أتجول في المدن التي أنهكتها سنوات الدكتاتورية والحرب الأهلية في سوريا. عندما رأيت التركمان في الراعي، والأكراد في الشيخ مقصود، والعرب في الرقة، قلت في نفسي: لم يبقَ شعب في سوريا لم ينل نصيبه من الألم.
الفقر، العوز، الدمار، البؤس… هذا أول ما تقع عليه العين في كل مدينة. كل من تحدثت إليهم من التركمان والأكراد والعرب قصوا عليّ آلامهم، وفقدان أحبتهم، والصدمات التي عاشوها.
سوريا ممتلئة بالبشر الذين يحملون قصص الألم على ظهورهم.
مررت بأماكن سالت فيها مياه سامة فرقت بين القوميات، والأديان، والهويات، وجعلتها أعداء لبعضها. كان الفرات، بدلا من أن يروي الأرض السوداء، قد صار خط فصل وانقسام. الجسور التي كانت تصل المدن والطرق والناس ببعضهم فجرت في الهواء.
أراضٍ ممزقة، وجغرافيات مقسمة، وأقارب أشيع العداء بينهم، وإخوة متخاصمون، وتربة حمراء سقيت بالدم.
كل هذا المشهد المؤلم هو نتاج دكتاتورية الأقلية، والأيديولوجيات العمياء، والجشع الإمبريالي، والجهل، والفقر. رسموا هذه اللوحة معا بالدم.
لا تفارق مخيلتي صور الأطفال الذين يمشون في المطر البارد بأقدامهم في نعال خفيفة. أطفال الشيخ مقصود في الأزقة الطينية، وأطفال الرقة قرب الجسر المدمر، وأطفال منبج في الطرق الترابية المليئة بالحفر؛ كانوا جميعا متشابهين: أقدامهم عارية ونعالهم بالية.
فهمت أن سوريا مليئة بالأطفال الذين كبرتهم الآلام.
والآن، هاتوا وفسروا لهذا الطفل الكردي، أيديولوجيا "المجتمع الديمقراطي الاشتراكي"، وفسروا للطفل العربي، نظرية "الخلافة" لدى "تنظيم الدولة"، أو أيديولوجيا البعث، وفسروا للطفل النصيري، نظرية "الهلال الشيعي"؛ ترى بماذا سيجيبكم؟
حاولوا أيضا أن تشرحوا ذلك لأبيه داخل ثيابه الممزقة من شدة الفقر… لن ينجح الأمر، أليس كذلك؟ الطفل الحافي لا يحتاج إلى دعاية أيديولوجية، بل إلى زوج من الأحذية، وإلى معطف، وإلى صحن حساء دافئ.
إعلانلكنهم، للأسف، ظلوا يفرضون عليهم أيديولوجيات لا يفهمونها. أولئك الأطفال وقعوا في شراك تلك التنظيمات؛ لأنهم كانوا جياعا، لا لأنهم آمنوا بالأفكار.
لم يكن الروس ولا البريطانيون ولا الفرنسيون يوما أصدقاء لأهل هذه الجغرافيا. كانت لهم مصالح، لكن لم تكن لهم حكاية مشتركة. كانوا يجلسون بعيدا، وعندما يضيق بهم الحال، يركبون طائراتهم ويعودون إلى بيوتهم الآمنة
سوريا هي بئر لا قرار لها من الأيديولوجيات العمياء- هناك سُنة ونصيريون، وأكراد وعرب، ودروز- كم من شاب ضاع في تلك البئر!
كل روح رحلت تركت وراءها قلب أم محترقا، وكبد أب متفحما، لكن لا أحد يعرف حكاياتهم. في تلك البئر السحيقة ستنحدر كل الحروب، وكل النزاعات، وكل الآلام بصمت إلى ظلمة الذاكرة، ثم تنسى.
وخلاصة الأمر، سألت السؤال الذي يرش الملح على كل الجراح، هناك في الرقة، عند أسفل مبنى قصفته الطائرات الأمريكية: "حسنا، من الذي انتصر في النهاية؟".
أظنني أتجول في أرض يتبدل فيها الخاسر باستمرار، لكن لا وجود فيها لرابح. في الرقة، عام 2014، أعلن "تنظيم الدولة" انتصاره وهو يهتف بشعارات النصر. وعندما انهالت عليه قنابل طائرات التحالف، أدرك أنه الخاسر.
ثم سيطرت العشائر العربية على المدينة، وبعد ذلك جاء الأمريكيون وانتزعوا المدينة من أيديهم وسلموها إلى "وحدات حماية الشعب/قوات سوريا الديمقراطية" (YPG/SDG)، فاندلع نزاع جديد.
ثم إن "وحدات حماية الشعب/قوات سوريا الديمقراطية" التي نصبت التماثيل وباعت الأنفاق في مدينة تهيمن عليها العشائر البدوية، ما لبثت أن جمعت أمتعتها واتجهت نحو الحسكة مع دخول الجيش السوري إلى المدينة؛ أي إنني، باختصار، مررت في سوريا بمدن يتصاعد منها الدخان، شهدت حروبا وصراعات خاسرها معروف، لكن لا رابح فيها.
لكل هوية إثنية في سوريا جاليتها في الخارج، وأظن أن هؤلاء لم يروا أبدا البؤس والعوز الذي رأيته في الشوارع. لذلك كانوا يجلسون في غرفهم الدافئة والمريحة، ويوزعون النصائح على الطفل ذي النعل البالي في الشيخ مقصود قائلين: "يجب أن نقاوم من أجل روجافا".
ينبغي أن نأتي، ولو ليوم واحد، بأولئك الذين يؤججون الصراع الداخلي في سوريا وهم جالسون في تركيا أو أوروبا أو الخليج. لو جعلناهم يتجولون ساعة واحدة فقط في الأزقة الباردة للمدن، لقالوا جميعا، وأنا واثق: كفى قتالا، تصالحوا… على الأقل سيقول هذا من لم تسلّم ضمائرهم نفسها للأيديولوجيات العمياء والجهل.
من يقول لهؤلاء الناس الذين قتل بعضهم بعضا طوال أربعة عشر عاما: "المقاومة، الحرب، القتال، الانقسام، الحكم الذاتي، الاستقلال"، فليعلم أنه ليس صديقهم بل عدوهم. وهؤلاء الذين يطلقون مثل هذه الشعارات سيقطعون دعمهم عند تغير الظروف، كما فعلوا في الرقة، وسيتركونهم وحدهم في برد هذا الشتاء.
عندما دخلت سد تشرين بعد الاشتباكات، رأيت على جدرانه شعارات كثيرة بالكردية. كان أحدها يقول: "لا أستبدل صديق يوم أسود بمئة صديق يوم أبيض".
الأكراد يلومون أمريكا، لكن الأجدر أن يلوموا أنفسهم؛ فصديق الأكراد ليس الولايات المتحدة، كما أن صديق الدروز ليس إسرائيل.
إعلانهكذا كان الأمر في التاريخ أيضا؛ لم يكن الروس ولا البريطانيون ولا الفرنسيون يوما أصدقاء لأهل هذه الجغرافيا. كانت لهم مصالح، لكن لم تكن لهم حكاية مشتركة. كانوا يجلسون بعيدا، وعندما يضيق بهم الحال، يركبون طائراتهم ويعودون إلى بيوتهم الآمنة، كما فعلوا في أفغانستان حين غادروا من قاعدة باغرام.
وأثناء مروري بسد تشرين، كان الروس أيضا قد أخلوا آخر قواعدهم العسكرية في القامشلي، وصعدوا إلى طائراتهم العسكرية من طراز "إليوشن" وغادروا.
والآن، بقي العرب والتركمان والأكراد وحدهم، وجها لوجه، في الحسكة من جديد.
لذلك، بدل أن يكتب أهل سوريا تلك العبارة المؤلمة على جدران السد، كان عليهم أن يختاروا صديق يومهم الأسود بعناية.
صديق الأكراد في يومهم الأسود هم الأتراك، وصديق العرب في يومهم الأسود هم الأكراد والتركمان… باختصار، على من يعيشون في سوريا أن يكونوا أصدقاء بعضهم في الأيام السوداء.
وفي الختام، دعوني أكرر السؤال الذي طرحته في بداية المقال: من الذي انتصر في سوريا؟
لقد خمنتم الجواب خطأ. المنتصر في سوريا هو كل من اختار التفاوض، والتصالح، والتفاهم، وقرر أن يكون صديق يوم أسود لغيره.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
aj-logoaj-logoaj-logo إعلان من نحنمن نحناعرض المزيدمن نحنالأحكام والشروطسياسة الخصوصيةسياسة ملفات تعريف الارتباطتفضيلات ملفات تعريف الارتباطبيان إمكانية الوصولخريطة الموقعتواصل معناتواصل معنااعرض المزيدتواصل معنااحصل على المساعدةأعلن معناابق على اتصالالنشرات البريديةرابط بديلترددات البثبيانات صحفيةشبكتناشبكتنااعرض المزيدمركز الجزيرة للدراساتمعهد الجزيرة للإعلامتعلم العربيةمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسانقنواتناقنواتنااعرض المزيدالجزيرة الإخباريةالجزيرة الإنجليزيالجزيرة مباشرالجزيرة الوثائقيةالجزيرة البلقانعربي AJ+تابع الجزيرة على:
facebooktwitteryoutubeinstagram-colored-outlinersswhatsapptelegramtiktok-colored-outline
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات فی سوریا فی الرقة
إقرأ أيضاً:
ترامب يعلن تعيين توم براك مبعوثا رئاسيا خاصا إلى سوريا والعراق
أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، اليوم الأحد، تعيين توم براك مبعوثا رئاسيا خاصا إلى سوريا والعراق.
وكتب ترامب -في منشور على منصته للتواصل الاجتماعي "تروث سوشال"- يسعدني أن أعلن أن سفير الولايات المتحدة لدى تركيا، توم براك، الذي قام بعمل رائع، سيجري تعيينه مبعوثا رئيسيا خاصا إلى سوريا، وكذلك مبعوثا رئيسيا خاصا إلى العراق.
وتابع "وبينما نمضي قدما في تعاوننا الاستراتيجي مع حكومتي سوريا والعراق، فإن علاقتنا معهما تستمر في النمو! سيظل توم سفيرا لدى تركيا، وسيعمل بدعم كامل من وزارة خارجية الولايات المتحدة".
وأضاف "نحن نقدر بشدة العمل الذي قام به توم براك، واستعداده المستمر لخدمة بلدنا".
الأردن يؤخر ساعات العمل الرسمية خلال مباريات المنتخب في كأس العالم
قرر رئيس الوزراء الأردني الدكتور جعفر حسان، تأخير بدء ساعات العمل الرسمية في المؤسسات الحكومية إلى الساعة العاشرة صباحًا خلال الأيام التي يخوض فيها المنتخب الأردني مبارياته في نهائيات كأس العالم 2026.
وبموجب القرار، تبدأ ساعات العمل الرسمية في أيام 17 و23 و28 يونيو المقبل عند الساعة العاشرة صباحًا، تزامنًا مع مشاركة المنتخب الأردني في البطولة العالمية للمرة الأولى في تاريخه.
وأكدت الحكومة الأردنية، أن القرار يهدف إلى إتاحة الفرصة أمام المواطنين لمتابعة مباريات المنتخب الوطني ومساندته خلال مشاركته التاريخية في كأس العالم.
الأردن يثبت أسعار البنزين والغاز المنزلي في يونيو.. ويرفع السولار
قررت الحكومة الأردنية تثبيت أسعار معظم المشتقات النفطية خلال شهر يونيو المقبل، مع رفع سعر السولار (الديزل) بمقدار 60 فلسا للتر، في إطار إجراءات احتواء تداعيات ارتفاع الأسعار العالمية على المواطنين والقطاعات الاقتصادية.
وقالت لجنة تسعير المشتقات النفطية، في اجتماعها الدوري اليوم - إنها قررت تثبيت سعر البنزين أوكتان 90 عند 1 دينار للتر، والإبقاء على سعر البنزين أوكتان 95 عند 1.31 دينار للتر، كما ثبتت سعر الكاز عند 550 فلسًا للتر، وسعر أسطوانة الغاز المنزلي (12.5 كجم) عند 7 دنانير.
وفي المقابل، رفعت اللجنة سعر السولار إلى 850 فلسًا للتر بزيادة 60 فلسًا، كما خفضت سعر وقود الطائرات المحلية بمقدار 10 فلسات ليصل إلى 783 فلسًا للتر.
وأكدت اللجنة أن الأسعار المعلنة لا تعكس الكلفة العالمية الفعلية بالكامل، موضحة أن كلفة لتر البنزين 90 تبلغ 1069 فلسًا، والسولار 960 فلسًا، والكاز 943 فلسًا، فيما تصل الكلفة الحقيقية لأسطوانة الغاز المنزلي إلى 12.3 دينار.
وأشارت إلى أن الحكومة واصلت تحمل جانب كبير من الارتفاعات العالمية، إذ لم تعكس سوى نحو 35% من الزيادة الفعلية على سعر السولار، بينما امتصت كامل الزيادات الخاصة بالبنزين والكاز والغاز المنزلي دون تحميلها للمستهلكين.
وكشفت اللجنة أن حجم الدعم المتوقع للمحروقات خلال يونيو يبلغ نحو 29 مليون دينار ،حوالي 41 مليون دولار، إضافة إلى 3 ملايين دينار ،نحو 4.2 مليون دولار دعمًا للقطاع الصناعي، ليرتفع إجمالي الدعم الحكومي المباشر منذ بداية الأزمة الإقليمية وحتى نهاية مايو إلى نحو 170 مليون دينار ،قرابة 240 مليون دولار.
كما قررت الحكومة الاستمرار في دعم القطاع الصناعي من خلال تثبيت سعر الغاز البترولي المسال المخصص للصناعات عند 695.81 دينار للطن، رغم أن سعره الفعلي يبلغ 929.58 دينار للطن، بهدف دعم استقرار القطاعات الإنتاجية والحد من تأثيرات ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا.