عقد المركز المصري للدراسات الاقتصادية، محاضرة متميزة بعنوان: «هل يمكن أن يكون لسياسات ترامب تأثير إيجابي؟»، حاضر فيها البروفيسور جون إلكينغتون، أحد أبرز رواد الاستدامة على مستوى العالم، والمعروف بلقب “الأب الروحي للاستدامة” و”سفير المستقبل”، وهو مؤلف ومشارك في تأليف 21 كتابا في مجالات الاستدامة والتنمية، تناول خلالها مستقبل الاستدامة، ودور العلم والذكاء الاصطناعي، والتحولات الجيوسياسية والاقتصادية والمناخية العالمية.

استدامة الرؤية وصناعة الوجهات.. كيف ترسخ تطوير مصر نموذجا جديدا للاستثمار العقاري في 2025استدامة جديدة للتحول الرقمي في منظومة المدفوعات الإقليمية بمصر.. تفاصيلخالد عباس: العاصمة الجديدة تعتمد على معايير الاستدامة والرقمنة في التخطيط والتنفيذمحافظ البنك المركزي : الاستثمار في التعليم الطريق الأكثر استدامة لبناء اقتصاد قوي

وأكد إلكينغتون، أن العالم يمر حاليا بلحظة تحول غير مسبوقة، تقف فيها الاقتصادات والأسواق والسياسات عند مفترق طرق حاسم، مشددا على أن التحديات الراهنة لم تعد قابلة للحل عبر إصلاحات تدريجية، بل تتطلب تغييرا جذريا في طريقة التفكير والعمل.

وأشار إلكينغتون إلى أن النظام العالمي الذي نشأ عليه العالم يتعرض حاليًا لحالة «تمزق» حقيقية، متسائلا عن المسار الذي سيقود إليه هذا التحول، في ظل تصاعد أزمات معقدة ومتشابكة مثل تغير المناخ، والفقر، ونقص الموارد المائية، والحروب والصراعات، وهي تحديات وصفها بأنها «نظامية وخبيثة»، لا يمكن التعامل معها بأدوات تقليدية أو حلول جزئية.

وكشف عن نتائج استطلاع عالمي شمل نحو 950 خبيرا في الاستدامة بأكثر من 70 دولة، أظهرت أن أكثر من 90% من المشاركين يرون أن أجندة الاستدامة الحالية تحتاج إلى تغيير، فيما أكد 56% منهم ضرورة إحداث تغيير جذري، وهو ما يعكس تحولا لافتا في المزاج العالمي تجاه هذه القضايا.

وتطرق إلكينغتون إلى المخاطر المتزايدة المرتبطة بتغير المناخ، محذرا من تحولات عميقة في النظم البيئية قد تهدد أسس الحضارة الإنسانية نفسها، مستشهدا بتغيرات محتملة في التيارات البحرية الكبرى وتأثيرها طويل الأمد على المناخ العالمي.

وفيما يتعلق بالذكاء الاصطناعي، أكد إلكينغتون أنه يمثل أداة لا غنى عنها لتحقيق أي تقدم حقيقي في مسار الاستدامة، موضحا أن القدرات البشرية وحدها لم تعد كافية للتعامل مع تعقيد التحديات الحالية. لكنه في الوقت نفسه طرح تساؤلات جوهرية حول من يملك هذه التكنولوجيا ومن يوجه استخدامها، محذرا من مخاطر الطاقة والتلوث، ومشيرا إلى إمكانات هائلة للذكاء الاصطناعي في مجالات مثل تطوير الأدوية، وفهم البروتينات، والبحث عن بدائل للمعادن الأرضية النادرة.

وضرب مثالا بتجربة صناعية نجحت، باستخدام الذكاء الاصطناعي، في تطوير مغناطيسات كهربائية دون استخدام أي معادن أرضية نادرة، محققة خفضا كبيرا في التكلفة والبصمة الكربونية، وتسريعا غير مسبوق في عمليات البحث والتطوير.

وعن رؤيته لكون الرئيس الأمريكي دونالد ترامب «هدية» على نحو غير مقصود، أوضح إلكينغتون أن ترامب يمثل جزءًا من نمط سياسي أوسع، واعتبر أن الصدمة التي أحدثها ترامب في النظام القائم وفي طريقة تفكير صناع التغيير لم تكن مقصودة، لكنها كشفت بوضوح قصور مبادرات التغيير الحالية عن معالجة التحديات العميقة التي يواجهها العالم.

وأضاف أن «الهدية» هنا لا تعني أن سياساته إيجابية في حد ذاتها، وإنما تكمن في كونها فرضت تحديا قاسيا أجبر كثيرين على إعادة النظر في حلول غير كافية، محذرا من أن يؤدي ذلك إلى حالة من الفوضى تفقد المجتمعات بوصلتها، وهو ما يبرز الحاجة الملحة إلى قيادة واعية قادرة على توجيه مسار التغيير. وأشار في هذا السياق إلى الدور المهم الذي يمكن أن تلعبه مراكز الفكر والمؤسسات البحثية، مثل المركز المصري للدراسات الاقتصادية، في سد فجوة القيادة الحالية.

كما تناول إلكينغتون التغيرات التي يشهدها عالم الأعمال، مشيرا إلى أن بعض الشركات تتراجع علنا عن التزاماتها المناخية، لكنها تواصل العمل عليها فعليا خلف الكواليس، مؤكدا أن الأسواق الحالية لا تزال عاجزة عن مكافأة التحولات المستدامة بالوتيرة المطلوبة، رغم وجود نماذج ناجحة مثل التحول الواسع نحو السيارات الكهربائية في دول كالنرويج.

وعلى الجانب السياسي، شدد على أن السياسات العامة تلعب دورا حاسما في تشكيل الأسواق وسلوك الشركات، محذرا من أن قصر النظر في النقاشات السياسية الراهنة قد يهدد الديمقراطية نفسها.

واختتم إلكينغتون حديثه بالتأكيد على أهمية التعاون بين الأجيال، محذرا من تحميل الشباب وحدهم مسؤولية التغيير، ومشددا على ضرورة تمكينهم عبر التعليم والتمويل والسياسات العامة، داعيا إلى تبني دور «البنّاء» بدلا من الاكتفاء بإدارة الأزمات أو التمسك بعالم لم يعد قائما.

من جانبه عقب الدكتور أحمد طنطاوي، كبير مستشاري وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والمدير المؤسس لمركز الابتكار التطبيقي بالوزارة، بقوله أن الذكاء الاصطناعي بصورته الحالية لا يمثل تطورا تقنيا تقليديا، بل هو نتاج عجز الأساليب التكنولوجية القديمة عن حل مشكلات معقدة، ما دفع المطورين إلى الانتقال من منطق “إعطاء الأوامر” إلى منطق “تعليم الآلة” كيفية اكتشاف الأنماط بنفسها من خلال كميات هائلة من البيانات.

وأوضح طنطاوي أن الطفرة في الذكاء الاصطناعي لم تكن ممكنة لولا التطور الكبير في قدرات الحوسبة، خاصة مع ظهور وحدات معالجة الرسومات، التي سمحت بتدريب نماذج ضخمة قادرة على استخراج أنماط غير معروفة حتى لمطوريها، وهو ما يطرح تحديا جوهريا يتمثل في غياب الفهم الكامل لكيفية وصول هذه النماذج إلى نتائجها.

وأشار إلى أن خطورة الذكاء الاصطناعي تكمن في قدرته على إنتاج استنتاجات قد تبدو صحيحة إحصائيا لكنها في الواقع وهمية أو غير دقيقة، مستشهدا بالنماذج اللغوية الكبيرة التي تعتمد على كل ما كتب ونشر، بغض النظر عن جودة أو صحة المحتوى، ما يجعل “الأغلبية” هي الحكم.

وحذر طنطاوي من أن هذا الوضع يثير مخاوف حقيقية داخل الأوساط العلمية، في ظل سهولة ادعاء الخبرة وبناء نماذج تُستخدم في مجالات حساسة دون رقابة كافية، مؤكدا أن الذكاء الاصطناعي، رغم أهميته وإمكاناته في دعم الاستدامة، يظل تكنولوجيا خطيرة إذا لم تُصمم وتُنظم ضمن أطر واضحة للحوكمة والأخلاقيات، خاصة مع الاتجاه السائد لترك الابتكار يسبق التنظيم.

من جانبه علق طارق عثمان، مؤلف وكبير المستشارين السياسيين في البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية لشؤون العالم العربي، بقوله أن عنوان الندوة يعكس عمق التحولات العالمية الراهنة، لافتا إلى اتساع نطاق القضايا التي يطرحها البروفيسور جون إلكينغتون، وعلى رأسها التداعيات المتسارعة لتغير المناخ، التي باتت تمثل تهديدا وجوديا لمدن ساحلية كبرى، سواء في أوروبا أو في المنطقة، بما في ذلك الإسكندرية.

وأكد عثمان أن قضية المياه تمثل أحد أخطر التحديات التي تواجه مصر والشرق الأوسط، إلى جانب إشكالية عدالة التنمية، معتبرا أن هذا المفهوم يطرح تساؤلات معقدة في دول الجنوب العالمي، خاصة في ظل ضعف نظم التعليم والرعاية الصحية، بما يجعل تحقيق العدالة أكثر تعقيدا من مجرد السعي إلى المساواة.

وتطرق عثمان إلى مخرجات مؤتمر المناخ COP27 في شرم الشيخ، خاصة ما يتعلق بالاتفاق على آلية «الخسائر والأضرار»، معتبرا أنها تمثل نقطة التقاء مباشرة بين قضايا المناخ والاقتصاد السياسي الدولي، وتعكس أبعادا أوسع لمسألة الإنصاف بين الشمال والجنوب.

من جانبها وصفت الدكتورة عبلة عبد اللطيف المدير التنفيذي ومدير البحوث بالمركز المصري للدراسات الاقتصادية، النظام الدولي متعدد الأطراف الحالي بأنه أشبه بمحاولة وضع فيل داخل صندوق، معتبرة أن ما قام به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هو تسريع تفكك هذا الإطار، ليصبح النظام العالمي في حالة انفلات واضح دون وجود حكماء قادرين على ضبط الإيقاع.

وأشارت إلى أنه رغم هذا المشهد القاتم، لا تزال هناك مؤشرات إيجابية، من بينها اتجاه الاتحاد الأوروبي نحو قدر أكبر من التقارب والتنسيق في مواجهة التحديات المشتركة.

وفيما يتعلق بسوق العمل، كشفت عبد اللطيف أن المركز المصري للدراسات الاقتصادية يجري حاليا تحليلا معمقا لتأثيرات الذكاء الاصطناعي على سوق العمل في مصر، مؤكدة أنه سيتم الإعلان عن نتائج هذه الدراسة قريبا.

طباعة شارك ترامب الاستدامة التنمية التحولات الجيوسياسية

المصدر

المصدر: صدى البلد

كلمات دلالية: ترامب الاستدامة التنمية التحولات الجيوسياسية المصری للدراسات الاقتصادیة الذکاء الاصطناعی محذرا من إلى أن

إقرأ أيضاً:

تغير المناخ يفاقم حدة الجفاف في أوروبا

باريس "أ.ف.ب": أفاد فريق دولي من العلماء اليوم الخميس بأن تغير المناخ الناجم عن النشاط البشري فاقم موجة الجفاف الشديد التي تجتاح أوروبا، مشيرا إلى أن درجات الحرارة القياسية وليس نقص هطول الأمطار، هي السبب الرئيسي لهذه الأزمة.

وتجتاح القارة موجة جفاف شديد، وتواجه دول من فرنسا إلى رومانيا، جفاف أنهار وقيودا على استهلاك المياه وحرائق غابات مدمرة، وذلك عقب موجة حر تاريخية ضربت المنطقة في يونيو.

وأظهرت دراسة جديدة أن المناخ الأكثر حرا في الوقت الراهن سرّع من فقدان الرطوبة في تربة أوروبا وبحيراتها وأنهارها، ما يزيد من احتمال حدوث ظروف جفاف شديد.

وأشارت مريم زكريا، وهي إحدى المشاركات في إعداد الدراسة التي أجرتها مجموعة World Weather Attribution، إلى أن أجزاء واسعة من أوروبا شهدت معدلات هطول أمطار دون المتوسط خلال فصل الربيع، إلا أن الحرارة الناجمة عن تغير المناخ هي التي جعلت الجفاف "أكثر حدة".

وأوضحت الباحثة في إمبريال كوليدج لندن لصحافيين "عموما، تظهر نتائجنا أن هذا الجفاف ليس مجرد قصة شح في الأمطار بالدرجة الأولى، بل هو نتاج غلاف جوي أشد حرارة يتسبب في زيادة العجز الرطوبي في الأرض".

وأضافت "وهذا يعني أنه حتى في المناطق التي لم تشهد تغيرات كبرى في كمية المتساقطات أو التي يتوقع فيها زيادة الأمطار موسميا، فإن مخاطر الجفاف تواصل الارتفاع".

ويعود ذلك إلى أن الغلاف الجوي الأكثر دفئا يمكنه حبس حوالي 7% إضافية من بخار الماء مع كل ارتفاع في درجات الحرارة بمقدار درجة مئوية، وفق العلماء.

وارتفعت حرارة الأرض 1,4 درجة مئوية تقريبا منذ الفترة بين عامَي 1850 و1900، ويعود ذلك أساسا إلى حرق الفحم والنفط والغاز.

ويقول العلماء إن تغير المناخ يجعل الظواهر المدمرة، مثل موجات الجفاف والفيضانات وموجات الحر، أكثر تكرارا وشدة، وإن أوروبا هي القارة الأسرع احترارا في العالم.

وأفاد مرصد "كوبرنيكوس" الأوروبي بأن الشهر الماضي كان أكثر أشهر يونيو حرا على الإطلاق في أوروبا الغربية حيث تسببت موجة حر شديدة في آلاف الوفيات الإضافية.

وقال دومينيك شوماخر الذي شارك في وضع الدراسة من المعهد الفدرالي السويسري للتكنولوجيا في زوريخ لصحافيين، إن الحرارة كانت شديدة لدرجة أن المناطق التي شهدت شتاء رطبا نسبيا جفت تماما بعد أشهر قليلة.

وتابع "عندما يزداد الهواء سخونة، فإنه يمتص الرطوبة من التربة ويجففها. حينها، تزداد درجات الحرارة ارتفاعا وتصبح التربة أكثر جفافا"، مشيرا إلى أن هذا الجفاف السريع هيأ الأرض أيضا لاندلاع حرائق الغابات.

وفي هذه الدراسة، استخدم علماء من أوروبا والولايات المتحدة والمملكة المتحدة بيانات طقس ونماذج حاسوبية لمقارنة موجة جفاف في عالم اليوم الذي يشهد ارتفاعا في درجات الحرارة، بمناخ كانت درجات الحرارة فيه أقل بمقدار 1,4 درجة مئوية.

ووجدوا أن احتمال حدوث تربة شديدة الجفاف في الوقت الراهن تزيد بمقدار خمس مرات في أوروبا الغربية مقارنة بعالم خال من تغير المناخ، وبمقدار 11 مرة في أوروبا الشرقية.

وأصبح احتمال تسجيل المستويات المرتفعة للغاية من الطلب البخاري، وهو قدرة الغلاف الجوي على امتصاص الرطوبة من التربة والنباتات، التي شهدتها أوروبا الغربية بين أبريل ويونيو، أعلى بحوالي 80 مرة بسبب تغير المناخ.

وقالت مريم زكريا "بما أن الغلاف الجوي أصبح أكثر عطشا للماء الآن، فإن العجز في هطول الأمطار الذي ربما لم يكن ليسبب جفافا في مناخ ما قبل الثورة الصناعية، يمكنه اليوم أن يؤدي إلى كارثة أكثر شدة".

مقالات مشابهة

  • مؤمن العقيلي : الذكاء الاصطناعي أداة مفيدة .. لكنه لا يغني عن التفكير والتحقق
  • عجمان تدشن أول معاملة حكومية بلا واجهة باستخدام الذكاء الاصطناعي الوكيل
  • جامعة الدول العربية وملف الذكاء الاصطناعي
  • أبو العينين: خوارزميات الذكاء الاصطناعي ترسم ملامح القوة في العصر الحديث
  • المركزي الأوروبي يبقي على أسعار الفائدة دون تغيير
  • وزير الداخلية الإيراني: لا يجب أن تتخذ “بريكس” موقف اللامبالاة إزاء التطورات الحالية
  • تغير المناخ يفاقم حدة الجفاف في أوروبا
  • مجموعة هائل سعيد أنعم وشركاه تطلق بالشراكة مع مايكروسوفت مرحلة جديدة لتوظيف الذكاء الاصطناعي في أعمالها
  • الأمم المتحدة تعرب عن قلقها البالغ إزاء التهديدات التي أطلقتها ميليشيا الحوثي ضد المملكة
  • بنك إسرائيلي يتخلص من مدرائه بعد اعتماده على الذكاء الاصطناعي