ترمب هدد بضمها وحوّلها لبؤرة صراع.. غرينلاند على صفيح ساخن
تاريخ النشر: 3rd, February 2026 GMT
تحت رياح القطب الشمالي التي ترفرف معها أعلام غرينلاند، تعيش أكبر جزيرة في العالم واقعا سياسيا متوترا، بعدما أعادت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بشأن رغبته في شراء الجزيرة إحياء مخاوف قديمة لدى سكانها، وطرحت تساؤلات وجودية حول الهوية والمستقبل.
وتجد غرينلاند نفسها على صفيح سياسي ساخن، فالجزيرة التي كانت منسية لقرون في أطراف الخارطة، باتت اليوم في صلب إستراتيجية الأمن القومي الأمريكية، بما يهدد السيادة الدانماركية عليها.
وبينما لم تتغير حكاية غرينلاند منذ عقود، فإن العاصفة السياسية التي أثارها الرئيس الأمريكي بدت في أعين كثير من سكانها تهديدا مباشرا لكيانهم، في وقت يذيب فيه الاحتباس الحراري مليارات الأطنان من جليد الجزيرة سنويا، واضعا إياها على صفيح سياسي ساخن.
السكان الأصليونالإنويت، وهم السكان الأصليون لغرينلاند، تتفق أحزابهم السياسية على السعي نحو الاستقلال عن الدانمارك، غير أن هذا القيد بات مقبولا نسبيا عند مقارنته بما يصفه كثيرون بالرغبة الأمريكية الجامحة في ضم الجزيرة.
وتعكس إحدى المواطنات الغرينلانديات هذا القلق بقولها "ليس سهلا بالنسبة لنا أن نقف وحيدين، فنحن بلد وشعب صغير، لذلك من المهم جدا أن نقف جنبا إلى جنب مع مملكة الدانمارك. لم تكن الأسابيع الماضية سهلة، خاصة عند التفكير في مستقبل أطفالنا. نأمل أن يكون مستقبلهم في غرينلاند التي نعرفها اليوم، هذا ما اخترناه لأنفسنا وما نتمناه لأطفالنا".
وفي مشهد لافت، برز الدانماركي جيه كيلتزن، الذي عاش في غرينلاند أكثر من 50 عاما، كأحد الأصوات الرافضة لمساعي ترمب. وتظاهر كيلدسن بمفرده لأيام أمام القنصلية الأمريكية احتجاجا على فكرة شراء الجزيرة.
ويقول كيلتزن معبرا عن رفضه القاطع "هل يريد أن يحكم العالم؟ هل يريد أن يكون إلها؟ سنقاوم ونرد، لن نؤخذ بالقوة بأي شكل من الأشكال. ولكن لحسن الحظ، هذا التهديد بدأ يتلاشى".
أصوات مؤيدة لترمب
ورغم الرفض الواسع، لا يخلو المشهد من أصوات غرينلاندية تؤيد الطرح الأمريكي. أبرزهم عامل البناء يورغن بواسن، الذي دفع ثمنا اجتماعيا باهظا لموقفه، إذ أصبح منبوذا إلى درجة اضطر معها إلى مغادرة غرينلاند والانتقال إلى كوبنهاغن.
إعلانويرى بواسن أن الدانمارك أهملت الجزيرة لعقود، قائلا "نريد أن نكون تحت حماية الولايات المتحدة، فهي أكبر قوة في العالم والوحيدة القادرة على الدفاع عنا، لأننا جزء من قارة أمريكا الشمالية. إنها فرصة جديدة للجيل الشاب الذي لم يعد يريد التحدث والكتابة باللغة الدانماركية، بل يفضل الإنجليزية. كما أن كثيرا من الشباب لا يرغبون في الذهاب للدراسة في الدانمارك لأنهم يشعرون بالتهميش والإقصاء".
جغرافيا تحسم الصراعوتستغرق الرحلة بالطائرة بين العاصمة الدانماركية كوبنهاغن وغرينلاند نحو 5 ساعات، وهي مسافة أطول من معظم الرحلات بين عواصم دول الاتحاد الأوروبي. وتقع غرينلاند جغرافيا ضمن أمريكا الشمالية لا أوروبا، ما يجعلها ضمن نطاق نفوذ لا يرغب ترمب في تقاسم هيمنته مع أي طرف آخر.
ويفرض الواقع الجيوسياسي نفسه بقوة، إذ وُضعت غرينلاند في صميم إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي. فمدينة نيويورك أقرب إلى الجزيرة من كوبنهاغن، ما يجعلها موقعا مثاليا لنظام القبة الذهبية الدفاعي الذي طرحت الإدارة الأمريكية فكرته.
كما يمر فوق الجزيرة أقصر مسار محتمل لوصول الصواريخ الباليستية من الشرق نحو الأراضي الأمريكية، في وقت يؤدي فيه ذوبان الجليد إلى فتح ممرات ملاحية جديدة تمنح من يسيطر عليها مفاتيح الحركة التجارية العالمية.
معادن القرن الحادي والعشرين
وتجدر الإشارة إلى أن القوى العظمى رسمت سياساتها في القرن التاسع عشر حول الفحم، ثم حول النفط في القرن العشرين، بينما باتت المعادن الإستراتيجية محور الصراع في القرن الحالي.
وتزخر غرينلاند باحتياطات غنية من اليورانيوم، والحديد، والزنك، والغرافيت، إضافة إلى عناصر أرضية نادرة تدخل في تصنيع أنظمة الصواريخ، والطائرات المقاتلة، والهواتف الذكية، والسيارات الكهربائية، وتوربينات الرياح، وأشباه الموصلات.
هذه الموارد تجعل غرينلاند جزءا من "لعبة زماننا" القائمة على ثورات علمية كبرى، مثل الذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا الحيوية، والحوسبة الكمومية، وهو ما يفسر منطق ترمب في السعي للسيطرة على الجزيرة، من خلال ضمان أمن الطاقة، وتأمين سلاسل التوريد، وحرمان المنافسين إستراتيجيا.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات
إقرأ أيضاً:
سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
دَعْنا نراقب الشمس…
قبل أن نتحدّث عن الاستغناء، وقبل أن نفكّر في السيادة الداخلية، دعنا نرفع أبصارنا قليلًا نحو السماء ونراقب - بعيون الفيلسوف لا بعيون العالِم - ذلك الجرم المتوهّج الذي لم يستأذن أحدًا كي يُشرق.
الشمس في مجرّة درب التبانة هي المركز. وحولها كلّ شيء يدور. حتى لو دار كوكبٌ حول نفسه، فإنّ ذلك لا يتعارض مع دورانه حول الشمس، بل يجعله أكثر إثارةً وتعقيدًا وجمالًا، ويسمح لنور الشمس أن يشرق على كلّ جوانبه دون استثناء.
الشمس تختار موقعها بحسابات دقيقة لا تخطئ: تقترب بما يكفي لتهب الدفء والحرارة اللازمين للخلق، وتبتعد بما يكفي لتضمن ألّا يذوب ذلك الخلق ويتلاشى تحت لهيبها. قرب يُحيي، وبُعد يصون -وهذا وحده يكفي تعريفًا للتوازن.
الشمس تُشرق كلّ صباح بلا استئذان، معلِنةً الإذن للحركة والسعي والإنجاز. ثمّ حين تُشرق على غيرك، تمنحك أنتَ فرصة الراحة والمراجعة والعودة إلى نفسك. لا تعتذر عن غروبها، ولا تستأذن في شروقها.
الشمس تُنير السموات والأرض وتسطع بأشعّتها الذهبية دون نظام فلترة أو تصنيف.. هي تُشرق على الظالم والمظلوم، على الجاهل والعالِم، على النشيط والكسول، على المخطئ والمصيب، على الجميل والقبيح، دون تمييز ودون انتظار شكر.
باختصار: الشمس تكون حقيقتها فقط. دون تجميل مبنيّ على آراء الآخرين.. دون تعديل يُمليه خوف الرفض. هي أصلًا لا تعرف إلّا أن تكون ما هي عليه دون قناع ودون مسرحية.
ومن يشتكي من حرّها؟ تزيده لهيبًا. ومن يشتكي من غيابها؟ تسمح للغيوم بالتراكم بينها وبينه، بما يحجب عنه ضوءها ودفأها - لا عقابًا، بل لأنّ الغيم جاء من اختياراته هو لا من طبيعتها هي.
ماذا لو علمتَ أنّك أنتَ الشمس في مجرتك؟ حياتك تبدأ بقدومك إلى هذا العالم وتنتهي بمغادرتك إيّاه. وما بين الميلاد والموت تلك هي مجرّتك كلّه. فلو كانت ثمّة شمس في هذه المجرّة، فهل ستكون غيرك؟
لحظةٌ لا تأتي بإشعار
ثمّةَ لحظةٌ لا تُعلن عن نفسها، لا تأتي مصحوبةً بصوت ولا مشهودةً بشاهد. لحظةٌ تتسلّل في صمت، مثلما يتسلّل الفجر بين شقوق الليل، فلا تدري متى بدأت، غير أنّك تُدركها في كامل حضورها حين تجد نفسك - ولأوّل مرّة ربّما - تقف أمام الحياة بلا حاجةٍ تستجدي، ولا ذاتٍ تثبت، ولا سؤالٍ يبحث عن إجابة في عيون الآخرين.
تلك اللحظة لا تهبها المكانة، ولا تصنعها الثروة، ولا تُهديها الشهرة. إنّها تولد من داخل الإنسان وحده، حين يكتشف - بعد رحلةٍ طويلة من الركض خلف ما ليس له - أنّ معظم ما كان يطارده لم يكن سوى صدىً لصوت داخلي يُناديه بالعودة إلى نفسه.
في تلك اللحظة تحديدًا يبدأ الوعي. ويبدأ التحرّر. ويبدأ ما يمكن تسميته - بكلّ دقّة - الاستغناء.
بين السؤال والجواب.. ثورة
يُروى أنّ جلال الدين الرومي توجّه يومًا إلى شمس الدين التبريزي بسؤالٍ يحمل ثقل كلّ روحٍ تعبت من نفسها:
"كيف تبرد نار النفس؟"
فأجابه شمس، بكلمةٍ واحدة:
"بالاستغناء."
لم يقل له: بالصلاة وإن كانت عماد الروح. ولا بالعلم وإن كان نور العقل. ولا بالمال ولا بالزهد. قال له: بالاستغناء.
لأنّ الاستغناء ليس فعلًا خارجيًا يمارسه الجسد، بل ثورةٌ داخلية تُعيد رسم حدود الذات. إنّه اللحظة التي تتوقّف فيها عن استجداء ما وهبك الله إيّاه أصلًا، واللحظة التي ينتهي فيها ذلك التسوّل الصامت - تسوّل الاعتراف، والقبول، والمعنى - من موائد الآخرين.
أخطر القيود.. تلك التي لا تُرى
إنّ أخطر أنواع العبودية ليست عبودية الجسد، بل عبودية الاحتياج. فالإنسان قد يمشي حرًّا بلا سلاسل ترى، بينما يقضي عمره كلّه أسيرًا لفكرة متجذّرة، أو شخصٍ يملك مفتاح رضاه، أو صورةٍ ذهنية صنعها من فتات آراء الآخرين.
كم من إنسانٍ باع سلامه الداخلي ثمنًا للقبول؟ وكم من امرأةٍ تنازلت عن كرامتها خشية الهجران؟ وكم من رجلٍ أضاع نفسه في متاهة إثبات نفسه؟ وكم من موهبةٍ عظيمة دُفنت حيّةً تحت ثقل الحاجة إلى التصفيق؟
قال كارل غوستاف يونغ:
"الامتياز الحقيقي لا يكمن في أن تكون أفضل من الآخرين،
بل في أن تكون أفضل مما كنتَ عليه بالأمس."
فالإنسان لا يُهزم حين يفقده الآخرون، بل يُهزم حين يفقد نفسه وهو يحاول الاحتفاظ بهم.
فصولٌ لا كتاب.. وأدوارٌ لا أصحاب
الحقيقة المُرّة الجميلة في آنٍ واحد: بعض الناس يأتون ليكملوا فصلًا في كتاب حياتك، لا ليقيموا في كلّ صفحاته.
"الناس صنفان؛ من أراد هجرك وجد في ثقب الباب مخرجًا،
ومن أراد البقاء معك لردم ثقبٍ في الصخرة مدخلًا."
الوعي ليس أن تعرف كيف تتمسّك. بل أن تعرف متى تترك. فالوردة لا تبكي حين تتساقط أوراقها، والشجرة لا تدخل في حداد كلّ خريف، والنهر لا يعود إلى منبعه هربًا من المجهول. فلماذا يُصرّ الإنسان وحده على التمسّك بما انتهى؟
الجرح ليس فيما فقدتَ.. بل فيما أعطيتَه لما فقدتَ
الناس لا يتألّمون بسبب ما فقدوه، بل بسبب المعنى الذي ألصقوه بما فقدوه. يفقد أحدهم علاقةً فيعتقد أنّه فقد الحبّ كلّه. ويفقد منصبًا فيعتقد أنّه فقد قيمته جميعها. بينما الحقيقة أنّ الحبّ أكبر من شخص، والقيمة أسمى من منصب.
قال فيكتور فرانكل، الذي عاش الجحيم وخرج منه شاهدًا لا ضحية:
"كلّ شيءٍ يمكن أن يُسلَب من الإنسان إلّا شيئًا واحدًا:
حريّته في اختيار موقفه تجاه ما يحدث له."
وهنا يكمن جوهر الاستغناء الحقيقي: أن تُدرك أنّ أحدًا لا يملك سلطةً على روحك، إلّا بمقدار ما أنتَ نفسك منحتَه إيّاها.
الاستغناء الأعظم: أن تستغني عن البشر بربّ البشر
ليس الانفصال عن الناس نفيًا لهم أو عزلةً عنهم، بل ألّا تجعلهم المصدر الوحيد لمعناك. ألّا تجعل رضاهم ميزان قيمتك. ألّا تجعل قبولهم تعريفًا يُحدّد هويّتك.
من عرف الله حقًا استغنى. ومن استغنى تحرّر. ومن تحرّر أشرق. ومن أشرق صار حضوره دعوةً صامتة إلى النور.
قال إبن الرومي:
"حين أترك ما أنا عليه، أصبح ما يمكن أن أكونه."
فكلّ ولادةٍ جديدة تبدأ بموت شيءٍ قديم. وكلّ اتّساعٍ يبدأ بتخلٍّ. وكلّ حريّةٍ حقيقية تبدأ باستغناء.
الاستغناء.. كما ينبغي أن يُفهم
الاستغناء ليس قسوةً على النفس ولا جحودًا للجمال. بل هو أن تُحبّ دون أن يأسرك الخوف. أن تمتلك دون أن يمتلكك ما تمتلك. أن تحلم دون أن يُشلّك القلق. أن تعمل دون أن تربط قيمتك بسقف النتائج.
إنّه أن تسير في هذه الحياة بقلبٍ ممتلئٍ بالله لا بالهواجس، وبروحٍ تستمدّ نورها من الخالق لا من تصفيق المخلوقين.
ستكتشف أنّ أعظم أشكال الثراء ليس ما تُضيفه إلى حياتك، بل ما تتحرّر منه. وأنّ أعظم أشكال القوّة ليس ما تسيطر عليه، بل ما لم يعد قادرًا على السيطرة عليك.
ذلك هو الاستغناء.
وذلك هو سرّ السيادة الداخلية.
وذلك هو الطريق الوحيد الذي لا يقودك إلى امتلاك العالم… بل إلى امتلاك نفسك.
باريس
1 يونيو 2026