كيف نفهم النص النبوى الشريف (٥)
تاريخ النشر: 3rd, February 2026 GMT
تحدثت فى المقال السابق عن فهم الصحابة للنص النبوى الشريف فى ضوء عموم النصوص الشرعية الأخرى، ونرى هذا الفهم أيضا بعد وفاة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عند سيدنا أبي بكر رضي الله عنه حينما عزم على قتال مانعي الزكاة فقال له عمر رضي الله عنه: يا أبا بكر كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله ".
فأبو بكر رضي الله عنه لم يترك العمل بحديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي ذكره له عمر، و لكنه فهمه في ضوء مسلمات شرعية أخرى مستفادة من النصوص الشرعية، لذلك وافقه عمر وغيره من الصحابة رضي الله عنهم، وقاتلوا معه.
وعلى هذا المنهج سار التابعون فمن بعدهم، وظهر واضحا في دواوين كتب السنة المصنفة على الأبواب التي تجمع في الباب الواحد الأحاديث المتعلقة به على اختلاف ألفاظها وطرقها. ومن شأن هذا التصنيف أن يعين على حسن فهم الحديث. وخير مثال على هذه الطريقة: صحيح الإمام مسلم.
وربما سلك بعض أصحاب هذه المصنفات طريقة للعرض بأن يجمع في الباب الروايات الواردة في الموضوع الواحد، ويحاول درأ التعارض الحاصل بينها أو التضاد، وذلك بأن يسوق الحديث ثم يسوق عقبه حديثا آخر أو عدة أحاديث تقيد مطلقه، أو تخصص عامه، مترجما لكل رواية بما يناسبها.
وخير مثال على هذا: صحيح ابن حبان الذي يرى أن التعارض الذي يتوهمه البعض بين الأحاديث ناشئ عن عدم إحكام صنعة الحديث.
وربما عمد بعض أصحاب المصنفات على الأبواب إلى صياغة تراجم تشير إلى أن من الأحاديث ما لا يمكن أن تفهم فهما صحيحا إلا بالنظر في غيرها من النصوص الشرعية، ولهم في هذا من دقة النظر، وحسن الفهم ما كان موضع شحذ للعقول، و تنوير للأفهام في إدراك المناسبات بين الأحاديث.
وصحيح الإمام البخاري من أوضح الأمثلة في الدقة والعمق في التماس المناسبات بين الحديث والترجمة، إذ كثيرا ما يجمع في الباب الواحد أحاديث موضوعاتها متباعدة، لكنه ــ رحمه الله ـــ يكون قد لحظ بينها مناسبة، فلم يكتف بالنظر في الحديث وحده، ولم يكتف بأن يضم إليه ما يتصل به صراحة في بابه ومعناه فقط، وإنما نراه يضم ما له تعلق به، وإن كان بعيدا عنه في الظاهر، وكثيرا ما توقف الشارحون في إدراك موضع الشاهد الذي قصده البخاري ـــ رحمه الله ــ
و لهذا أمثلة كثيرة منها أنه أورد في كتاب البيوع، في باب من لم ير الوساوس ونحوها من الشبهات حديثين.
إن شاء الله نذكر الحديثين فى المقال القادم، ونوضح كيف أنهما متباعدان في موضوعهما، لكنهما يشتركان في معنى ضمني.
[email protected]
المصدر
المصدر: الأسبوع
كلمات دلالية: صلى الله علیه وسلم رضی الله عنه
إقرأ أيضاً:
من الحصار إلى الردع… حين يصنع الإيمان معادلات القوة
في عام 2015 أعلن تحالف العدوان السعودي الأمريكي بالتزامن مع عدوانه العسكري فرض حصار بري وبحري وجوي شامل على اليمن معتقدا أن تجويع الشعب اليمني وكسر إرادته كفيلان بإخضاعه للهيمنة الأمريكية والوصاية والغطرسة السعودية وإجباره على الاستسلام. وكانت الحسابات المادية تقول إن بلدا محاصرا محدود الإمكانات كاليمن لا يمكنه الصمود طويلا أمام تحالف يضم أكثر من سبع عشرة دولة يمتلك المال والسلاح والدعم الدولي اللامحدود.
غير أن ما غاب عن تلك الحسابات هو أن الشعب اليمني بفطرته شعب مؤمن مجاهد يتوكل على الله ويؤمن بعدالة قضيته وصدق انتمائه للإيمان ولا يقيس قوته بما يملك من إمكانات مادية، وإنما بما يملكه من إيمان ويقين وصبر وصمود وثبات.
واجه اليمنيون الحصار بصبر لم يكن استسلاما بل كان صبرا فاعلا، وصمودا عمليا وعملا دؤوبا في ميادين المواجهة والبناء والإعداد وتطوير الإمكانات والقدرات العسكرية. واستندوا إلى وعد الله الحق واستلهموا قوله تعالى:(أُذن للذين يُقاتلون بأنهم ظُلموا وإن الله على نصرهم لقدير)، فكان يقينهم بالله أكبر من الحصار وثقتهم بوعده أعظم من كل أدوات القوة التي حشدها العدو.
ومع مرور السنوات وصلت قدرات القوات المسلحة اليمنية إلى مديات بعيدة جدا تجاوزت حسابات الأعداء وتوقعاتهم وبدأت ملامح التحول الاستراتيجي تتشكل. ففي عام 2023 أعلن اليمن فرض الحصار البحري على كيان العدو الإسرائيلي وواجه قوة الردع الأمريكية والإسرائيلية بما تمتلكه من حاملات طائرات وسلاح جو وكسر هيبة أحدث الترسانات العسكرية التي راهنت على إخضاعه. ثم وسع معادلة الردع في عام 2025 بإعلان الحصار الجوي بالتزامن مع استهداف مطار اللد (بن غوريون) ليؤكد أن زمن الاكتفاء بردود الفعل قد ولّى إلى غير رجعة وأن زمام المبادرة أصبح جزءا من معادلات وعقيدة يمن الإيمان.
ثم جاءت محطة عام 2026 التي نؤمن أنها تمثل تحولا استراتيجيا في مسار المواجهة مع عدو اليمن التاريخي، بإعلان كسر الحصار السعودي المفروض ظلما وبغيا وعدوانا على شعبنا وانتزاع الحقوق المشروعة، وفرض معادلة “الحصار بالحصار”، وإعلان حظر الملاحة البحرية على العدو السعودي في رسالة واضحة مفادها أن زمن الحصار الأحادي قد انتهى وأن من يفرض الحصار على الشعوب الحرة المستقلة لا بد أن يتحمل تبعات سياساته العدوانية.
ونحن نؤمن أن ما تحقق لم يكن نتاج الحسابات العسكرية وحدها وإنما ثمرة الإيمان بالله، والتوكل عليه والأخذ بأسباب القوة والمنعة والثبات على الموقف الحق والقضية العادلة، مصداقا لقوله تعالى: (إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم)، وقوله سبحانه: (إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد).
ونؤمن كذلك أن اليمن بلد الإيمان والحكمة وشعب الأنصار وأحفاد الأوس والخزرج ليس بلدا عاديا في مسيرة هذه الأمة بل يحمل على عاتقه تكليف رباني عظيم ورسالة ومسؤولية عظيمة في نصرة قضاياها الأساسية والمركزية وفي مقدمتها قضية فلسطين والدفاع عن الدين والمستضعفين. ونؤمن أن ما يجري اليوم ليس نهاية المطاف وإنما مرحلة من مراحل الإعداد للنصر والتمكين.
ومن هذا المنطلق نعتقد أن الله يهيئ يمن الأنصار لما هو أعظم وأكبر وأوسع وأن الأحداث التي شهدناها ليست سوى بدايات لتحولات كبرى يصنعها شعب الإيمان والحكمة في مواجهة عدو الأمة اللدود وتوحيد كلمة الأمة وموقفها ما دام هذا الشعب متمسكا بإيمانه وقرآنه ثابتا على موقفه آخذا بأسباب القوة والمنعة واثقا بوعد الله الذي لا يتخلف ومسلّما تسليما مطلقا لقيادته الربانية الحكيمة.
لقد أثبتت التجارب أن الحصار قد يؤلم الشعوب، لكنه لا يهزم شعبا يمتلك عقيدة قتالية جهادية راسخة وإرادة فولاذية صلبة لا تنكسر وقيادة تؤمن بأن النصر وعد إلهي له شروطه وأسبابه وتعمل على شحذ همم شعبها وصناعة وعيه وبصيرته وترسيخ ثقته بالله واعتماده عليه حتى يتحول الإيمان إلى قوة والصبر إلى إنجاز والتحديات إلى عوامل للنهوض والاقتدار.
ويعلمنا التاريخ أن الأمم التي تثق بالله وتتوكل عليه وتصبر وتجاهد وتبذل وتضحي وتعد لبناء نفسها إيمانيا ونفسيا وعمليا وتطويرا للقدرات والخبرات والإمكانات وتدريبا وتأهيلا للأبطال قد تعاني وتتأخر في الوصول إلى النصر لكنها لا تُحرم منه أبدا إذا صدقت مع الله وأخذت بأسبابه وظلت ثابتة على مبادئها حتى يتحقق وعد الله: (وكان حقا علينا نصر المؤمنين).