حرب السيطرة الإعلامية علي خطاب العودة إلي السودان:
صرحت السيدة د. أماني الطويل بأن ما قالته بشأن طلب الحكومة السودانية من السلطات المصرية إعادة المواطنين السودانيين إلى بلادهم ليس حقيقةً موثقة ولا تملك مصادر تسندها. وأوضحت أن ادعاءها مجرد استنتاج توصلت إليه من سماعها مسؤولين سودانيين، بمن فيهم رئيس الوزراء، يطلبون من السودانيين العودة إلى السودان وصيام رمضان هناك.

لكن المشكلة تكمن في غرابة استنتاجها ، إذ يوجد تناقض صارخ ولا يمكن تفسير تشجيع مسؤولين سودانيين للمواطنين علي العودة وكأنه طلب من الحكومة المصرية لترحيلهم.

لا تملك الحكومة السودانية أي سلطة لإجبار أي سوداني على العودة، كما لا تملك سلطة إملاء ما يجب على الحكومة المصرية فعله بالسودانيين داخل حدودها. لذا، فإن القرار النهائي في هذه المسألة يعود للحكومة المصرية، وسياستها تجاه الأجانب مسؤوليتها الخاصة بغض النظر عن طلبات الحكومة السودانية.

للحكومة المصرية الحق السيادي في تنظيم وجود الأجانب داخل حدودها. هذا الحق طبيعي وله أهمية بالغة للحكومة المصرية ولشعبها، نظرًا لوجود عشرات الملايين من النازحين الأجانب من أفريقيا والشرق الأوسط، والذين استضافتهم مصر بسخاء لا مثيل له رغم التحديات الاقتصادية والمالية والأمنية الهائلة التي تواجهها، ورغم كثافتها السكانية المرتفعة للغاية.
بعد الإقرار بحق الحكومة المصرية السيادي في ضبط الوجود الأجنبي والحد من أي تداعيات سلبية، يمكن مناشدتها معاملة ضيوفها السودانيين بعناية خاصة، نظرًا لما يعانونه من ويلات الحرب، وعمق العلاقات بين شعبي وادي النيل.

لن يستغرب أي شخص مطلع على مصر أو السودان، أو العالم النامي عمومًا، أن تطبيق السياسة المصرية لا يستطيع أن يكون مثاليًا، وأن البعض قد يتعرض لمعاملة قاسية تماما كما يحدث لمصريين أحيانا. لكن كل هذا لن يغير حقيقة أن مصر كانت، بلا منازع، أكثر الدول كرمًا في استضافة الشعب السوداني قبل الحرب وبعدها. ورغم كل مشاكلها الاقتصادية، واكتظاظها السكاني الباهظ ، فقد استضافت أكثر من ستة ملايين سوداني، بمن فيهم أعداد كبيرة ممن عبروا الحدود بطريقة غير شرعية.

قارن هذا بإثيوبيا الشقيقة التي صعّبت على السودانيين الاستقرار داخل حدودها، وفرضت رسومًا قدرها مئة دولار شهريًا على كل سوداني يقيم في مدنها، ما يعني أن كل عائلة تدفع مئات أو آلاف الدولارات شهريًا للحكومة مقابل حق الإقامة. ناهيك عن أن السودان استضاف ملايين الإثيوبيين لسنوات طويلة خلال حروبها الأهلية التي لا تنتهي. فإذا كان المؤسس قد أشاد بإستضافة دولة الأمارات الشقيقة لربع مليون سوداني، فعليه يأن يشيد بمصر أربعة وعشرين ضعفا.

بغض النظر عن نوايا الأستاذة التي لا نعلم عنها شيئا ونفترض حسن النية، ما نجحت حادثة أماني الطويل في تحقيقه عمليا هو:
– تبرئة الحكومة المصرية من مسؤوليتها عن سياستها الأخيرة تجاه الشعب السوداني وتحويل اللوم إلي حكومة سودانية لا سلطة لها علي سيادة مصر.

– تصوير الحكومة السودانية، دون دليل، ككيان شرير وخبيث يفتقد المسؤولية ويُجبر مواطنيه على العودة إلى مناطق حرب وظروف معيشية خطيرة.

– تشويه إنتصار الشعب السوداني علي الجنجويد والغزاة الأجانب ، بتصوير ثمار هذا النصر – المتمثلة في عودة ملايين اللاجئين – على أنها مؤامرة من وحش قبيح لا يرحم يُجبر شعبه على العودة إلى معسكرات الموت. إذ أن إعادة صياغة العودة الطوعية للاجئين كمؤامرة قسرية من حكومة لا ترحم يدخل في الحرب الإعلامية بتأطير الأحداث وتحديد كنتورات تداولها في النقاش العام. هكذا تنجح العملية وتتحول العقول والقلوب من إنتصار شعب أعاد الحياة إلي أجزاء عزيزة من بلاده إلي حكومة ظالمة تفرض العودة قسرا إلي مزابل ومقابر.

كما قلنا سابقا، فان عودة الحياة إلي الخرطوم تزعج أحد أطراف النزاع فيحاول منعها بتكامل قصف المسيرات والقصف الإعلامي.
لكن الجانب الأكثر إثارة للدهشة في هذا النقاش هو القول بأنه لا ينبغي للمواطنين العودة إلى ديارهم إلا عندما تصبح الظروف شبه مثالية. يتجاهل هذا مبدأً أساسياً من مبادئ الصمود: العودة لإعادة البناء . لماذا ينتظر المواطن سلباً أن يعيد الآخرون بناء مدنه نيابةً عنه؟ ألا يمكن للمواطنين أن يعودوا طوعا لاستعادة أوطانهم وترميمها وإحيائها بأنفسهم؟
لماذا إحباط همة من يودون العودة طوعا بقصص لا تنتهي عن مخاطر هم يعلمونها جيدا ولا يحتاجون لخبير أجنبي أو أفندي سوداني ليذكرهم بها؟

الطبيعي أن يركز الحوار على دعم العودة المستدامة والطوعية في أمان وكرامة، وعلى الاعتراف بالسيادات المعقدة والكرم التاريخي ، بدلاً من تداول استنتاجات لا أساس لها لا تُسهم إلا في إثارة البلبلة والانقسام وتسميم العلاقة بين الشعوب.
معتصم اقرع معتصم اقرع

إنضم لقناة النيلين على واتساب

Promotion Content

أعشاب ونباتات           رجيم وأنظمة غذائية            لحوم وأسماك

2026/02/03 فيسبوك ‫X لينكدإن واتساب تيلقرام مشاركة عبر البريد طباعة مقالات ذات صلة إبراهيم شقلاوي يكتب: رسائل البرهان ومعاناة طاقم تأمينه2026/02/03 رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية2026/02/03 شهداء الطيران (1-3)2026/02/03 هل من عودة تاني، أم هي مستحيلة ؟2026/02/02 لا يا جعفر: هل تثبت صمود علي كلامها في قضية الكيماوي؟2026/02/02 إسحق أحمد فضل الله يكتب: (نحن وعالم الذئاب)2026/02/02شاهد أيضاً إغلاق رأي ومقالات إبراهيم شقلاوي يكتب: دلّعينا يا حكومة 2026/02/02

الحقوق محفوظة النيلين 2026بنود الاستخدامسياسة الخصوصيةروابطة مهمة فيسبوك ‫X ماسنجر ماسنجر واتساب إغلاق البحث عن: فيسبوك إغلاق بحث عن

المصدر

المصدر: موقع النيلين

كلمات دلالية: الحکومة السودانیة الحکومة المصریة العودة إلى

إقرأ أيضاً:

كاسيميرو يعلّق على نيمار: “ليس استثناءً.. ويجب التعامل معه خطوة بخطوة”

أكد لاعب خط وسط المنتخب البرازيلي كاسيميرو أن زميله في المنتخب نيمار دا سيلفا لا يجب أن يُعامل بطريقة مختلفة عن باقي اللاعبين داخل المنتخب، مشددًا على أهمية التركيز على مرحلة التعافي قبل العودة للمنافسة.

وجاءت تصريحات كاسيميرو خلال مؤتمر صحفي، حيث أبدى انزعاجه من تكرار الحديث الإعلامي عن نيمار في كل مناسبة، قائلًا: “في كل مرة نحضر فيها مؤتمرًا صحفيًا، يجب أن نتحدث عن نيمار، نيمار، نيمار”.

وأضاف لاعب الوسط البرازيلي أن نيمار، رغم قيمته الكبيرة، يظل جزءًا من منظومة الفريق وليس حالة خاصة، موضحًا: “أعتقد أن نيمار لاعب مثل أي لاعب آخر داخل المجموعة، هو أحد العناصر المهمة من بين 26 لاعبًا”.

وأشار كاسيميرو إلى الوضع الحالي لنيمار، الذي يمر بمرحلة التعافي من إصابة، مؤكدًا ضرورة منحه الوقت الكافي للعودة بشكل تدريجي دون استعجال.

وتابع: “هو لاعب يتعافى حاليًا من إصابة، ويركز على العودة إلى التدريبات أولًا، لذلك يجب أن تكون الأمور خطوة بخطوة: أولًا استعادة الصحة الكاملة، ثم التفكير في العودة ليكون لاعبًا مؤثرًا داخل الفريق”.

وتعكس تصريحات كاسيميرو رؤية الجهاز واللاعبين داخل المنتخب البرازيلي بشأن إدارة الحالة البدنية لنيمار، خصوصًا في ظل تكرار الإصابات التي أثرت على مسيرته في السنوات الأخيرة، سواء مع الأندية أو المنتخب.

ويُعد نيمار أحد أبرز نجوم الكرة البرازيلية في العقد الأخير، إلا أن الإصابات المتكررة قلصت من مشاركاته في فترات مهمة، ما يجعل ملف عودته للجاهزية الكاملة محل متابعة كبيرة من وسائل الإعلام والجماهير.

وتسعى البرازيل إلى تجهيز جميع عناصرها الأساسية بأفضل شكل ممكن قبل الاستحقاقات الدولية المقبلة، في ظل تطلعات كبيرة للعودة إلى منصات التتويج العالمية، مع الاعتماد على مزيج من الخبرة والشباب داخل القائمة.

مقالات مشابهة

  • المتحدث باسم الصليب الأحمر الدولي لـ «الاتحاد»: 33 مليون سوداني بحاجة إلى مساعدات في مجالات الرعاية والحماية
  • أحمد خطاب يوقــع على عقـود تدريبه لغزل المحلة
  • كاسيميرو يعلّق على نيمار: “ليس استثناءً.. ويجب التعامل معه خطوة بخطوة”
  • الدبلوماسية والحرب الإعلامية
  • رهاب العلمانية!
  • المركزي: 65.38 مليار دولار أرصدة الودائع بالعملة الأجنبية في البنوك المصرية
  • لـ 21 يونيو.. «التعليم» تعلن استمرار فتح باب التقديم بالمدارس المصرية اليابانية 2026-2027
  • beIN الإعلامية تحصد جائزتين مرموقتين
  • الإسكان: موعد طرح "سكن لكل المصريين 9"
  • عرض الأهلي لا يكفي.. هيثم حسن يواصل الرحلة الأوروبية