صحيفة الاتحاد:
2026-06-03@01:26:31 GMT

الكاتب بين الإبداع وصناعة المحتوى

تاريخ النشر: 4th, February 2026 GMT

محمد عبد السميع (أبوظبي)

تُعد العلاقة بين الكاتب ووسائل التواصل الاجتماعي واحدة من أكثر الإشكاليات الثقافية تعقيداً في عصرنا الراهن، فالنص الأدبي لم يعد قاصراً على الحبر والأوراق، بل تحول إلى كيان رقمي يتسم بالسرعة الفائقة والتدفق اللحظي للمعلومات. هذا التحول الرقمي لم يغير فقط من أدوات النشر، بل أعاد صياغة الهوية الإبداعية للكاتب، وطرح تساؤلات جوهرية حول ماهية «الكاتب الحقيقي» في زمن «الترند».

بدايةً يرى الكاتب الإماراتي محمد الحبسي أنّ جيل «السوشيال ميديا» يتصف بالإيقاع السريع في متابعة الأخبار وإبداء الآراء، كما أنّ قراءته للنصوص لا تستغرق ثواني معدودة، وذلك سبب ظهور الكتابة القائمة على الاختصار والعبارات الجاذبة، بل والإثارة أحياناً، فطغت هذه المواضيع على عمق النص ومحتواه.

أخبار ذات صلة إطلاق مسابقة تأليف النص المسرحي للكبار إسبانيا تحظر وسائل التواصل الاجتماعي للقصر دون سن 16عاماً

 وحول مفهوم «الكاتب»، وهل تأثر بهذه المنصّات الرقميّة، يقول الحبسي: إنّ الكاتب الحقيقي لا يمكن أن يتغير، حتى مع اختلاط المعايير، اليوم نرى أصحاب أقلام يريدون الحصول على لقب كاتب من دون تعب أو ثقافة أو اطلاع أو معرفة. وأكد أنّ الكتابة مسؤولية، قبل أن تكون سبباً للشهرة؛ إذ تعتمد على الرؤية والمعرفة والدقة، ورغم أنّ «السوشيال ميديا» فتحت المجال لظهور أصوات جديدة، بل كسرت احتكار النشر وقرّبت بين الكاتب وجمهوره، لكن يبقى التحدي الأساسي هو الحفاظ على جودة اللغة وأصالة الفكرة، فالمنصات قد تتغير ولكن الكاتب الحقيقي هو الذي يبقى في ذهن القارئ ووجدانه.
وقال الكاتب الصحفي والقاص المصري محمد عبد المقصود: إن الكتابة تتطور عبر العصور، وهذا التطور يفرض نفسه على الكاتب الذي يجب عليه تطويع أدواته ومهاراته لاستيعاب كل وسيلة نشر جديدة، ولكن ما حدث أن وسائل النشر الإلكتروني منحت الجميع فرصاً للكتابة، حتى من دون ضوابط؛ فكانت النتيجة إفراز كم هائل من السرد، أدى إلى صعوبة الوصول إلى محتوى نوعي قيم، لكننا يجب ألا نعرض عن التعامل مع الواقع بأساليب جديدة، وذلك أفضل من الوقوف عند النقد والرصد فقط من دون اللحاق بما يتطلبه العصر.
من جهته، يرى الناقد والناشر العراقي أمجد ياسين أنّ مواقع التواصل الاجتماعي أثّرت على الكاتب ونزعت الهالة التقليدية عن لقب «كاتب»، الذي أصبح متاحاً اليوم لكل من يملك حساباً نشطاً أو نصّاً سريع الانتشار. لافتاً لأنّ المشكلة ليست في المنصة، بل في غياب المعايير؛ حين اختلط مفهوم الكاتب بالمدوّن بصانع المحتوى، وهو ما جعل دور المحرر والناقد يتراجع، ما يفرض علينا كمؤسسات ثقافية إعادة تعريف الكاتب كصاحب مشروع فكري ولغوي متماسك.

اختبار قاسٍ
يرى الكاتب المصري أحمد الشناوي أنّ «السوشيال ميديا» وضعت الكتابة في اختبار قاسٍ ومباشر، لكنها لم تفسدها، لافتاً إلى الفرق بين الكتابة لأجل «الترند» والكتابة بهدف ترك الأثر. وقال إن النص السريع قد يحقق حضوراً، لكنه ليس بالضرورة أن يصنع قيمةً؛ اعتماداً على أنّ الكتابة تتسم بالقدرة على مقاومة الزمن، وأضاف أن الخطر ليس في ظهور أشكال جديدة، بل في عملية استسهال الكتابة، فيكون الكاتب بذلك منتجاً دائماً للآني والعابر، محذراً من الشاشة وإغراءاتها، وضعف المشروع الثقافي وسط هذا التفاعل الرقمي اللحظي.
من ناحية أخرى، ترى الكاتبة الشابة مروة حسين أنّ الاتهام بتشويه مفهوم الكاتب عن طريق «السوشيال ميديا» موضوع فيه تعميم، هناك الكثير من الكتّاب الشباب وجدوا في المنصات الرقمية فرصةً للتعبير والنشر، باعتبارها الوحيدة التي أظهرت أصواتهم.

المصدر

المصدر: صحيفة الاتحاد

كلمات دلالية: وسائل التواصل الاجتماعي النشر الثقافة الكتابة السوشیال میدیا

إقرأ أيضاً:

تحولات الشهرة في العصر الرقمي

 

د. هبة العطار

مُنذُ أن تحوَّل العالم إلى شاشاتٍ صغيرة نحملها بين أيدينا، لم تعد وسائل التواصل مجرد أدوات للاتصال أو الترفيه؛ بل أصبحت مساحات لإعادة تشكيل الوعي الإنساني وأنماط الحضور الاجتماعي، وتغيَّرت معها علاقة الإنسان بالصورة وبنفسه داخل الفضاء العام الرقمي، حتى أصبح الظهور جزءًا من الحياة اليومية لا حدثا استثنائيا مرتبطا بالمشاهير وحدهم.

في ظل هذا التدفق الرقمي المتسارع، لا تكتفي المنصات بنقل المحتوى وحسب، وإنما تشارك في إنتاجه وتوجيه انتشاره، وتحديد ما يظهر وما يختفي داخل بيئة تعتمد على السرعة والتكثيف، ومع هذا التحول أضحى النظر إليها بوصفها أدوات ترفيه وفضاءات ثقافية تُعيد صياغة الذوق العام وأنماط التأثير داخل المجتمع الحديث.

منصة TikTok الشهيرة تحولت من مجرد مساحة رقمية عابرة إلى ظاهرة إعلامية وثقافية أعادت تعريف مفهوم الشهرة وصناعة المحتوى، ومن هنا بات السؤال الحقيقي كيف أعاد هذا الفضاء الرقمي تشكيل علاقتنا بالشهرة والانتباه والتأثير والهوية الإنسانية ذاتها، بغض النظر عن مدى إيجابيات أو سلبيات هذه المنصة؟!

لقد أحدثت منصة TikTok تحولًا عميقًا في فكرة "النجم" كما عرفته الأجيال السابقة؛ ففي الماضي كانت النجومية تمُر عبر أبواب مغلقة تتحكم فيها المؤسسات الإعلامية وشركات الإنتاج والقنوات التلفزيونية، أما اليوم فقد أصبح الظهور أكثر انفتاحًا؛ حيث يستطيع شاب يُغني من غرفته الصغيرة، أو فتاة تقدم محتوى معرفيًا عبر هاتف بسيط، أن تصل إلى جمهور واسع في غضون ساعات قليلة. وهكذا ظهرت نماذج جديدة من المؤثِّرين وصُنَّاع المحتوى الذين لم تمنحهم المؤسسات التقليدية فرصة حقيقية للظهور، لكن الجمهور والخوارزمية معًا أعادا اكتشافهم، ولم تعد الشهرة مرتبطة فقط بالإمكانات المادية أو النفوذ الإعلامي؛ بل أصبحت مرتبطة بقدرة الشخص على جذب الانتباه وصناعة القرب الإنساني وتقديم محتوى يلامس اهتمامات الناس ومشاعرهم اليومية.

لقد تحولت الخوارزمية إلى ما يُشبه "حارس بوابة" جديدًا، يُقرِّر من يظهر ومن يختفي، لكنها تختلف عن الحارس التقليدي في أنها لا تسأل عن الشهادات أو المكانة الاجتماعية بقدر ما تسأل عن القدرة على إيقاف الجمهور ولو لثوانٍ قليلة وسط هذا التدفق الهائل للمحتوى.

وقد قدمت المنصة نماذج إيجابية حقيقية تستحق التأمل والدراسة، إذ برز أطباء ومتخصصون نفسيون وصناع معرفة نجحوا في تبسيط المعلومات وتقديم محتوى توعوي سريع يناسب طبيعة العصر الرقمي وإيقاعه المتسارع، كما ظهرت مبادرات إنسانية ومحتويات داعمة للصحة النفسية، وأصبح بعض الشباب يستخدمون المنصة لنشر رسائل اجتماعية وثقافية تعزز قيم التسامح والتطوير الذاتي والتواصل الإنساني.

ومن اللافت أن كثيرًا من هذه النماذج اعتمدت على العفوية والبساطة أكثر من اعتمادها على الإنتاج الضخم أو الإمكانات الاحترافية، وهو ما خلق نوعا جديدا من العلاقة بين الجمهور وصانع المحتوى، علاقة تقوم على الإحساس بالقرب والتشابه والمشاركة اليومية، لا على المسافة التقليدية التي كانت تفصل المشاهير عن الناس.

غير أن الوجه الآخر للمنصة يكشف عن إشكاليات لا يمكن تجاهلها؛ إذ ظهرت أنماط من المحتوى تقوم على الإثارة الرخيصة والاستعراض المُبالَغ فيه والبحث المحموم عن المشاهدات بأي وسيلة مُمكِنة، فبعض الحسابات تبني انتشارها على افتعال الجدل والصراعات الفكرية أو الدينية، أو تغذية التعصب والكراهية، أو تقديم محتوى قائم على الاستفزاز والصدمات السريعة التي تضمن التفاعل ولو على حساب القيم والمعنى.

هنا لا تبدو المشكلة في التكنولوجيا ذاتها؛ بل في طبيعة البيئة الرقمية التي تُكافئ أحيانًا المحتوى الأكثر إثارةً وصخبًا أكثر من المحتوى الأكثر عمقًا واتزانًا، مما يدفع بعض المستخدمين إلى المبالغة والتطرف من أجل البقاء داخل دائرة الضوء.

وفي هذا السياق، برز ما يُعرف بـ"اقتصاد الانتباه"؛ بوصفه أحد أهم ملامح البيئة الرقمية المعاصرة، ففي عالم تتزاحم فيه الرسائل والصور والمقاطع بلا توقف، أصبح الانتباه ذاته موردًا بالغ القيمة تتنافس عليه المنصات وصناع المحتوى والمعلنون، وتُبنى عليه معدلات الانتشار والتأثير والعوائد الاقتصادية، ومع الاعتياد على الانتقال المستمر بين الصور والأصوات والمثيرات البصرية في ثوان معدودة، يُثار تساؤل مهم حول قدرة الإنسان المعاصر على الاحتفاظ بالتركيز العميق والتأمل الطويل في عالم يتسارع إيقاعه بصورة غير مسبوقة.

ومع ذلك قد يكون من الخطأ النظر إلى TikTok باعتبارها السبب الوحيد لهذه التحولات، فهي- أي المنصة- لا تخلق الرغبة في الشهرة أو البحث عن الاعتراف من العدم، بقدر ما تمنحها فضاءً أوسع للظهور والتضخم، ومن ثم تبدو المنصة أقرب إلى مرآة رقمية تعكس ما يفضله المجتمع وما يتفاعل معه، بقدر ما تؤثر فيه وتعيد تشكيله، لتصبح مسؤولية المحتوى مسؤولية مشتركة بين الخوارزمية وصانع المحتوى والجمهور على حد سواء.

إنَّ TikTok أكثر من مجرد منصة للترفيه السريع؛ فهي انعكاس واضح لتحولات الإنسان المعاصر وطريقته المستمرة في البحث عن الحضور والتأثير والاعتراف داخل العالم الرقمي، ورغم ما تُتيحه من فرص واسعة للتعبير والظهور، وما تُثيره من تحديات تتعلق بطبيعة الانتباه وقيمة المحتوى في عصر السرعة، تبقى الحقيقة الأهم أن المنصات قد تمنح الضوء والانتشار، لكنها لا تصنع وحدها المعنى؛ فالقيمة الحقيقية ليست في عدد من يشاهدوننا، وإنما في الأثر الذي يبقى بعد أن ينتهي المشهد ويُغلق الجميع شاشاتهم.

رابط مختصر

مقالات مشابهة

  • في ذكرى رحيل سيدة المسرح العربي سميحة أيوب.. مسيرة فنية خالدة صنعت تاريخًا من الإبداع
  • د. أمل منصور تكتب : الأمان والونس والعفوية .. الثالوث الذي يحفظ الحب حيًا
  • اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
  • تحولات الشهرة في العصر الرقمي
  • بحث تعزيز التعاون الصناعي والاستثماري بين عُمان وبيلاروس
  • قصة محمد الطبال تشعل السوشيال ميديا في ليبيا.. ماذا فعل نجم السويحلي؟
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟
  • الشغلانة بقت لجان مش موهبة بس| صدمة مي عز الدين من السوشيال ميديا
  • هل تؤثر السوشيال ميديا على سلوك الأطفال والمراهقين وصحتهم النفسية؟