن تعطيل الوصول إلى نتائج واضحة أو إغلاق الملف دون محاكمة يمثل خللًا خطيرًا في مسار العدالة.

واستحضر صحفيون وإعلاميون المسيرة المهنية لـنبيل القعيطي، مؤكدين أنه كان أحد أبرز المصورين الحربيين الذين وثقوا أحداث الحرب والصراع في العاصمة عدن ومناطق أخرى، عبر تغطيات ميدانية من خطوط تماس وأماكن شديدة الخطورة.

ويرى إعلاميون أن اغتياله لم يكن حدثًا فرديًا معزولًا، بل جزءًا من سلسلة استهداف طالت صحفيين خلال سنوات الحرب، ما انعكس على بيئة العمل الإعلامي ورفع منسوب المخاطر التي يواجهها العاملون في المجال الصحفي أثناء تغطية الأحداث الميدانية.

وتؤكد تقارير دولية أن استهداف الصحفيين في مناطق النزاع غالبًا ما يرتبط بغياب المساءلة، وهو ما يؤدي إلى ترسيخ حالة الإفلات من العقاب ويشجع على تكرار الانتهاكات بحق الإعلاميين.

وقال الصحفي صالح حقروص إن القعيطي كان شاهدًا ميدانيًا على مرحلة حساسة من تاريخ الجنوب، مشيرًا إلى أن استمرار قضايا اغتيال الصحفيين دون محاسبة يشكل تهديدًا مباشرًا لحرية الصحافة، ويضعف ثقة المجتمع في قدرة العدالة على إنصاف الضحايا.

من جانبه، أكد الإعلامي محمد باحميل أن القعيطي سيبقى رمزًا للصحافة الحرة، موضحًا أن إرثه المصور لا يزال حاضرًا في الذاكرة الإعلامية باعتباره وثيقة بصرية لمرحلة معقدة من الصراع.

أما الصحفي فتاح المحرمي، فاعتبر أن قضية القعيطي لا تزال تمثل اختبارًا حقيقيًا لمفهوم العدالة، مشددًا على أن إنصافه لا يقتصر على أسرته، بل يشمل المجتمع ككل باعتبار أن استهداف الصحفيين يمس الحق العام في المعرفة وحرية الوصول إلى المعلومات.

وتجدد ذكرى اغتيال نبيل القعيطي كل عام نقاشًا واسعًا حول ملف الإفلات من العقاب في قضايا استهداف الصحفيين في اليمن، وسط دعوات متكررة لفتح تحقيقات شفافة ومستقلة، وإعادة الاعتبار للضحايا، وضمان عدم تحول هذه القضايا إلى ملفات مغلقة دون نتائج.

ويرى مراقبون أن استمرار غياب العدالة في مثل هذه القضايا لا يقتصر أثره على أسر الضحايا فحسب، بل ينعكس على كامل المشهد الإعلامي، ويحد من قدرة الصحفيين على أداء مهامهم بحرية وأمان.

مقالات مشابهة

  • من 30% إلى 50%.. كيف غيّر النواب نطاق تطبيق قانون أرباح الشركات الحكومية؟
  • هند عصام تكتب : الملك سوبك إم ساف الثاني
  • نجاة عبد الرحمن تكتب : أم صلاح والحارة الضيقة
  • د. أمل منصور تكتب : الأمان والونس والعفوية .. الثالوث الذي يحفظ الحب حيًا
  • خلافات متصاعدة حول قانون الأحوال الشخصية قبل إقراره
  • ست سنوات على اغتيال القعيطي.. أسئلة العدالة لا تزال بلا إجابة
  • مشروع قانون لاستبدال ضريبة الأرباح الرأسمالية بدمغة نسبية | تفاصيل
  • “اقتصادية الشيوخ” توافق على مشروع قانون خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية
  • الكنيست الإسرائيلي يصادق بالقراءة الأولى على حل نفسه
  • أفضل 7 تطبيقات احترافية لتنزيل الفيديو لهواتف سامسونج في 2026