الجزيرة:
2026-06-03@02:40:23 GMT

فيلم يونان.. قصيدة سينمائية عربية عن الوطن المستحيل

تاريخ النشر: 3rd, February 2026 GMT

فيلم يونان.. قصيدة سينمائية عربية عن الوطن المستحيل

ينتمي فيلم "يونان" لنوعية أمست نادرة في الوطن العربي، وهي السينما التأملية التي تجنح إلى الأسئلة الوجودية أكثر من مجرد سرد حكائي تقليدي، فلا يعتمد على الأحداث قدر ما يراهن على الحالة، وبناء عالم بصري يعكس أزمة الشخصية الرئيسية في تجربة سينمائية هادئة وبطيئة الإيقاع.

الفيلم من تأليف وإخراج أمير فخر الدين ضمن إنتاج دولي مشترك بين عدة دول عربية وأوروبية، وبطولة جورج خباز إلى جانب هانا شيغولا.

اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2عيون مغلقة وطقوس شيطانية.. الفيلم الذي أعادته وثائق إبستين للحياةlist 2 of 2نجوم هوليود يقاطعون الولايات الحمراءend of list

عُرض "يونان" عالميا لأول مرة ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان برلين السينمائي الدولي (Berlin International Film Festival)، قبل أن يجوب عددا كبيرا من المهرجانات الدولية والعربية، وحصد جوائز مهمة، ويُعرض الآن تجاريا بشكل محدود.

عربي يبحث عن الخلاص في جوف الحوت

يفتتح فيلم "يونان" بتعريف بسيط بالشخصية الرئيسية من خلال محادثة هاتفية مع أهله، ليعرف المتفرج أن بطله خلال الساعتين القادمتين من عمر الفيلم رجل في منتصف العمر، يعيش في أوروبا وحيدا، لا مكالمة العائلة أو لقاء الحبيبة يخففان من الحزن الذي يغمره، حزن يصعب وصفه، فهو يحيطه كعباءة شفافة لكنها ثقيلة تثبته في الأرض وتجعل خطواته تزن جبالا.

يقرر منير (جورج خباز) التحلل من كل شيء، ترك الحياة نفسها خلفه، فيسافر إلى جزيرة نائية على أطراف بحر الشمال بدافع يبدو منذ اللحظة الأولى غامضا ومثقلا باليأس، لا يقدم الفيلم دوافعه بشكل مباشر، بل يتركها تتكشف تدريجيا عبر نظراته ووحدته، وعلاقته المتوترة بالعالم من حوله، في سرد يقوم على الإيحاء أكثر من التصريح.

وينطلق الفيلم من فقدان يتمثل في غياب الوطن واستحالة التعويض عنه، ليحول رحلة منير إلى تأمل طويل في معنى الانتماء والعزلة ومحاولات الإنسان اليائسة لإيجاد سبب كاف للاستمرار، وفي نزل عائلي صغير على حدود بحر الشمال، أبعد مكان استطاع منير الوصول إليه، ينغمس منير في حزنه الغامر، ويظن أن نهاية حياته على الأبواب، غير أن حاله يتغير عندما يبدأ بالتواصل مع صاحبة النزل وأهالي القرية بشكل بطيء.

إعلان

ليس من قبيل الصدفة أن يختار أمير فخر الدين عنوان "يونان"، فالكلمة نفسها تحمل بعدا رمزيا عميقا يتقاطع مع قصة النبي يونس، التي يتردد صداها في مشاعر البطل، فمنير رجل يغوص في ظلمة وحدته كما لو أنه في بطن حوت مجازيا، يبحث عن أي نوع من الخلاص، سواء بالتحسن أو الموت.

ولا يمكن قراءة "يونان" بمعزل عن المشروع السينمائي الأوسع الذي يعمل عليه أمير فخر الدين، والذي يمكن اعتباره ثلاثية عن الوطن والمنفى، بدأت بفيلم "الغريب" وتُستكمل في "يونان"، ويعمل الآن على المشروع الثالث في هذه الثلاثية.

في هذا المشروع لا يظهر الوطن كمكان ثابت أو باعث للحنين، بل كفكرة مكسورة أو مستحيلة الاستعادة، فخر الدين، المخرج السوري المولود في أوكرانيا لوالدين من الجولان والمقيم في ألمانيا، يحمل في تكوينه الشخصي ذاته هذا التشظي الجغرافي وفي الهوية، وهو ما ينعكس بوضوح في أفلامه، فشخصياته لا تنتمي بالكامل للمكان الذي تعيش فيه، ولا تستطيع العودة إلى المكان الذي خرجت منه.

السينما الشعرية في "يونان"

ينتمي "يونان" بوضوح إلى ما يمكن تسميته بالسينما الشعرية (Poetic Cinema)، وهي سينما لا تسعى إلى حكي قصة مكتملة الأركان بقدر ما تحاول الإمساك بحالة شعورية أو التقاط إحساس عابر، وتركه يتردد داخل المتفرج. في هذا النوع من السينما لا تُقاس قوة الفيلم بتعقيد الحبكة أو كثافة الأحداث، بل بقدرته على خلق إيقاعه الداخلي الخاص، وصور ودلالات ورموز، ومن هنا أتت تسمية السينما الشعرية التي تجعل الفيلم مثل قصيدة شعرية لا تُفهم كاملة من القراءة الأولى، ولا يفهمها الجميع بشكل متساو، بل تترك أثرا مختلفا عند كل شخص.

يستخدم أمير فخر الدين الشعر هنا بوصفه مدخلا مباشرا لقراءة الفيلم، من خلال استدعاء أبيات للمتنبي في بدايته، لا كزخرفة ثقافية، بل كاختصار مكثف لحالة الفقد والاغتراب التي يعيشها البطل، فيتحول المتنبي وأبياته إلى صوت يوازي حالة منير، ويضع المتفرج منذ اللحظة الأولى أمام فيلم يُفكَّر فيه بقدر ما يُشاهَد.

لكن شعرية فيلم "يونان" لا تتوقف عند أشعار المتنبي، بل تمتد إلى الصورة نفسها، الكاميرا لا تلاحق الأحداث بل تراقب الشخصيات من مسافة، ووسط طبيعة قاسية وباردة تعكس العالم الذي يعيش فيه منير داخليا وخارجيا. البحر والضباب والفراغات الواسعة واللقطات الطويلة كلها عناصر تُستخدم لبناء مزاج عام تتحول فيه الطبيعة إلى مرآة للحالة النفسية، لا خلفية محايدة، وتقوم الصورة السينمائية بما يتوجب عليها القيام به، أي تصبح لغة قائمة تحمل ما تعجز الكلمات عن قوله.

تكتمل هذه الشعرية عبر شريط الصوت الخاص بالفيلم، وقد غلب عليه الاقتصاد الشديد في استخدام الموسيقى وحتى الحوار، ما يفسح المجال للأصوات الطبيعية مثل الرياح وخطوات الأقدام وصرير الأبواب. هذا الصمت ليس فراغا، بل عنصرا دراميا أساسيا، يمنح المتفرج فرصة لإبطاء دقات قلبه لتتناسب مع إيقاع الفيلم البطيء، وعيش تجربة عزلة منير بدلا من مراقبتها من الخارج.

أما على مستوى التمثيل فيقدم جورج خباز أداء هادئا يعتمد على الجسد والنظرات أكثر من الحوار، فمنير على مدار الفيلم لا يشرح ألمه نهائيا ولا يبرره، بل يتركه يتسرب للمتفرج عبر تفاصيل صغيرة ونظراته الشاردة، ويقابله أداء أيقونة السينما الألمانية هانا شيغولا، التي تقدم في الفيلم دورا رقيقا للمرأة العجوز التي لا تحمل خلاصا لألم منير أكثر من أنها تصحبه بهدوء في رحلته التي يحدد خلالها وجهته النهائية في الحياة.

فيلم "يونان" ليس تجربة سهلة أو مريحة، ولكنه تجربة صادقة، تتطلب من المتفرج الصبر والانفتاح، وتكافئه بإحساس يندر اليوم، وهي أن السينما ما زالت قادرة على أن تكون مساحة للتأمل، ومكانا للإصغاء للصمت، ومرآة لقلق العربي المهاجر الذي يحمل وطنه كجرح لا يندمل أينما ذهب.

إعلان

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات أمیر فخر الدین أکثر من

إقرأ أيضاً:

الرباط تحتضن أول دورة من مهرجان السينما الروسية بالمغرب في يونيو المقبل

تستضيف مدينة الرباط، خلال الفترة الممتدة من 18 إلى 21 يونيو الجاري، الدورة الأولى من مهرجان السينما الروسية بالمغرب 2026، في حدث ثقافي يُنظم لأول مرة بالمملكة من طرف مؤسسة “روس كينو”، بدعم من وزارة الثقافة الروسية، بهدف تعزيز التبادل الثقافي والفني بين المغرب وروسيا.

وأكدت إيلزا أنطونوفا، المديرة العامة لـ”روس كينو”، أن تنظيم هذا المهرجان يشكل محطة مهمة للتعريف بالإنتاجات السينمائية الروسية لدى الجمهور المغربي، مشيرة إلى أن الأفلام المختارة تتميز بجودة فنية عالية وتتناول قصصاً إنسانية متنوعة قادرة على ملامسة وجدان المشاهدين.

وسيُفتتح المهرجان بعرض فيلم “L’Aviateur” للمخرج إيغور ميخالكوف-كونشالوفسكي، وهو عمل سينمائي مقتبس من الرواية الأكثر مبيعاً للكاتب يفغيني فودولازكين، ويروي قصة إينوكينتي بلاتونوف الذي يحاول إعادة بناء تفاصيل حياته والبحث عن مكانه في واقع جديد.

وفي هذا السياق، أوضح المخرج أن الفيلم يتناول سعي الإنسان الدائم لتحقيق المستحيل وما يرافق ذلك من تحديات ونتائج، معبراً عن سعادته بعرض العمل أمام الجمهور المغربي.

ويضم برنامج المهرجان ستة أفلام أخرى متنوعة بين الدراما والحركة والخيال العلمي والرسوم المتحركة، من بينها فيلم “Août” الذي يستعرض بطولات جهاز مكافحة التجسس السوفياتي “سميرش”، وفيلم الرسوم المتحركة “دكتور ديناصور” الذي يروي مغامرة عائلية في عصر الديناصورات.

كما سيُعرض فيلم التجسس الروسي-الصيني “La Soie Rouge”، الذي تدور أحداثه حول نقل وثائق سرية عبر السكك الحديدية السيبيرية سنة 1927، إلى جانب فيلم الخيال العلمي البوليسي “الأعسر” الذي ينطلق من اكتشاف برغوث آلي غامض داخل القصر الإمبراطوري.

ويتضمن البرنامج أيضاً الفيلم الكوميدي “L’Homme Qui Riait”، الذي يحكي قصة نجم أفلام أكشن يفقد السيطرة على مشاعره بعد حادث غير متوقع، فضلاً عن الفيلم العائلي “بابا ياجا في بيتنا”، الذي يروي حكاية صبي تتغير حياته بعد ظهور مربية أطفال ساحرة، وهو العمل الذي تم اختياره للمشاركة في مهرجان « Balinale » السينمائي بإندونيسيا.

ويُنتظر أن يشكل هذا الحدث منصة لتعزيز الحوار الثقافي بين المغرب وروسيا، وفتح آفاق جديدة للتعاون في المجال السينمائي، فضلاً عن إتاحة الفرصة للجمهور المغربي لاكتشاف نماذج من الإنتاج السينمائي الروسي المعاصر.

يُذكر أن “روس كينو” هي مؤسسة حكومية تُعنى بالترويج للصناعة السمعية البصرية الروسية في الأسواق والمهرجانات الدولية، وتُعد الوريث القانوني لشركة “سوف إكسبورت فيلم” التي يعود تاريخ تأسيسها إلى سنة 1924، وقد احتفلت سنة 2024 بمرور مئة عام على انطلاق نشاطها

كلمات دلالية الرباط ثقافات فن مهرجان السينما الروسية

مقالات مشابهة

  • اليوم.. أمسية أدبية بالإسماعيلية احتفاء بالشاعر مدحت منير
  • «مجاذيب السينما».. وجوه متعددة لشخصية واحدة
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • قصر الشباب والأطفال يجهز صالة السينما لمتابعة مباريات كأس العالم 2026 مجاناً
  • قائد لا يعرف المستحيل.. فيفا: حسام حسن يتطلع لإنجاز تاريخى فى كأس العالم
  • غدا.. قصور الثقافة تحتفي بمسيرة الشاعر مدحت منير بالإسماعيلية
  • الرباط تحتضن أول دورة من مهرجان السينما الروسية بالمغرب في يونيو المقبل
  • الفنان أحمد منير يشارك في تشييع جنازة سهام جلال
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟