القوة الناعمة.. استثمار في مستقبل الإنسانية
تاريخ النشر: 3rd, February 2026 GMT
هدى إبراهيم الخميس
في أواخر القرن الماضي، صاغَ جوزيف ناي، الأستاذ في جامعة هارفارد، مصطلح «القوة الناعمة»، موضحاً أهميتها القصوى في قوله: «المصداقية هي أندر الموارد، ففي عصرنا هذا، ليس المهم أي جيش ينتصر، بل أي رواية تنتصر».
وإنّه لَمِنْ مصادر اعتزازنا أن تُحافظَ دولتنا الحبيبة، الإمارات العربية المتحدة، للعام الرابع على التوالي، على موقعها المتقدم، ضمن قائمة أقوى عشر دول عالمياً في مؤشر القوة الناعمة لعام 2026 من المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس.
وكما أنّ الحدودَ ليست الأرض، وإن كانت تشيرُ إليها، فإنّ هذا الاستحقاق يجسّد رؤية الإمارات ودورها بتجاوز كلّ الحدود، وهي تربط العالم معاً بالقيم والشراكات، والعمل من أجل الإنسانية، حيثُ جاء نتيجة لتقييم واسع من 193 دولة بمشاركة أكثر من 150 ألف شخصية من قيادات الأعمال وصنّاع السياسات والنخب المجتمعية، وهذا ما يعكسُ قوّتنا الناعمة بما تشيرُ إليه من عطاءٍ وتنميةٍ وتأثير، في إنجازٍ يمثّل نموذج الإمارات التنموي القائم على قيم التسامح والسلام، والانفتاح، حيث احتلت الدولة المركز الثاني في مؤشر العطاء، والثالث في مؤشر التنمية، والثامن في مؤشر التأثير.
حافظت دولتُنا منذ التأسيس، على قوّتها الناعمة، بقيم العطاء والانفتاح التي أرسى دعائمها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، وبقيادة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، يتعمّق الحضور الإماراتي تتويجاً لخمسة عقودٍ من البناء والإنجاز والعمل المتواصل في سبيل ترسيخ مكانة الدولة وريادتها عالمياً بروابط الثقة والاحترام المتبادل، وتعزيز مكانة دولة الإمارات، بالعطاء، والنّماء وقوة التأثير، إنها ثلاثية نجاح الإمارات في ظلِّ التراجع العام الذي تشهدهُ غالبية الدول، وهي لَبِنَةُ تقدير العالم لمنظومتها الملهمة في جميع المجالات: اقتصادياً، اجتماعياً وثقافياً.
في عالمٍ أصبح أكثر تشتتاً وتقلُّباً لاعتبارات القوة والعوامل الجيوسياسية، ها هي الإمارات تؤكّد من جديد على أهمية القوّة الناعمة التي تتخطّى بها كلّ المعوّقات لتحقيق الأهداف السامية، خدمةً للإنسانية، وبناء جسور التواصل، في لقاء فكرٍ ووجدان، وروابط وجود. وها هي توطّدُ شراكاتٍ مستدامةً مبنية على ثقافة القيم، والسردية التي تجمعنا، ضمنَ منظومةٍ متكاملةٍ لقوّتنا الناعمة وشراكاتنا الدولية، بما تتّسمُ به من المصداقية والرؤية والنّقاء. يتجلى كلُّ ذلك في منجزنا، وتأثيرنا، ودبلوماسيّتنا الثقافية التي تزدهر بعلاقةِ ثقةٍ عابرةٍ الحدود، بمرونةٍ وإرثٍ راسخٍ لا يتزعزع.
تشارك الإماراتُ العالمَ سرديّتَها، تروي قصصها، عبر الموسيقى والفنون بكلِّ مدارسها، وتبني جمالاً، تأسرُ خيالاً، تعزّز الإبداع وتؤسّسُ فرصاً للتعاون، لأجل نهضةٍ عالميةٍ وتاريخٍ جديدٍ للحضارة. بحكمة الثقافةِ، نبني جسوراً للتواصل لا تنقطعُ، مساحةً تجمعُنا مهما كانت الظروف، وضمانةَ استدامةٍ مهما تقلّبت الموازين، وإرادةَ تضامُنٍ ومحبةٍ وتقديرٍ لا تنكسر.
تكمنُ قدرةَ القوة الناعمة في خدمة الإنسان أولا، بلا مصالح ولا غايات، بكلِّ شفافيةٍ وتفانٍ. إنها تُراكِمُ بصبرٍ، وتبني بالعزم والإصرار، والحضور المؤثّر بأقصى الموارد المتوفّرة والإمكانيات المتاحة، ثقافياً، اقتصادياً وتنموياً.
تتجلّى القوة الناعمة في شفافيّتها ونقائها، لأجلِ رفاه الإنسان، تُعطي من أجل العطاء، تنتجُ لأجلِ الإنتاج، تبني لأجل البناء، دونَ أيةِ مصالحَ أو غايات، تنتج الفنَّ من أجل الفنِّ ذاته، تبني الاقتصاد من أجل الاقتصاد ذاته، تحفّزُ التنمية لأجل التنمية نفسها، إرثاً يتركُ أثراً باقياً، يجمعُ الناس بصدق، ويبني سرديةً خالدةً.
هذه هي مكانة ومسيرة الإمارات، وهذه هي ثقافتنا، ثقافةُ قوّتنا الناعمة، الاستثمار في المستقبل، نداءَ محبةٍ وسلام وحوار مع العالم.
ستبقى قوّة الإمارات الناعمة، مبنيةً على الجهود المتواصلة والكفاح المستمر والتضامن الرائد، أفراداً ومؤسساتٍ، فنانينَ ومبدعينَ، في قنوات حوار مفتوحةٍ ومتجدّدةٍ، تخلق مساحات أُلفةٍ مشتركة تتجاوز اللغة والجغرافيا، بفكرٍ وحداثةٍ وتطوّر.
قوّةُ الإمارات الناعمة حكمةٌ واعية والتزامٌ جاد، جهدٌ صبور وريادةُ عطاء، استثمارٌ في مستقبل الإنسانية.
مؤسس مجموعة أبوظبي للثقافة والفنون، المؤسس والمدير الفني لمهرجان أبوظبي أخبار ذات صلة
المصدر
المصدر: صحيفة الاتحاد
كلمات دلالية: القوة الناعمة هدى إبراهيم الخميس الإمارات هدى الخميس مجموعة أبوظبي للثقافة والفنون مهرجان أبوظبي مؤشر القوة الناعمة القوة الناعمة ة الإمارات ة الناعمة فی مؤشر من أجل
إقرأ أيضاً:
ستارمر يهاجم إرث المحافظين السكني ويعلن أكبر استثمار حكومي لبناء المنازل
تعهد رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، بإطلاق أكبر برنامج لبناء المساكن الاجتماعية والميسّرة في بريطانيا منذ عقود، متعهدا بمعالجة ما وصفه بـ"الأزمة السكنية العميقة" التي خلفتها سنوات حكم حزب المحافظين.
وفي مقال نشره الاثنين، في صحيفة "الغارديان" أكد ستارمر أن حكومته ستضخ استثمارات قياسية بقيمة 39 مليار جنيه إسترليني في قطاع الإسكان الاجتماعي والميسر، ضمن خطة واسعة لإعادة تمكين السلطات المحلية من بناء المساكن وتخفيف الضغوط المتزايدة على ملايين الأسر البريطانية.
وقال رئيس الوزراء البريطاني إن المسكن ليس مجرد سقف يؤوي العائلات، بل يمثل "الأمان والاستقرار والأمل بمستقبل أفضل"، منتقدا ما اعتبره إخفاقا متراكما للحكومات المحافظة في معالجة أزمة السكن التي دفعت آلاف الأسر والأطفال إلى العيش في مساكن مؤقتة أو البقاء سنوات طويلة على قوائم الانتظار.
وأشار ستارمر إلى أن حكومته حققت خلال العام المالي 2024 ـ 2025 أعلى معدل لبناء المساكن البلدية في إنجلترا منذ نحو 40 عاما، حيث تم إنشاء أكثر من 10 آلاف منزل تابع للسلطات المحلية، إضافة إلى توفير نحو 65 ألف وحدة سكنية ميسّرة، من بينها أكثر من 12 ألف منزل للإيجار الاجتماعي، وهو أعلى رقم يسجل منذ أكثر من عقد.
وأكد أن حكومته تستهدف بناء 1.5 مليون منزل جديد خلال الدورة البرلمانية الحالية، معتبرا أن امتلاك المواطنين لمنازلهم الخاصة يمثل "أعلى درجات الأمان والاستقرار"، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن الإسكان الاجتماعي يظل ضرورة لا غنى عنها لملايين الأسر محدودة الدخل.
وتأتي تصريحات ستارمر في وقت تواجه فيه بريطانيا أزمة سكن متفاقمة، إذ تشير الأرقام الرسمية إلى وجود نحو 1.3 مليون أسرة على قوائم انتظار الإسكان الاجتماعي في إنجلترا، بينما يعيش أكثر من 175 ألف طفل في مساكن مؤقتة.
وانتقد رئيس الوزراء سياسة "الحق في الشراء" التي سمحت منذ ثمانينيات القرن الماضي ببيع أكثر من مليوني منزل اجتماعي للمستأجرين بأسعار مخفضة، معتبرا أنها أسهمت في استنزاف المخزون السكني العام دون تعويضه بمشروعات جديدة كافية.
وأوضح أن حكومته تعتزم تشديد شروط الاستفادة من هذه السياسة عبر رفع مدة الأهلية المطلوبة من عدة سنوات إلى عشر سنوات، إضافة إلى تقليص الخصومات الكبيرة التي كانت تمنح للمشترين، والتي بلغت في بعض الحالات أكثر من 136 ألف جنيه إسترليني في لندن.
كما أعلن أن المساكن الاجتماعية الجديدة ستُستثنى من نظام البيع لمدة 35 عاما، بهدف حماية المخزون السكني العام ومنع استمراره في التراجع.
وفي جانب آخر من الإصلاحات، كشف ستارمر عن إجراءات جديدة لحماية ضحايا العنف الأسري، من خلال منح الملاك صلاحيات قانونية لإخلاء المعتدين من المنازل بدلا من إجبار الضحايا على مغادرتها، واصفا الوضع الحالي بأنه "غير مقبول أخلاقيا".
واتهم رئيس الوزراء حزب المحافظين بشن "حرب أيديولوجية" طويلة ضد مفهوم الإسكان الاجتماعي، ما أدى إلى تفاقم أزمة السكن وحرمان أعداد كبيرة من الأسر من الاستقرار والأمان.
وختم ستارمر مقاله بالتأكيد أن حكومته تسعى إلى بناء "بريطانيا يكون لكل شخص فيها مكان خاص به يشعر فيه بالأمان ويملك فرصة للازدهار"، معتبرا أن توفير السكن اللائق يمثل أحد المرتكزات الأساسية لرؤية حزب العمال في الحكم.
ما السياق السياسي وراء مقال ستارمر؟
يأتي مقال رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في لحظة سياسية حساسة يواجه فيها حزب العمال ضغوطا متزايدة بسبب تراجع شعبيته في عدد من استطلاعات الرأي، وتنامي الانتقادات المتعلقة بارتفاع تكاليف المعيشة وأزمة السكن والخدمات العامة، رغم مرور نحو عامين على وصوله إلى السلطة بعد إنهاء 14 عاما من حكم المحافظين.
ويحاول ستارمر من خلال التركيز على ملف الإسكان إعادة توجيه النقاش السياسي نحو أحد الملفات التقليدية التي ارتبطت تاريخيا بهوية حزب العمال، والمتمثلة في العدالة الاجتماعية وتوفير الخدمات الأساسية للفئات المتوسطة والفقيرة. كما يسعى إلى إبراز الفارق بين حكومته وحكومات المحافظين المتعاقبة التي يتهمها بالتسبب في تفاقم أزمة السكن نتيجة تقليص الاستثمار العام وبيع أعداد كبيرة من المساكن الاجتماعية دون تعويضها.
ويأتي المقال أيضا بعد أسابيع من إعلان الحكومة البريطانية حزمة إصلاحات مثيرة للجدل في ملف الهجرة، شملت تشديد شروط الإقامة الدائمة وتقليص مسارات الهجرة القانونية، ما أثار انتقادات منظمات حقوقية ونواب داخل حزب العمال نفسه. ويهدف إبراز مشروع ضخم للإسكان الاجتماعي إلى طمأنة الناخبين التقليديين للحزب بأن الحكومة لا تزال ملتزمة بأجندتها الاجتماعية رغم تبنيها سياسات أكثر تشددا في ملفات أخرى.
كما يتزامن طرح هذه الخطة مع تصاعد نفوذ نايجل فرج وحزب الإصلاح في استطلاعات الرأي والانتخابات المحلية، حيث يركز اليمين الشعبوي على قضايا الهجرة والضغط على الخدمات العامة والإسكان. ولذلك يسعى ستارمر إلى تقديم رواية مضادة تقوم على أن أزمة السكن ليست نتيجة الهجرة فقط، كما يروج خصومه، بل هي حصيلة عقود من ضعف البناء والاستثمار العام، وأن الحل يكمن في زيادة المعروض السكني وإعادة بناء قطاع الإسكان الاجتماعي.
وفي هذا الإطار، لا يُنظر إلى المقال باعتباره مجرد عرض لسياسة إسكانية، بل كجزء من معركة سياسية أوسع يخوضها ستارمر لتثبيت هوية حكومته قبل الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، وإقناع الناخبين بأن حزب العمال قادر على تقديم حلول ملموسة لأزمات المعيشة والسكن التي باتت من أبرز التحديات التي تواجه المجتمع البريطاني.