لماذا يتجدد القتال في تيغراي بإثيوبيا؟ 5 أسئلة تشرح أسباب التصعيد ومآلاته
تاريخ النشر: 3rd, February 2026 GMT
بعد ثلاث سنوات من اتفاق سلام "هشّ" وضع حدّا لإحدى أبشع الحروب في القرن الحادي والعشرين، يعود دويّ الانفجارات وأزيز الطائرات المسيرة ليملأ سماء إقليم تيغراي شمالي إثيوبيا.
وكشف تقريران لصحيفتي ليبراسون ولاكروا الفرنسيتين عن تصعيد عسكري خطير خلال الأيام الماضية، وسط مخاوف من انهيار شامل لاتفاق "بريتوريا" للسلام، وتحول المنطقة مجددا إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
وبين ضربات المسيرات التي استهدفت "شحنات الموز"، وفقا للاكروا، وطوابير المدنيين المذعورين أمام البنوك، ترسم الصحيفتان مشهدا معقدا لواقع يتأرجح بين الحرب واللا سلم.
ويمكن فهم الأزمة المتفجرة من جديد في تيغراي من خلال الإجابة عن الأسئلة التالية اعتمادا على ما ورد في كلتا الصحيفتين:
أولا، ما الذي أشعل فتيل التوتر فجأة في الإقليم؟بدأت الشرارة الأولى في 26 يناير/كانون الثاني 2026، باندلاع اشتباكات في منطقة "تسيلمتي" الحدودية المتنازع عليها، وهي منطقة غنية بالذهب والموارد الزراعية. وبحسب صحيفة "لاكروا"، فإن الحكومة المركزية في أديس أبابا تحاول فرض سلطات موالية لها وتغيير الديمغرافية السياسية في الإقليم قبل الانتخابات التشريعية المقررة في يونيو/تموز القادم. هذا التصعيد دفع شركة "الخطوط الجوية الإثيوبية" لتعليق رحلاتها إلى ميكلي (عاصمة الإقليم) منذ 29 يناير، وهو ما اعتبره مراقبون "نذير حرب" تقليديا.
ثانيا، ما هي طبيعة العمليات العسكرية الأخيرة وحجم خسائرها؟نقلت مراسلة "لاكروا" في أديس أبابا، أوغستين باسيلي، شهادات مروعة عن استهداف المسيرات الإثيوبية لشاحنات مدنية وتجارية. وفي إحدى الحوادث، دمرت مسيرة شاحنة تحمل "فاكهة الموز" في منطقة "إنتيتشو"، مما أسفر عن مقتل السائق فورًا. ونقلت الصحيفة عن باحثين محليين قولهم إن "الهدف الوحيد من استهداف الغذاء هو إرهاب السكان وتجويعهم". وفي المقابل، تؤكد "ليبراسيون" أن قوات دفاع تيغراي (TDF) استخدمت "أجهزة تشويش" ضد المسيرات الفدرالية، مما جعل الأجواء غير آمنة للطيران المدني.
تصف صحيفة "ليبراسيون"، عبر مراسلها أنطوان غاليندو، حالة من "الذعر الجماعي". السكان الذين لم يتعافوا بعد من صدمة الحرب السابقة (2020-2022) هرعوا إلى المصارف لسحب مدخراتهم، مما أدى إلى "نقص حاد في السيولة وانفجار السوق السوداء". ورغم أن الاتصالات لم تُقطع بعد، فإن إغلاق المجال الجوي وأصوات القصف أعادت إلى الأذهان ذكريات الحصار الخانق الذي أودى بحياة المئات في السابق.
رابعا، ما هو دور القوى الإقليمية، وتحديدا إريتريا، في هذا التصعيد؟هنا تبرز "لعبة التحالفات المتغيرة"، فإريتريا التي كانت حليفا لآبي أحمد ضد تيغراي في 2020، أصبحت الآن محل شكوك، إذ تشير "ليبراسيون" إلى اتهامات وجهتها أديس أبابا إلى أسمرة بأنها عقدت "تحالفا سريا" مع التيغريين.
ويرى محللون أن آبي أحمد يسعى لإخضاع تيغراي ليحول الإقليم إلى "قاعدة خلفية" في حرب محتملة مع إريتريا، بهدف الوصول إلى البحر الأحمر الذي فقده عام 1993.
خامسا، هل وصلت المنطقة إلى "نقطة اللا عودة"؟بعد أسبوع من تجدد تبادل إطلاق النار، تعاني البنوك في تيغراي من نقص السيولة وترتفع الأسعار بشكل حاد، وفقا لتقرير لاكروا، التي توضح كذلك أن انسحاب قوات دفاع تيغراي من تسيلِمتي، الذي أُعلن عنه في 31 يناير/كانون الثاني الماضي، يوفر بصيص أمل في عودة الهدوء، رغم استمرار القتال في الجنوب. لكن مراسلة لاكروا تلاحظ أن تحليق المسيرات توقف خلال الأول والثاني من شهر فبراير/شباط الحالي في مدينة شير، وهي ثالث أكبر مدن الإقليم.
ويمكن اعتمادا على ما أوردته الصحيفتان أن يقال إن "نقطة اللا عودة لم تُتجاوز بعد"، فبرغم القتال، أعلنت جبهة تحرير شعب تيغراي (TPLF) استعدادها للحوار "البناء" استجابة لنداء الاتحاد الأفريقي، ويؤكد الباحث مهدي لبزاع في حديث لـ"ليبراسيون" أن الديناميكية تغيرت، فالسكان في تيغراي اليوم "منهكون ومصدومون" ولا يملكون الرغبة في الانخراط في صراع شامل جديد كما كان الحال في 2020، مما قد يفتح بابا ضيقا للدبلوماسية.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات فی تیغرای
إقرأ أيضاً:
لماذا ترى إسرائيل الاتفاق النووي السعودي الأمريكي خطرا استراتيجيا؟
انشغلت المحافل الإسرائيلية السياسية والعسكرية، بالتقارير التي تتحدث عن اتفاق نووي أمريكي سعودي بصورة لافتة، دون تطبيع العلاقات مع دولة الاحتلال، مما يُعرّضها لما تعتبره أسوأ سيناريو متمثل في خطر أمني غير مسبوق دون أي مكاسب سياسية.
الباحث الأول ورئيس برنامج الخليج بمعهد الدراسات الأمنية بجامعة تل أبيب، والرئيس السابق لقسم إيران والخليج في مجلس الأمن القومي، يوئيل جوزانسكي، أكد أن "إسرائيل ينبغي لها أن تقلق من الاتفاق النووي بين الولايات المتحدة والسعودية، لأنها قد تجد نفسها في أسوأ وضع بالنسبة لها، وهو الخطر المتزايد لانتشار الأسلحة النووية في الشرق الأوسط، ودون تحقيق الإنجاز السياسي المتمثل في التطبيع مع أهم دولة عربية".
وأضاف في مقال نشره موقع "واللا" وترجمته "عربي21" أنه "لسنوات، كان من الواضح أن استعداد الولايات المتحدة لتلبية المطالب السعودية في المجال النووي ليس غاية في حد ذاته، بل جزء من اتفاق إقليمي أوسع، وقد كانت الفكرة بسيطة، وبموجبها ستحصل الرياض على ضمانات أمنية وبرنامج محطة طاقة نووية مدنية متطورة، وفي المقابل ستحصل إسرائيل على اتفاق تطبيع تاريخي، لكن يبدو الآن أن الصلة بين المسألتين بدأت تتلاشى".
ردود فعل إسرائيلية
ويمكن الاستنتاج من هذا التطور أنه إذا منحت واشنطن السعودية ما تريده حتى دون إحراز تقدم مع دولة الاحتلال، فهذا يعني أنها ستتحمل المخاطر وحدها، ودون تحقيق أي مكاسب استراتيجية، وبالتالي فلا تكمن المشكلة في تطوير الطاقة النووية المدنية بحد ذاتها، لن العديد من الدول تشغل مفاعلات لأغراض سلمية، لكن السؤال الذي يشغل صناع القرار في تل أبيب هو ما إذا كانت الرياض ستُمنح أيضاً خيار تخصيب اليورانيوم، فإذا كان الأمر كذلك، فهذه سابقة ذات خطورة إقليمية واسعة على دولة الاحتلال.
هنا يمكن استعراض أهم ردود الفعل الإسرائيلية من هذا الاتفاق، وقد كان لافتا أن الائتلاف بقي صامتا، خشية الصدام مع واشنطن، فيما تصدر قادة المعارضة إصدار التصريحات المعارضة للاتفاق:
رئيس الحكومة الأسبق نفتالي بينيت، الذي يعتبر أحد منافسي نتنياهو في الانتخابات المقبلة، اعتبر أن "هذه الاتفاقية تعني الانضمام لسلسلة إخفاقات دبلوماسية شهدناها إسرائيل خلال الفترة الماضية، مما يعتبر فشلا استراتيجيا خطيرا يهدد أمننا القومي، وتفقد فيها إسرائيل تأثيرها على مصيرها".
بدوره، زعم رئيس حزب "إسرائيل بيتنا" ووزير الحرب الأسبق، أفيغدور ليبرمان، أن "علينا أن نعي أن البرنامج النووي السعودي سينتهي بسلاح نووي، وبسباق تسلّح جنوني في جميع أنحاء الشرق الأوسط، على إسرائيل أن توضح بحزم أنها تعارضه، وعلى الحكومة ان تعمل بقوة في الكونغرس لإفشال هذا المسار".
واتهم رئيس حزب "الديمقراطيين"، يائير غولان، الذي يمثل يسار الوسط، نتنياهو بأنه "فعل ما لا يصدّق بخسارة التطبيع مع السعودية، ويمكّنها من التحول إلى دولة نووية، لقد خسرنا أحد محفّزات التطبيع، وإسرائيل لم تكن شريكة في هذه الخطوة".
الرئيس السابق لمجلس الأمن القومي، الجنرال يعكوب ناغال، زعم أن "أي تخصيب لليورانيوم، من أي نوع كان، على الأراضي السعودية هو خطأ، بغض النظر عمن سيقوم به، وكيف سيتم الإشراف عليه، هكذا كان موقفي قبل السابع من أكتوبر في إطار حزمة التطبيع، وموقفي لم يتغير".
خطوات متوقعة
هنا يمكن الحديث عن سلسلة خطوات إسرائيلية متوقعة:
إعادة الحديث عن المسار السياسي التدريجي في الساحة الفلسطينية، من خلال الدعم الأمريكي الواضح، وإن كان ذلك متعذرا في ظل موسم انتخابي حامي الوطيس.
إمكانية التوصل إلى اتفاق ثلاثي يخدم المصالح الإسرائيلية أيضًا، وليس المصالح الأمريكية والسعودية فحسب.
لا يمكن لدولة الاحتلال الاكتفاء بمعارضة الاتفاق، والمخاطرة بتوقيعه على أي حال، أو أن تسعى لصياغته بحيث يُقلل من المخاطر النووية، ويُعيد هدف التطبيع إلى الواجهة.
الاستنتاج الاسرائيلي من هذا الحراك السعودي الأمريكي المتلاحق في الملف النووي يتمثل بين التخوف من تبعاته من جهة، ومن جهة أخرى الخشية من عدم التأثير في الواقع، والتصالح معه، لأن إذا مضت هذه الصفقة قدمًا، فإن مكمن القلق الإسرائيلي هو عدم تقليل مخاطرها، وضمان ألا تنتهي هذه الخطوة الاستراتيجية الهامة بحصول السعودية على كل شيء، وبقاء الاحتلال بلا شيء.
في الوقت ذاته، ليس لدولة الاحتلال مصلحة في تحويل هذه القضية لمواجهة علنية مع إدارة ترامب، أو حتى القيادة السعودية، ولأنها قضية حساسة، تنصح الأوساط البحثية والتحليلية بضرورة إجراء حوار مكثف وسري مع واشنطن، هدفه الأساسي تقليل المخاطر قدر الإمكان من خلال آليات تفتيش أكثر صرامة، واعتماد البروتوكول الإضافي للوكالة الدولية للطاقة الذرية، وفرض قيود على التخصيب وإعادة المعالجة، وضمان إمداد الوقود النووي من مصادر خارجية.
إبعاد السعودية عن الصين وروسيا
يتوافق الإسرائيليون على أن اتفاق بين الولايات المتحدة والسعودية ربما يسعى لترسيخ التعاون النووي المدني لعقود، والحدّ من نفوذ الصين وروسيا في المملكة، رغم أن غياب قيود صارمة على تخصيب اليورانيوم قد يُقوّض التوازن الإقليمي، ويُعرّض دولة الاحتلال لواقع استراتيجي أكثر خطورة، رغم أن هذه محاولة أمريكية لإعادة تشكيل التوازن الاستراتيجي في الشرق الأوسط، وهي في الوقت نفسه مقامرة محفوفة بالمخاطر بشأن مدى الحرية النووية التي يمكن منحها للرياض دون إشعال سباق تسلح إقليمي.
خبير الشئون الأمنية والاستراتيجية، البروفيسور عوزي رابي، أعرب عن مخاوفه من قيام "إدارة ترامب بفصل التعاون النووي مع السعودية عن شرط تطبيع علاقاتها مع إسرائيل أولاً، بعد أن كان هذا الخيار يطرح سابقا بهدف تعميق التحالف الاستراتيجي مع واشنطن، وتصعيد المواجهة المشتركة مع إيران، وتقريب الرياض وتل أبيب في المستقبل، رغم عدم وجود التزام سعودي بذلك في الاتفاق".
وأضاف في مقال نشره موقع "واللا"، وترجمته "عربي21" أنه "من وجهة نظر إسرائيل، فإن فصل التطبيع عن التعاون النووي يعني أن السعودية قد تحصل على مكسب استراتيجي هام، دون أن تضطر لتغيير علاقاتها مع إسرائيل بهذه المرحلة، مع أن الخطر، من وجهة النظر الإسرائيلية، لا ينبع من نوايا الرياض الحالية فحسب، بل من السابقة التي يُرسيها الاتفاق، لأنه قد يُغيِّر موازين القوى الإقليمية، وهذا بحد ذاته يُعدّ مقامرة".
لا يختلف إسرائيليان على أنه إذا كانت الإدارة الأمريكية عازمة على المضي قدمًا في الاتفاق مع الرياض، فقد لا تنجح محاولات إلغائه، وفي هذه الحالة، فقد سيكون من الأنسب محاولة التأثير على بنوده، لاسيما إعادة التطبيع إلى صلب الاتفاق، وبدلًا من الاكتفاء برفضه، فإنه يمكن لدولة الاحتلال أن تسعى لتحويل هذه الخطوة إلى ورقة ضغط سياسية.
سباق التسلح
من وجهة نظر أخرى، لا تقل خطورة عن سابقاتها، فإن دولة الاحتلال ترى أن التعامل مع واقع إقليمي لا تقتصر المعرفة النووية، والبنية التحتية، والقدرة على الاقتراب من عتبة التسلح النووي، لا تقتصر على إيران فحسب، بل تطالب فيه دول عربية رئيسية بمسار مماثل، فإذا قبلت السعودية بشروط متساهلة، فقد تطالب دول مثل تركيا ومصر والإمارات العربية المتحدة بمعاملة مماثلة.
صحيح أن الولايات المتحدة تحاول القيام بمناورة دقيقة تتمثل باحتواء إيران من خلال تعزيز قدرات السعودية، لكن ذلك قد يُحوّل هذا التعزيز إلى بداية سباق نووي، وفي مثل هذه الحالة فقد تُنشئ هذه الخطوة برنامجًا نوويًا للرياض تحت إشراف أمريكي، في أحسن الأحوال، أم أنها تُرسّخ سابقةً ستستغلها دول المنطقة عندما يتلاشى الثقة في واشنطن، وهنا قد تحرم دولة الاحتلال من احتكار السلاح النووي في المنطقة.