كشفت دراسة جديدة أن الأرض في بداياتها الأولى ربما شهدت تشكل القارات وبدء إعادة تدوير القشرة الأرضية في وقت أبكر بكثير مما كان يعتقد العلماء.

ويعتقد مؤلفو الدراسة التي نشرت في مجلة نيتشر (Nature) يوم 4 فبراير/شباط، أن هذا الاكتشاف قد يغير فهمنا لتاريخ كوكبنا خلال أول نصف مليار سنة من عمره، أي في الفترة التي كانت الأرض فيها لا تزال شديدة السخونة وفي طور التكون.

اعتمدت الدراسة على تحليل كيميائي دقيق لمعدن نادر يعرف باسم "الزركون"، وهو أقدم معدن وصل إلينا من زمن الأرض المبكر، إذ يعود عمر بعض عيناته إلى أكثر من 4 مليارات سنوات.

ويقول الباحثون إن هذه المعادن تحمل إشارات تشير إلى وجود عمليات شبيهة بالاندساس، أي غوص أجزاء من الصخور السطحية إلى أعماق الأرض. وتعد هذه العملية اليوم أحد المحركات الأساسية لتكوين القارات من خلال حركة الصفائح التكتونية.

المعادن تحمل إشارات تشير إلى وجود عمليات شبيهة بالاندساس (شترستوك)تحد لفكرة الأرض صلبة النشأة

لفترة طويلة، كانت النماذج الجيولوجية تفترض أن الأرض المبكرة كانت مغطاة بطبقة صخرية ثابتة وصلبة تعرف باسم الغطاء الراكد، ومعنى ذلك أن سطح الأرض لم يكن يتحرك أو يتجدد، ولم تكن هناك صفائح تكتونية أو عمليات مستمرة لتكوين القارات، بل كانت القشرة أشبه بقشرة جامدة بلا نشاط كبير.

لكن الدراسة الجديدة تشير إلى أن الصورة كانت أكثر تعقيدا، إذ يوضح المؤلف الرئيسي للدراسة جون فالي، أستاذ علوم الأرض الفخري في جامعة ويسكونسن، أنه حتى في العصر الأقدم المعروف باسم "الهاديان" أو الدهر الجهنمي – وهو أقدم زمن في تاريخ الأرض – ربما لم يكن الكوكب ساكنا بالكامل، بل شهد في بعض المناطق نشاطا ديناميكيا ساعد على بناء القارات الأولى.

يضيف جون في تصريحات للجزيرة أن العينات التي درسها الفريق جاءت من منطقة تعرف باسم جاك هيلز في غرب أستراليا، وهي واحدة من الأماكن القليلة في العالم التي تحتفظ بمعادن تعود إلى أول 500 مليون سنة من تاريخ الأرض؛ ورغم أن هذه الحبيبات لا يتجاوز حجمها حجم حبة الرمل، فإن العلماء يعتبرونها بمثابة كبسولات زمنية، لأنها تحفظ داخلها التركيب الكيميائي للصهارة التي تبلورت منها قبل مليارات السنين.

إعلان

يقول المؤلف الرئيسي للدراسة إن هذه الحبيبات عبارة عن كبسولات صغيرة تحمل كمية هائلة من المعلومات عن قصة الأرض في عصورها الأولى.

رغم أن أقدم الأحافير الدقيقة المعروفة عمرها نحو 3.5 مليار سنة، فإن وجود قارات مبكرة وبيئات مستقرة قبل ذلك بوقت طويل قد يعني أن الأرض كانت صالحة للحياة مبكرا جدا (ناسا)بصمات قارية فوق منطقة اندساس

لغرض دراسة هذه الحبيبات، استخدم الفريق جهازا متقدما يسمى "ويسكسيمز"، يستطيع تحليل أجسام مجهرية أصغر من عشر قطر شعرة الإنسان.

كما طور الباحثون طرقا جديدة لقياس عناصر كيميائية لم يكن من الممكن قياسها بدقة في الدراسات السابقة، تعمل مثل بصمات تساعد العلماء على معرفة ما إذا كانت الزركونات نشأت من صخور بدائية في أعماق الوشاح الأرضي، أم من بيئات أقرب إلى القشرة القارية.

عند مقارنة زركونات جاك هيلز بزركونات أخرى من جنوب أفريقيا تعود إلى الفترة نفسها، وجد الباحثون اختلافا واضحا، إذ إن الزركونات الأفريقية تحمل إشارات كيميائية نموذجية لصخور بدائية مصدرها أعماق الأرض (منطقة الوشاح تحديدا)، أما زركونات جاك هيلز، فهي – بحسب جون – لا تبدو وكأنها جاءت من الوشاح، بل أقرب إلى الصخور القارية التي تتشكل عادة فوق مناطق الاندساس.

ويقول: "ما وجدناه في جاك هيلز يشبه القشرة القارية، يشبه صخورا تكونت فوق منطقة اندساس".

يشير الباحثون إلى أن هذا الاندساس المبكر لم يكن بالضرورة مثل الصفائح التكتونية الحديثة المعروفة اليوم، بل ربما كان يحدث بآلية مختلفة، لأن الأرض في ذلك الزمن كانت أكثر سخونة بكثير. يقترح جون أن أعمدة من الصخور شديدة الحرارة ارتفعت من أعماق الأرض، وذابت جزئيا تحت القشرة، ما خلق نوعا من الحركة التي يمكن أن تسحب مواد سطحية إلى الأسفل.

تكمن أهمية هذه العمليات في أنها تنقل صخورا غنية بالماء من السطح إلى أعماق ساخنة، حيث يتحرر الماء ويساعد على إذابة الصخور وتكوين صهارة تنتج صخورا مثل الغرانِيت، الذي يعتبر حجر أساس في بناء القارات، لأنه أقل كثافة من صخور قاع المحيطات، ما يجعل القارات تطفو وترتفع فوق مستوى البحار.

ويشير الباحث إلى أنه رغم أن أقدم الأحافير الدقيقة المعروفة عمرها نحو 3.5 مليار سنة، فإن وجود قارات مبكرة وبيئات مستقرة قبل ذلك بوقت طويل قد يعني أن الأرض كانت صالحة للحياة مبكرا جدا.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات أن الأرض الأرض فی لم یکن

إقرأ أيضاً:

أفواه ملتوية لترويج الأسرلة

نقاشات عربية كثيرة رائجة منذ 7 أكتوبر 2023، في شاشات وصحف عربية تعهد نفسها إلى الأمريكي والإسرائيلي والغربي، لدفن ذاكرة عربية معاصرة عن مسؤولية الاحتلال فيما وصل إليه الحال العربي الذي يئن تحت ضربات العدوان المتواصل عليه، كما لو أن الذاكرة لم تعرف حقائق المشروع الصهيوني، ولا عن مقاومة الشعب الفلسطيني لهذا المشروع الذي يبتلع أرضه وينتهك سيادة عربية، ويعيد الانتباه للذاكرة وللوعي العربي لما يردده حَمَلة مشروع الإبادة والاستيطان والسيطرة على فلسطين والمنطقة العربية.

هدم الذاكرة أو كي الوعي، بتبرير بطش وجرائم إسرائيل، سببه أن هناك من يتصدى لها، فالولايات المتحدة توفد مستشاريها السابقين كضيوف يطلون على المشاهد العربي عبر شاشات عربية تترجم وتشرح فضائل دعم أمريكا لذراعها الاستعمارية في المنطقة، وتهيئ منابر عربية نخبا ومحللين ينشدون من النوتة الأمريكية الإسرائيلية، أن إسرائيل لم تكن في الماضي ولن تكون في المستقبل عدوا للمنطقة، وإنما هناك أطراف أخرى أكثر عداء وخطورة، وتتمثل في "الإرهاب" الصادر عن الضحية، وفي كل من تسول له نفسه دعم الضحية ومساندتها بالشكل الصحيح.

فالمزارع في الضفة على سبيل المثال، الذي يتصدى لعصابات إرهابية من مستوطنين يسطون على خرافه وأرضه، ويحرقون ممتلكاته، ويسرقون قمحه وزيتونه، إن اشتبك معهم وتصدى للعدوان عليه فهو وكيل لشيطان من خارج الحدود، فيجب أن لا يحرك ساكنا، حتى لمن يتعرض بيته للنسف والاعتداء على أرضه، وقتل عائلته وتهجيره، ومن يتعرض لحصار واعتقال، فهذه كلها هوامش تعكير صفو السلام القائم على نسف الأصل في الأرض، وإن وصل الضحية نتيجة تهجيره من المستعمر لأرض الشقيق العربي فيصبح أس وبلاء المشكلة عند البعض الذي يطل على شاشات عربية.

المدخل لذلك، أصبح أكثر سهولة بعد تهيئة إسرائيل للأرضية التي يبنى عليها تحليل نخب سياسية لقراءة الواقع والمشهد بعين وحنجرة إسرائيلية، فأصبح مسح تاريخ المستعمر وجرائمه السابقة واللاحقة والآنية مصحوبا بعبارة "نعرف" أن إسرائيل محتلة ومجرمة، و"لكن" المقاومة أكثر "إجراما" لعدم تعلمها من الدرس العربي الرسمي في كيفية الانبطاح والهزيمة اللذين تشربهما من النظام الدولي ومرجعياته الكبرى. فسقوط أنظمة عربية كانت تحمل لواء المتاجرة بالمقاومة والغدر بقضية فلسطين، تسقطها نخب التحليل على المغدورين أنفسهم، بتحميلهم مسؤولية تصديق ضمائر غدرتهم، بينما هي تنصحهم بالاستسلام أمام عدوهم.

نقاش الساعة وكل ساعة، هو عن العدوان الواسع والشامل على أرض فلسطين في الضفة والقدس وغزة ولبنان وسوريا، ليس لأن إسرائيل تحمل مشروعا استيطانيا استعماريا يقوم على التطهير العرقي للسكان والتطلع لقيام "إسرائيل الكبرى"، ولا لفحص وقراءة تصريحات وسلوك قادة هذا المشروع، بل للبحث في كيفية هزيمة الضحايا، وسحق وعيهم وإيمانهم، من خلال شيطنة وتكفير كل ما آمنوا به وعملوا لأجله؛ عقيدتهم الدينية، حلفائهم، عمقهم العربي والدولي.. وتحقير وهدم كل تعويل على مبادئ وأخلاق قانونية وإنسانية ووطنية، فماذا يبقى بعد ذلك؟ إعلان هزيمة واستسلام كلي يتصارع ويشتد ضجيجه الإعلامي، فيبدو التراشق بأدوات تمتهن التزوير المطلوب في معلومة مضادة شرحها نهج صهيوني على مدار ثمانية عقود بكل دقيقة وكل ثانية في حمّى تنافسه لكسب رأي عام غربي نجح فيه إلى حد بعيد في المقلب العربي أيضا.

لم يكن يتصور المرء أن ينتصر الاحتلال بأدوات ونخب عربية تحمل عضلاته وبطشه كسلاح ترمي به عقل عربي يتابع تحليلات غربية لإعلاميين ونخب مختلفة من السياسة والثقافة والفن والأدب، تنتصر مواقفها الأخلاقية والإنسانية من جرائم الحرب والإبادة على مواقف وتحليلات نخبوية عربية، حيث تطالب بمعاقبة إسرائيل وقطع العلاقة معها، وتعلن التضامن الكامل مع شعب فلسطين بدون نفاق وخوف رغم الترهيب الصهيوني لها، فتصبح هذه المواقف والتحليلات أقرب للعقل والقلب والمنطق، أكثر من منطق صب جام غضب النخب العربية على الضحايا لعدم سلوكهم الطريق "الأسلم" وليتم ذبحهم بطريقة لا تشوش عليهم وعلى الجلاد، وللتخلص من حقوقهم الوطنية والتاريخية الموجودة قبل ولادة أنظمة متاجرة وغادرة بهم. فالحاجة اليوم بالنسبة لأمريكا وإسرائيل هي فاعلية إعلامية من طراز خاص، يكون بمقدورها أن تواجه سردية الحق بمقاومة المحتل بعد نجاحهما في تحييد القانون الدولي وشرعته.

يتم اختراق حصون ومواقع إعلامية عربية عديدة، بنخب تتصهين وتتأسرل بعلانية الفخر بمنجز التدمير الصهيوني في غزة ولبنان وسوريا، والطعن بعدم جدوى المقاومة وفائدتها، مقابل تقديم صورة زاهية عن الدور الأمريكي الإسرائيلي ووعود ووهم الانتعاش والتعايش بعد نهاية تاريخ شعوب أصيلة في أرضها وتاريخها عند انتصار العابر والمؤقت في تاريخ المنطقة.

تتضاعف إذا، في اللحظة التي يعز فيها تعدد وسائل التضامن والإسناد العربي للبنان وفلسطين في لحظة الجريمة وإبادة الضحايا، أهمية قول الحقيقة وتعميم خبر من هو المجرم الحقيقي، أهو المحتل ومشروعه الاستعماري الذي يقوم على إبادة أصحاب الأرض؟ أم من يقاومه؟

في الطريق الملتوي للتعبير عن الأسرلة بفصاحة أفواه عربية، لم تعد الكواليس طاولة نقاش لذلك، بل أصبح الهواء الطلق ميدانا رحبا لمطلقي التزوير، واللعب على هراء الكلام المكسور -وإن بدا موزونا- من فم عربي وحنجرة صهيونية، لتجسيد فضائل قوة الاغتصاب للأرض والغطرسة عل سكانها، والبوح أكثر عن رذائل المقاومة والقضية عموما. فلنتخيل أن ترامب يحظى بإعجاب عربي نخبوي من محللي واقع الحال، وحتى نتنياهو وسموتريتش وبن غفير لهم في كواليس نقاش عربي مبررات ستظهر كما ظهر قيح ثقافة "شنو" الفائدة من كل القضية الفلسطينية، على شاشات وصحف إعلامٍ عربي رسمي أصبح يهتم بنقاش وحوار ليس مع شوارعه ومجتمعاته التي تئن تحت القمع والقهر المطلوب، بل في تقديم نخب أمريكية وصهيونية يستقدمها وكلاء الإعلام المتأسرل لتشرح للعربي أهمية الانفكاك عن قضية فلسطين وتجريم مقاومة المحتل. وهي مهمة راهنة، المدافعون عنها كثر والمروجون لها عبر كلمة ونقاش ورؤية تحمل تعابير مشؤومة، ولم يستطع المتصهين العربي أن يتقن حساب قراءة إرادة الشعوب التي لا تستمر حياتها دونما حرية ودونما كرامة ووطن.

x.com/nizar_sahli

المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.

مقالات مشابهة

  • القيادة الأمريكية: الناقلة التي عطلتها قواتنا كانت ترفع علم بوتسوانا
  • تسريب غريب لـ Pixel Watch 5.. ساعة جوجل القادمة تظهر من أعماق البحر قبل الإعلان الرسمي
  • أفواه ملتوية لترويج الأسرلة
  • صناع «إذما» لـ«الوفد»: الفيلم رحلة إلى أعماق النفس البشرية خارج حسابات الأكشن والكوميديا
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • باحثة دولية: التطورات الأخيرة غيرت ميزان القوة لصالح الجانب الإيراني
  • يمني في أمريكا يقتل زوجته وأطفاله وشخص رابع في جريمة صادمة
  • البابا تواضروس والأساقفة يوقعون وثيقة فيلم القدس الثانية تخليدًا لتاريخ دير المحرق | صور
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • استراتجية "الموت الصامت".. كيف غيرت الروبوتات ملامح الحرب الأوكرانية؟