الحجر الذي كاد يقتل الإسكندر الأكبر في أفغانستان
تاريخ النشر: 4th, February 2026 GMT
لم تُوصَف أفغانستان بـ "مقبرة الإمبراطوريات"؛ لأنها كسرت الجيوش في ضربة واحدة، بل لأنها أتقنت فنَّ استنزاف القوى العظمى حتى انطفأت مشاريعُها الإمبراطورية؛ ففي هذا البلد التي تتشابك فيه الجبال الوعرة مع مجتمعٍ عصيّ على التمركز والخضوع، تحوّل شعبه مع الزمن إلى خصم عنيد؛ إذ دخله الغزاة وهم يراهنون على سلاحهم الفتاك، وقواتهم الضخمة، من الإسكندر الذي كاد أن يُقتل بحجر هناك، إلى البريطانيين فالسوفيات ثم أخيرًا الأمريكيين، لكنهم خرجوا جميعا منه مقتنعين بأن النصر العسكري الحاسم هناك غير ممكن، وأن أفغانستان حقا مقبرة الإمبراطوريات!
وكان من عظماء القادة الذين سعوا إلأى إخضاع هذه البلاد منذ ما قبل الميلاد هو الإسكندر الأكبر؛ ففي خريف عام 331 ق.
وقد أفضى هذا النصر إلى سيطرة الإسكندر على القسمين الغربي والأوسط من الإمبراطورية الفارسية الآفلة، غير أن طموحه لم يقف عند هذا الحد؛ إذ ظلت الأقاليم الشرقية في إيران وأفغانستان خصوصا، ووسط آسيا وحتى الهند، خارج قبضته. وهي مناطق كانت تُدار ضمن نظام سُمي بالساترابيات (Satrapies)؛ وهي ولايات إدارية فارسية كان يحكمها ساتراب -أي والٍ محلي- وتُعد تاريخيًا خزانًا بشريًا كان يمد الجيش الفارسي بأمهر المقاتلين، ولذلك كان بقاء هذه الأقاليم خارج السيطرة المقدونية -في نظر الإسكندر- تهديدًا مباشرًا لاستقرار سلطته الإمبراطورية.
تجاوزت رؤية الإسكندر حدود التتويج ملكا على بلاد فارس، إذ قدم نفسه بوصفه "سيد آسيا"، وهو لقب عكس طموحا عالميا للسيادة على كامل المجال الذي خضع سابقًا للحكم الأخميني الفارسي، ومن ثم بات إخضاع الولايات الشرقية ضرورة سياسية وعسكرية له، ولا سيما إقليمي باكتريا (Bactria) "بلخ" في شمال أفغانستان الحالية، وسُغديانا (Sogdiana) "الصُغد" في مناطق من أوزبكستان وطاجيكستان، غير أن هذه الجبهة كانت من أعقد ميادين القتال؛ بسبب تضاريسها الجبلية الوعرة، واتساع صحاريها، وبُعدها عن مراكز الإمداد والسيطرة.
إعلانوفي هذه البيئة القاسية تبلورت إحدى أكثر مراحل حملة الإسكندر تعقيدا في بلاد الأفغان، إذ لم يواجه جيوشا نظامية فحسب، بل مقاومة محلية عنيدة تحصنت بالجغرافيا، مهددة مشروعه الإمبراطوري في العمق. ومع الزمن تحوّل القتال في الشمال الشرقي من حملة خاطفة إلى حرب استنزاف طويلة اتّسمت بعمليات الكر والفر وبحصارات متلاحقة استغرقت من الإسكندر قرابة 3 أعوام شاقة لإخضاع المقاومة في ولايات النظام الفارسي السابق.
وتُعد روايات المؤرخ اليوناني أريان من القرن الثاني الميلادي والمؤرخ الروماني كورتيس روفوس من القرن الأول الميلادي، المصدرين الرئيسيين لمعرفة وقائع تلك المرحلة؛ إذ يصوران لنا ملكا شابا أفسدته النجاحات المتراكمة، فعندما واجه مقاومة شرسة في تلك المناطق لجأ إلى عنف مفرط يناقض صورته البطولية. وقد كان ثمن ذلك سقوط عدد من أقرب وأخلص رفاقه وضباطه، فضلاً عن ضحايا كُثُر من السكان المحليين، نتيجة قرارات اتسمت بالغضب والاندفاع.
ففي أعقاب معركة غوغميلا عام 331 ق.م، قامت قوات الإسكندر بإحراق ونهب مدينة برسبوليس (Persepolis)، العاصمة الكبرى للإمبراطورية الأخمينية في فارس، في رسالة سياسية واضحة تؤكد انتقال السلطة، وتثبيت الزعامة والهيبة للقوة الجديدة. وقد أسفرت الغنائم عن الاستيلاء على ثروة هائلة قُدّرت بنحو 120 ألف تالنت (Talent)، والتالنت كانت وحدة وزن ونقد قديمة تُعادل عشرات الكيلوغرامات من الفضة. ومع ذلك لم يكن المال هدف الإسكندر الأساس؛ إذ انصبَّ اهتمامه على القبض على الملك الفارّ داريوس الثالث، الذي تمكن من الإفلات من ساحة المعركة حين اضطر الإسكندر إلى إيقاف المطاردة لإنقاذ جناحه الأيسر الذي كان مهددا بالانهيار.
وكما يقول المؤرخ العسكري الأمريكي مارك جيه. دي سانتيس في دراسته "الإسكندر الأكبر في أفغانستان" (Alexander the Great in Afghanistan)، فإن أسر داريوس -لو تحقق- كان سيمنح الإسكندر مكاسب سياسية حاسمة، أبرزها شرعنة الحكم عبر تنازل رسمي عن العرش أو إعلان بخلافته.
وفي مطاردة شرسة استمرت عامًا لحق الإسكندر بخصمه أخيرًا في يوليو/تموز 330 ق.م، غير أنه وصل متأخرًا؛ إذ كان داريوس قد قُتل بأمر من والي باكتريا شمالي أفغانستان، ويُدعى بيسوس، وهو في الوقت ذاته قريب داريوس، وقد حدث ذلك قرب مدينة تُسمى "هيكاتومبيلوس" في شمال شرقي إيران، عندئذ أمر الإسكندر بنقل جثمان الملك الفارسي إلى العاصمة الفارسية برسبوليس، القريبة من شيراز، لإقامة جنازة ملكية تليق بالعاهل القديم.
وفي هذه المرحلة أقدم الإسكندر على إعادة هيكلة جيشه بما ينسجم مع تحول أهدافه الإستراتيجية، فبعد حسم الصراع مع الدولة الأخمينية، اعتبر أن حملته ضد الإمبراطورية الفارسية قد أنجزت أهدافها، وهي الحملة التي خاضتها المدن اليونانية متّحدة تحت القيادة المقدونية في إطار حلف سمُي بحلف كورنث (League of Corinth)، وهو اتحاد سياسي وعسكري أنشأه فيليب الثاني -والد الإسكندر- لإخضاع المدن اليونانية وتوحيد قيادتها تحت رايته ضد فارس والانتقام منها. وعقب إنجاز ذلك صرف الإسكندر الوحدات اليونانية الحليفة.
إعلانولاحقا، شرع الإسكندر الأكبر في شرق إيران وأفغانستان في سلسلة حملات هدفت إلى إخماد بؤر المقاومة المحلية ضد الوجود المقدوني، وفي الشمال الأفغاني لاحق فلول جيش داريوس الثالث بقيادة بيسوس، وتمكن من إخضاع عدد من المدن والولايات الفارسية السابقة، والإبقاء في الوقت ذاته على عدد من الولاة المحليين في إطار سياسة إستراتيجية تقوم على استيعاب النخب المحلية بدل إقصائها بالكامل، حفاظًا على قدر من الاستقرار الإداري للإمبراطورية الاستعمارية الجديدة.
غير أن هذا التوازن الهش سرعان ما انهار، إذ أعلن بيسوس -قاتل داريوس وزعيم المقاومة الجديد- نفسه "ملكا عظيما"، متخذا الاسم الملكي أرتحششتا الرابع، ومستندًا في ذلك إلى نسبه الأخميني وإرثه الفارسي، وساعيًا إلى استقطاب ولاء الفُرس والأفغان الساخطين على الحكم المقدوني الأجنبي. وبالفعل تمكن بيسوس من جمع قوات محلية مقاومة مهمة، وانتظر دعمًا من قبائل السكيثيين المحاربة في سهوب آسيا الوسطى المجاورة، في خطوة مثلت تحديًا مباشرًا لسلطة الإسكندر الأكبر.
وعندما قرر الإسكندر التحرك شرقًا لمواجهة هذا التحدي، واجه صعوبات لوجستية كبيرة؛ إذ كان الطريق إلى باكتريا تمرّ بمناطق قاحلة شحيحة الموارد؛ لذلك أمر بحرق الأمتعة الزائدة لتخفيف الحمل وتسريع الحركة العسكرية لمواجهة المقاومة الأفغانية والفارسية الناشئة، وسار الجيش على طول الطريق الملكي الفارسي التي أنشأه الأخمينيون قديما لربط ولايات الإمبراطورية.
وخلال المسير وردت إلى الإسكندر أنباء خطيرة مفادها أن أحد الولاة الإخمينيين الفرس الذين أبقاهم في مناصبهم وقبل منهم الولاء، ويدعى ساتيبارزانيس، قد انقلب على عهده وأباد القوة المقدونية المرافقة له، ودعا إلى انتفاضة عامة في غرب أفغانستان ضد الإسكندر وإلى تأييد صريح لمقاومة بيسوس. واتخذ من مدينة أرتاكونا (Artacoana) القديمة القريبة من هرات مركزًا لتجمع قواته. وهكذا تحوّلت الحملة المقدونية من مطاردة منافس سياسي إلى مواجهة مفتوحة وحرب استنزاف مع مقاومة أفغانية شاملة ومكلفة على جميع الجبهات، كشفت هشاشة السيطرة المقدونية في أطراف إمبراطورية الإسكندر الأكبر، كما يؤكد فرانك هولت في كتابه "الإسكندر الأكبر وباكتريا" (Alexander the Great and Bactria).
ويكشف التأمل في مجرى تلك الأحداث عن خطورة الموقف السياسي والعسكري آنذاك؛ إذ شكلت مقاومة غرب أفغانستان أول تحدٍ علني للنظام السياسي الجديد الذي فرضه الإسكندر، وحتى تلك اللحظة كانت الهيمنة العسكرية الساحقة للجيش المقدوني قد كفلت، ظاهريا، خضوع معظم شعوب الإمبراطورية الأخمينية، بحيث جرى تقبّل السيادة المقدونية دون الحاجة إلى نشر حاميات كبيرة، حتى إن الإسكندر -كما رأينا- سرح كثيرا من قواته اليونانية ظنًا منه أن السيطرة على الشرق وأفغانستان باتت تحصيل حاصل.
غير أن هذا الوضع أفضى إلى هشاشة أمنية واضحة؛ لأنه كما يرى فرانك هولت في كتابه السابق فإن مناطق أفغانستان ووسط آسيا كانت في حركة مقاومة مستمرة للسيطرة الأخمينية الفارسية من قبل، ثم اعتبرت السيطرة المقدونية احتلالاً جديدًا لا يختلف عن سابقه، وكان صغر حجم الحاميات العسكرية المقدونية سببا لجعلها عُرضة للانهيار السريع إبان الانتفاضات الواسعة التي كانت تنشب من السكان المحليين، ومن ثمّ بات لزامًا على الإسكندر التحرك بسرعة لمنع انتقال التمرّد إلى ولايات أخرى ما تزال مستقرة ظاهريًا.
وكما يرصد المؤرخ أريان في كتابه "حملة الإسكندر الأكبر" (The Anabasis of Alexander) ففي أمام هذه التحديات تحرك الإسكندر بقوة اختارها على عينه لقطع مسافة طويلة نحو أرتاكونا في غضون يومين فقط، ومع اقتراب الجيش المقدوني انسحب الثائر ساتيبارزانيس مع نحو ألفي فارس ليلتحق بـقائد المقاومة الأفغانية الفارسية بيسوس في بلخ شمالي أفغانستان، ومن اللافت أن عددًا كبيرًا من سكان آريا (Aria) غرب أفغانستان ممن لبّوا ذلك القائد قد لجأوا إلى حصن قوي هنالك.
إعلانكان هذا الموقع حصنًا طبيعيًا شديد المناعة، احتمى به غير القادرين على القتال من سكان المنطقة، وحمته قوة قُدّر قوامها بعدّة آلاف من المقاتلين. في المقابل، أسند الإسكندر مهمة حصاره إلى أحد كبار قادته، كراتيروس، بينما واصل هو التقدّم نحو عاصمة الإقليم أرتاكونا. وقد حاول المقدونيون اقتحام الجهة الغربية الوعرة من الحصن، لكن المنحدرات الصخرية الحادة حالت دون تقدّمهم، فقد كان "كالات-ي نادِري" (Kalat-e Naderi) حصنًا عصيًا قاوم تقنيات الحصار المقدونية-الإسكندرية على نحوٍ غير مسبوق. وعندما شرع الجنود في إنشاء منحدرٍ اصطناعي من الأشجار المقطوعة، اندلع حريقٌ غذّته رياحٌ شماليةٌ غربيةٌ عاتية في أغسطس/آب من ذلك العام، فامتدّ اللهب إلى القمّة متسبّبًا في مقتل عددٍ كبير من اللاجئين داخل الحصن.
وخلال الأسابيع التالية أطلق الإسكندر حملةً واسعة لإخضاع إقليم آريا في غرب أفغانستان، معتمدًا على الطريق الملكي الفارسي القديم قاعدةً لعملياته؛ فقسّم قواته إلى أرتالٍ متعددة لملاحقة المقاومين، وأعدم قادتهم، فيما استسلم آخر معاقلهم في أرتاكونا عند وصول أبراج الحصار المقدونية إلى أسوارها.
ولتأمين مؤخرة جيشه أسّس الإسكندر مدينةً عسكريةً جديدة أسماها "الإسكندرية الآريونية"، وجعلها مركزًا لتنشئة جيلٍ أفغاني وإيراني متشبّع بالثقافة اليونانية-المقدونية، وجاهز في الوقت ذاته للخدمة العسكرية، في سياسةٍ هدفت إلى إعادة تشكيل النخب المحلية. كما عيّن رجلًا فارسيًا واليًا على غرب أفغانستان بدل الوالي السابق ساتيبارزانيس الذي التحق بالقائد الأخميني المقاوم في شمال أفغانستان، في محاولةٍ لإعادة ضبط الاستقرار الإداري والأمني.
وعقب ذلك اضطر الإسكندر للتوجه جنوبًا لمواجهة مقاومة جديدة في أراكوزيا (Arachosia)، أي قندهار بجنوب أفغانستان بقيادة والٍ آخر يُسمى بارساينتيس، وهو أحد المشاركين أيضًا في قتل داريوس الثالث. وفي نظر الإسكندر الأكبر لم يعد هناك مجال للتسامح مع هذه المقاومة التي أصبحت تمردًا خطيرًا يهدد بقاءه ومشاريعه في المنطقة، ولا سيما في ظلّ تمرّدَي بيسوس وساتيبارزانيس؛ إذ لم يكن مستعدا لترك خصوم محتملين جدد في مؤخرة جيشه. وأمام هذا الموقف فرّ بارساينتيس إلى الهند، فدخل المقدونيون مدينة فرادة (Phra)، عاصمة الإقليم، واحتلّوها في غضون 9 أيام في أكتوبر/تشرين الأول عام 330 ق.م.
وتصف المصادر التاريخية اليونانية والرومانية القديمة، وعلى رأسها روايات أريان وكيرتيوس، هذه المرحلة بأنها اتسمت بعنف بالغ أبداه الإسكندر وجنوده؛ إذ كانت حربا قاسية اعتمدت على الاستئصال المنهجي، والتهجير القسري، والغارات الليلية، وإعادة توطين السكان في مناطق يسهل ضبطها. وعلى امتداد الحدود، خاضت الحصون الأفغانية المتناثرة -رغم صِغَر حجمها وقلة عتادها وعدد مقاتليها- مقاومةً لافتة حتى لحظة سقوطها، من دون أن تفضي هذه الحملات المقدونية إلى مكاسب مجدية، سوى تعميق الكلفة البشرية والمالية.
وخلال تلك المرحلة من حملة الإسكندر، سقطت عدة مدن في إقليمي باكتريا وسُغديانا بعد مقاومة عنيفة، وكانت مدينة كيروبوليس (Cyropolis)، التي أسسها الملك الفارسي قورش الكبير وتقع في سُغديانا قرب نهر سيحون، أشدّها صمودًا. وقد أثار استمرار مقاومتها غضب الإسكندر، فأمر باقتحامها عبر أنفاق أدّت إلى انهيار أجزاء من أسوارها، أعقب ذلك تدمير المدينة وارتكاب مذبحة واسعة بحق سكانها.
إبان هذه المعارك أُصيب الإسكندر إصابة خطيرة كادت أن تودي بحياته، بفعل حجر أطلق من قوس على رقبته أو مؤخرة رأسه، مما أدى إلى أعراض خطيرة مثل فقدان الرؤية المؤقت، الدوار، صعوبة النطق وعدم التوازن استمرت حوالي شهرين. وقد أفرزت تلك الحرب الطويلة في أطراف آسيا الوسطى -وأفغانستان خاصة- تحولات عميقة في شخصية الإسكندر وسلوكه القيادي؛ فإلى جانب الإصابات الجسدية المتراكمة، أخذ الإفراط في الشراب يتحوّل من عادة اجتماعية إلى سلوك قهري، كما عاد الميل إلى التفكير الغيبي بعد أن كان قد همّش دور العرّافين في خططه وأفكاره.
ولم يكد الإسكندر يخرج من معركة حتى يُجبَر على الدخول في أخرى، مع استنزاف عسكري ومالي وبشري كبير مُني به. وعلى الرغم من ذلك برز أخطر اختبار عسكري حين اضطر إلى الصدام مع قبائل السكيثيين البدوية المقاتلة التي كانت تقيم في سهوب آسيا الوسطى خلف نهر سيحون، في أوزبكستان وكازاخستان حاليًا؛ إذ نظر ملكهم بعين الريبة إلى تأسيس فرع من الإمبراطورية المقدونية، أو ما سُمّي آنذاك بـ"الإسكندرية النائية" (Alexandria Eschate)، وأراد أن يرسل قوة كبيرة لتدميرها، غير أن الإسكندر قرر مبادرتهم بالهجوم وتدميرهم.
إعلانوفي تلك الأثناء وصلت بعثة سكيثية تحمل خطابًا ساخرًا ينتقص من طموحات الإسكندر الإمبراطورية، فتظاهر الإسكندر بالقبول وصرفهم، قبل أن يشرع فورًا في تنفيذ خطته لعبور نهر سيحون. وقد نُقلت القوات المقدونية إلى الضفة الأخرى حتى تمكنت من النزول، واستطاعت قوات الرماة، من خلال رمي كثيف، دفع قوات السكيثيين إلى التراجع إلى الخلف.
أدار الإسكندر المعركة بمنطق الاستدراج المخطَّط له؛ إذ سمح لفرسان قبائل السكيثيين بتطبيق أسلوبهم المعتاد في الالتفاف والرمي مع التقدّم، ثم أغلق عليهم المنافذ بهجومٍ معاكسٍ منظم على جناحي جيشهم، شاركت فيه وحدات الفرسان الثقيلة والقوات الخفيفة من الرماة وحَمَلة الرماح. وأسفر الاشتباك عن هزيمة السكيثيين، مخلفًا قرابة ألف قتيل وعشرات الأسرى، وهو انتصار حمل نتائج سياسية مهمة للإسكندر؛ إذ عجّل بخضوع قبائل أخرى، ودفع ملك السكيثيين إلى الاعتذار للإسكندر الأكبر.
نهاية أحلام الإسكندر في أفغانستانويرى المؤرخ بوسورث في كتابه "الفتح والإمبراطورية" أن هذا النجاح للإسكندر المقدوني لم يُترجَم إلى استقرار دائم؛ إذ اندلعت أزمة جديدة في سمرقند، حيث حاصر أحد الزعماء المحليين، واسمه سبيتامنس، الحاميةَ المقدونية في المدينة. ورغم نجاح قوة إغاثة محدودة في فكّ الحصار أولًا، فإنها أُبيدت تقريبًا بعد ذلك في كمينٍ محكم على ضفاف نهر زرفشان (Zarafshan) في آسيا الوسطى، بسبب سوء التنسيق بين الفرسان والمشاة، في نموذج دلَّ على خطورة حروب العصابات والكرّ والفرّ وتأثيرها في الجيوش المقدونية النظامية آنذاك.
وقد أثار هذا الفشل غضب الإسكندر الأكبر، فقاد حملة عقابية سريعة، من دون أن يتمكّن من الاشتباك مع خصمه الذي أفلت مجددًا، واكتفى بإقامة مراسم لجنوده القتلى، قبل أن يقضي شتاء عام 328 ق.م في بلخ شمال أفغانستان، بينما استمرّت أساليب المقاومة المحلية في أفغانستان ووسط آسيا تعتمد على أسلوب الكرّ والفرّ الذي كاد لا يتوقّف، مما تسبّب في استنزاف وإنهاك متواصل للقوات المقدونية.
وردّ الإسكندر على هذا الاستنزاف بإعادة توزيع قواته؛ فترك جزءًا منها لتأمين شمال أفغانستان، ودفع بأرتالٍ متحرّكة عبر جبال بامير الوعرة في آسيا الوسطى، مدمّرًا قواعد النبلاء الصغديين في تلك المناطق. ورغم كل هذه التكتيكات استعصت عليه بعض القلاع، وفي مقدمتها حصن "صخرة صغديا" بقيادة زعيم محلي هناك يُسمّى أريامازيس.
وحاول الإسكندر إخضاع هذه المناطق بالأساليب الدبلوماسية والسياسية، ولكن بعد فشل التفاوض لجأ إلى وسائل غير تقليدية للسيطرة عليها، أعقبها قمع واسع شمل قتل القيادات واسترقاق السكان. وقد رأى المؤرخ أ. ب. بوسورث في كتابه "الفتح والإمبراطورية: عصر الإسكندر الأكبر" أن أفغانستان وبلاد الصغد كانت بمثابة "المستنقع الإستراتيجي" الذي وقع فيه.
ورغم هذه النجاحات المؤقتة، واصل الوالي سبيتامنس المقاومة بدعمٍ من قبائل السكيثيين، كاشفًا عن هشاشة السيطرة المقدونية خارج المدن الكبرى. ورغم مقتل هذا الزعيم لاحقًا على يد بعض المقرّبين منه، وتسليم رأسه للإسكندر بغية الحصول على الصلح والاستقرار؛ فقد دلّت تلك الأحداث على أن إخضاع أفغانستان ووسط آسيا لم يكن فتحًا خاطفًا، بل صراعًا طويل الأمد فرض على الإسكندر استخدام العنف المنهجي تارة، والسياسة البراغماتية والدبلوماسية تارة أخرى.
ولهذا السبب اضطرّ في نهاية المطاف إلى الزواج من روكسانا، ابنة الزعيم الباختري أوكسيارتيس في شمال أفغانستان، في خطوةٍ هدفت إلى تثبيت الولاءات والخضوع للدولة المقدونية عبر المصاهرة، وكان ذلك اعترافا ضمنيا من الإسكندر بأن القوة العسكرية وحدها لا تكفل استقرار الإمبراطورية في تلك المنطقة العصية.
ومن اللافت أن هذه السيطرة المقدونية كانت سطحية؛ فبعد وفاة الإسكندر عام 323 ق.م، سرعان ما انفلتت أفغانستان من عقالها، وخرجت عن الطاعة في عصور خلفائه بالكلية. ويتساءل الباحث الأمريكي مارك جيه. دي سانتيس، في دراسته السابقة، هل كان هذا النزيف الهائل الذي دفعه الإسكندر ثمنًا مبرَّرًا للنصر المقدوني؟ فقد خلّفت حملته آلاف القتلى من الجنود والسكان المحليين، وارتبطت بمذابح صريحة للسكان الأفغان، بل وبسقوط عشرات من كبار قادته وآلافٍ من جنوده.
يرى دي سانتيس أن حملة الإسكندر يمكن وصفها بالانتصار الذي تحقّقت فيه الغلبة ولكن بكلفةٍ فاقت فائدتها؛ إذ دخلها الإسكندر إمبراطورًا شابًّا ظافرًا، وخرج منها مثقلًا بدماء أقرب رفاقه مثل فيلوتاس وبارمنيون وكليتوس، من كبار القادة المقدونيين البارزين، حيث كانوا -مع السكان المحليين- من ضحايا طموحٍ جامحٍ ونظامٍ سياسيّ لم يرحمهم. ومن اللافت أن الإمبراطوريات الحديثة كرّرت ذات الخطأ الإستراتيجي الفادح الذي وقع فيه الإسكندر الأكبر.
وهكذا أثبتت أفغانستان تاريخيًا، منذ الإسكندر وحتى عصر حلف الناتو (NATO)، أنّها -بجغرافيتها الوعرة، وسكانها الأشدّاء، ومقاومتها التي لم تخمد طوال التاريخ- كانت ولا تزال واحدةً من أعصى الأمم على الخضوع العسكري عبر ذلك التاريخ الطويل. أو كما قال ديفيد بتريوس، مدير الاستخبارات الأمريكية الأسبق، في لقاء تلفزيوني عن تقييمه للاحتلال الأمريكي لأفغانستان: "أفغانستان كانت أصعب بكثير من العراق"!
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات ميدان الإسکندر الأکبر فی السکان المحلیین شمال أفغانستان غرب أفغانستان فی أفغانستان آسیا الوسطى ووسط آسیا فی کتابه فی شمال غیر أن فی تلک کانت ت
إقرأ أيضاً:
اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
كلما دار حديث عن الإعلام الإسرائيلي تقفز إلى ذهني على الفور صورة الأستاذة الدكتورة راجية قنديل. كانت أستاذة الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة واحدة من الأسماء التي أسست مبكرًا لتيار عربي أكاديمي جاد يؤمن بأهمية دراسة إعلام العدو من داخله، وتشكيل مدرسة بحثية عربية تهتم ببحوث هذا الإعلام؛ حتى نفهم كيفية بناء الرواية الصهيونية، وصناعة الصورة، والدعاية الموجهة.
ولعل من الدروس التي لا أنساها قولها: «إن كل حدث يقع على الأرض يُولد مرة أخرى في اللغة والصورة التي يقدم بها للناس».
كانت د. قنديل تدرك قبل كثيرين أن معرفة حقيقة العدو تتطلب نزع الغموض الذي يحيط به نفسه. وكانت أول باحثة عربية تحصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في الإعلام الإسرائيلي في وقت لم يكن هذا الطريق سهلًا. وكانت -متعها الله بالصحة والعافية- على قناعة تامة بأن هذا الإعلام هو مرآة لمشروع صهيوني كامل بكل مخاوفه وأساطيره وأدوات دفاعه عن نفسه يطمح في تحقيق إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات.
أتذكر أيضا في السياق نفسه الكاتب الصحفي الراحل أنيس منصور وسلسلة مقالاته الشهيرة «وجع في قلب إسرائيل» التي كان ينشرها في مجلة «أكتوبر» التي أسسها ورأس تحريرها بتكليف من الرئيس أنور السادات في العام 1976، وجمعت لاحقا في كتاب بالعنوان نفسه.
كان منصور يكتب عن إسرائيل دون أن يراها. ومن خلال ما كان يقرأه في صحافتها كان يلتقط قلقها الداخلي، ويتابع ما تقوله عن نفسها، ثم يقدمه للقارئ العربي في قالب أدبي فلسفي وصحفي وبعبارات ساخرة أحيانًا، لكنها عميقة الدلالة. وكان يعلم أن في قلب العدو ما يستحق أن يعرفه القارئ العربي.
في سنوات ما بعد كامب ديفيد، ووادي عربة، وأوسلو تحول هذا العدو في بعض العواصم العربية إلى صديق، وتراجع الاهتمام بدراسة إعلام العدو في جامعاتنا والكتابة عنه من الداخل في صحفنا. صرنا نرى إسرائيل وهي تقصف غزة وجنوب لبنان وبيروت ودمشق، وحين تغتال قادة المقاومة في الداخل المحتل وفي الخارج، حين تقتل الأطفال والنساء والشيوخ دون رحمة في حملات الإبادة الجماعية، وحين تعذب الأسرى وتكذب بوقاحة منقطعة النظير على الشاشات والمنصات الرقمية. لم يعد لدينا أحد مثل راجية قنديل أو أنيس منصور يتابع كيف تُحضّر إسرائيل أكاذيبها قبل أن تصبح نشرات أخبار، وكيف تُبنى المفردات قبل أن تصبح سياسة، وكيف يُوزع الخوف قبل أن يتحول إلى قبول شعبي بالحرب، فنحن كما يقول المثل «نرى الانفجار، ولا نرى اليد التي وضعت المتفجرات» في اللغة والصورة والذاكرة.
إن أبسط ما يمكن قوله عن الإعلام الإسرائيلي أنه إعلام منحاز بطبعه، لكن هذه العبارة على صحتها تظل فقيرة؛ فكل إعلام في لحظات الصراع يحمل انحيازًا ما. المشكلة في الإعلام الإسرائيلي أنه يعرف كيف يُلبس انحيازه ثوب المهنية. يعرف متى يصرخ، ومتى يخفض صوته. يعرف متى يظهر بصورة الضحية الصغيرة المحاصرة، ومتى يتحدث بلغة القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان. يعرف كيف يجعل الخريطة خبرًا، والجندي ابنًا للعائلة، والقصف عملية دقيقة، والطفل الفلسطيني رقمًا يحتاج إلى تدقيق.
هذا الإعلام لم يولد في فراغ. هو ابن المشروع الصهيوني كما هو ابن الدولة. قبل قيام إسرائيل كانت الكلمة جزءًا من الحشد، وكانت الصحافة تساعد في تحويل الهجرة إلى «عودة»، والاستيطان إلى «خلاص»، وفلسطين إلى أرض تنتظر من يعيد إليها معناها القديم. وبعد 1948 صار الإعلام شريكًا في بناء الدولة الجديدة؛ إذ يجمع مهاجرين لا تجمعهم لغة واحدة بسهولة، فيمنحهم رواية مشتركة، ويضع الفلسطيني في خانة الغائب أو العائق أو الخطر.
لذلك تبدو إسرائيل من الخارج دولة فيها صحف كثيرة وقنوات عديدة ومواقع صاخبة وخلافات لا تنتهي. وهذا كله موجود فعلًا. هناك صحافة تنتقد الحكومة، وقنوات تهاجم رئيس الوزراء، ومقالات تفضح الفساد، ومحللون يتجادلون بعنف، لكن الاقتراب من الفلسطيني يغير المشهد كله.
عند هذه النقطة تضيق اللغة، ويتقدم الأمن، ويعلو صوت الجيش، وتصبح الحرية مشروطة بما لا يمس أصل الرواية الصهيونية. يمكن انتقاد الحكومة، ويمكن لوم الجنرالات، ويمكن الحديث عن سوء الإدارة، لكن السؤال الأخلاقي الأكبر يظل غالبًا خارج المشهد: ماذا عن الاحتلال نفسه؟
في الحروب يصبح المشهد الإعلامي الإسرائيلي أكثر تعقيدا. لا تبدأ الحرب إعلاميا مع أول قذيفة، وإنما قبل ذلك بكثير، وعبر تحويل العدو سواء كان الفلسطيني، أو اللبناني، أو السوري، أو الإيراني تدريجيًا إلى خطر داهم بلا ملامح. ومع تكرار مفردات التهديد والتصعيد والردع، يشعر الجمهور أن الحرب قادمة لا محالة.
وحين تشتعل الحروب الإسرائيلية -وما أكثرها!- لا تبقى وسائل الإعلام شاهدًا محايدًا، وتتلاعب بالتغطية لكي تحدد من يستحق أن يُرى، وتمنح الإسرائيلي اسمه ووجهه وبيته وخوف أطفاله، فيما تترك الفلسطيني واللبناني مجرد رقم في أعداد القتلى والأسرى.
وكما تتلاعب بالتغطية تتلاعب الوسائط الإعلامية الإسرائيلية أيضا بالكلمات والمفردات، فالقصف الذي تمارسه على الآخرين ليس قصفا، ولكن استهداف، والاجتياح عملية، والاغتيال تحييد، والحصار إجراء أمني، والضحايا المدنيون أضرار جانبية. وهذه بالطبع ليست مجرد كلمات بريئة. إنها تنظف الفعل قبل أن يصل إلى المتلقي، وتمنح العنف اسمًا أكثر لطفًا، وتمنح القاتل مسافة من صورته الحقيقية. فمن يملك القدرة على ارتكاب الجريمة -كما يقولون- قد يمتلك أيضا القدرة على تبريرها، أو تخفيف وقعها النفسي على الآخرين عبر صياغتها بطريقة معينة.
بعد الحرب وعندما تصمت المدافع قليلًا يبدأ الإعلام الإسرائيلي معركة أخرى، ويتحول اتجاه برامج التلفزيون ومقالات الكتاب إلى التركيز على الردع، والدروس المستفادة، ويتجادل السياسيون حول الإخفاق والنجاح، ويُسأل الجيش عن كفاءته وليس عن شرعية أفعاله، ويصبح السؤال هو هل أُديرت الحرب جيدًا؟
ولأن إسرائيل تعرف أن العالم لا يتحدث العبرية؛ فقد طورت خطابًا كاملًا للآخرين تسميه دبلوماسية عامة أو شرحًا أو «هسبَرة». والهدف أن تظهر إسرائيل دائمًا كدولة صغيرة محاصرة، وأن يظهر جيشها مضطرًا إلى مواجهة أعداء يحيطون بها، وأن يظهر الفلسطيني خطرًا يحتاج إلى ضبط. وحين تخاطب العرب بالعربية فإنها تستهدف التسلل إلى الوعي، وتختلط في هذا الخطاب الذي يقدمه المتحدثون العسكريون رسائل التحذير والتخويف وتحميل المسؤولية للضحايا، ومحاولة شق صفوف المقاومة. ليس المطلوب من الإعلام العربي أن يكتفي بالغضب من الجرائم الإسرائيلية مهما كان الغضب مشروعًا؛ فالغضب وحده لا يهزم رواية تُصنع بعناية شديدة. ولا تكفي الكلمات الرنانة الكبيرة حين يكون الخصم قادرًا على إنتاج صورة صغيرة تؤثر في ملايين الناس. المطلوب أن نعود إلى الدرس الأول: أن نبحث، ونرصد، ونفكك، ونتابع، ونفهم كيف تتحرك آلة الحرب الإعلامية الصهيونية.
كانت راجية قنديل تعرف ذلك مبكرًا. وكان أنيس منصور بطريقته المختلفة يعرف أن قلب إسرائيل ليس مغلقًا تمامًا أمام من يقرأ جيدًا. في ذلك القلب خوف وتناقض وغطرسة وارتباك وأسطورة تحاول أن تحمي نفسها كل يوم. ونحتاج إلى قراءة هذا كله بدافع الضرورة؛ فالقضية التي لا تمتلك روايتها تترك صورتها لخصمها، والخصم الذي يكتب صورتك لن يمنحك وجهًا عادلًا.
هكذا تعود عبارة «اعرف عدوك» اليوم لتفرض نفسها علينا؛ فالمعرفة تبدأ من فهم الطريقة التي يصنع بها المحتل روايته، واللغة التي يستخدمها لتخفيف أثر عنفه وهمجيته، والخبر الذي يدفع الضحية إلى الهامش ويمجد القاتل. إن عدم قراءة الإعلام الإسرائيلي بوعي يجعلنا أسرى لرواية عدونا. لذلك يحتاج الإعلام العربي إلى أن يدرك أن الدفاع عن القضايا العربية قد يبدأ من التفتيش في قلب الإعلام الإسرائيلي الذي ما زال وسيبقي يعاني من الوجع.