لماذا يجد بعض الرجال في السيارة منطقة آمنة للتفكير؟
تاريخ النشر: 4th, February 2026 GMT
في كثير من المدن العربية، المشهد واحد مع اختلاف اللوحات المعدنية، يوقف الرجل سيارته تحت البيت يطفئ المحرك وتنطفئ الأضواء لكنه لا يخرج. يبقى دقائق وأحيانا نصف ساعة ينظر إلى الأمام في صمت أو يترك الأغنية حتى تنتهي أو يمسح بسرعة دمعة لا يريد أن يراها أحد في البيت.
ما الذي يحدث في تلك الدقائق "المعلّقة" بين الشارع وباب الشقة؟ ولماذا يجد بعض الرجال -خصوصا في مجتمعاتنا العربية ولا سيما المغتربين منهم- في السيارة "منطقة آمنة" للتفكير والتنهد وربما الانهيار القصير قبل أن يعودوا إلى أدوارهم المعتادة.
في منتصف السبعينيات قدم عالم النفس الاجتماعي إروين ألتمن ما عرف لاحقا بـ"نظرية تنظيم الخصوصية" (Privacy Regulation Theory)، وعرف الخصوصية بأنها "التحكم الانتقائي في الوصول إلى الذات أو إلى جماعة الشخص".
الفكرة البسيطة للنظرية أن الإنسان لا يريد العزلة أو الاختلاط طول الوقت، بل يبحث عن مستوى "أمثل" من الخصوصية يتغير بحسب اللحظة والدور الذي يؤديه، فإذا زاد الاحتكاك عن المطلوب شعر بالاختناق وإذا زادت العزلة عن الحد شعر بالوحدة والنبذ.
ووفقا لألتمن، فنحن نستخدم أدوات كثيرة لضبط هذا "الباب" بيننا وبين العالم منها:
سلوكيات لفظية وغير لفظية مثل الصمت أو خفض نبرة الصوت أو إغلاق الكاميرا في مكالمة مرئية. آليات مكانية مثل المساحة الشخصية (personal space)، والملكية المكانية (territoriality) كأن يعتاد شخص على كرسيه المفضل أو مكتبه أو سيارته.في ضوء هذه النظرية، يمكن قراءة السيارة باعتبارها "وحدة إقليمية صغيرة" يملك صاحبها أعلى درجات التحكم فيها "من يدخل؟ ماذا يُسمع؟ كيف تكون الإضاءة والحرارة؟ هل يُفتح الزجاج أم يُغلق؟" وهذا بالضبط ما يجعلها -نفسيا- أقرب إلى "غرفة خاصة" تتحرك مع الرجل في المدينة.
في دراسة نوعية أجريت في إيطاليا على مستخدمي السيارات ووسائل النقل العام، ونشرت عام 2022 في مجلة "فرونتيرز إن سايكولوجي" بعنوان "السمات الاجتماعية والنفسية والتصميمية المرتبطة باختيارات النقل"، وصف أحد المشاركين سيارته بأنها "البيت الثاني أو غرفة النوم الثانية" لا مجرد وسيلة نقل، لأن فيها:
تحكّما كاملا في الحرارة والصوت مقارنة بحافلة مكتظة. إحساسا أكبر بالأمان والمسافة الشخصية بعيدا عن تلامس الأجساد ونظرات الآخرين. حرية في التصرف دون مراقبة، إذ يمكن الغناء بصوت عال أو الحديث مع النفس أو اختيار الصمت التام.تخلص الدراسة إلى أن السيارة تمنح أصحابها مكاسب نفسية ورمزية تتجاوز الراحة والسرعة، من شعور بالسيطرة والخصوصية إلى إحساس بالمكانة الاجتماعية.
وتظهر هذه المعاني بوضوح في جملة لرجل شارك في إحدى مجموعات النقاش "السيارة فضاء شخصي جدا، فالرجل الذي يسافر بالسيارة يكون وحده مع نفسه".
وقت القيادة "منطقة انتقالية" بين الأدوار الرحلة اليومية ليست دائما مضيعة للوقتقبل جائحة كورونا كان كثيرون ينظرون إلى رحلة الذهاب والعودة من العمل باعتبارها عذابا يوميا، لكن أبحاثا حديثة اقترحت زاوية أخرى منها دراسة نشرت عام 2022 بمجلة متخصصة في علم النفس التنظيمي بعنوان "من منظور انتقال الأدوار والتعافي: كيف يشكل التنقل اليومي المسار بين العمل والبيت؟".
تشير هذه الدراسة إلى أن وقت الانتقال قد يعمل باعتباره "مساحة زمنية بينية" (liminal space):
يفصل نفسيا بين دور الموظف ودور الزوج أو الأب. يتيح للإنسان أن يفك ارتباطه من متاعب العمل قبل أن يدخل البيت. يسمح ببعض ممارسات التعافي الذهني مثل الاستماع الهادئ أو مراجعة اليوم أو التخطيط للغد.حين يكون الرجل العربي مطلوبا منه أن يعود إلى البيت متماسكا وحاضرا ومتفهما وأن يترك مشكلات العمل "على الباب"، تصبح تلك الدقائق في السيارة -قبل الصعود- وقتا انتقاليا حرجا:
يتنفس بعمق ويعيد ترتيب انفعالاته، ثم يقرر ما سيقوله وما سيسكت عنه. أحيانا يترك نفسه لبكاء قصير أو تنهيدة طويلة أو سورة من القرآن بصوت عال، أو أغنية من زمن آخر.هنا يصبح معنى "أنا بعشق الطريق"، الذي غنّت به نجاة الصغيرة "قريبا من الواقع"، ليس عشقا للإسفلت والزحام بقدر ما هو حب للفراغ الزمني الذي يسبق الاصطدام الكامل بمسؤوليات البيت.
لماذا لا يقول الرجل ببساطة "أريد أن أجلس وحدي"؟ رجولة لا تسمح بطلب "غرفة شخصية"أبحاث النوع الاجتماعي (الجندر) لا تقول إن الرجال يحبون العزلة أكثر من النساء بالضرورة، لكنها توضح أن الرجال في ثقافات وتجارب كثيرة أقل استعدادا للاعتراف باحتياجهم إلى مساحة نفسية خاصة، لأن هذا الطلب قد يُقرأ في الثقافة المحيطة على أنه برود عاطفي أو هروب من المسؤولية أو أنانية لأنه "يريد راحته وينسى البيت".
لذلك، بحسب باحثين في علم النفس الاجتماعي، يميل بعض الرجال إلى استخدام مساحات "مبررة اجتماعيا" للانسحاب مثل الذهاب في "لفة بالسيارة"، أو الجلوس في الورشة أو المقهى أو زيارة صالة الألعاب. في هذا السياق السيارة ليست مجرد "كابينة قيادة" بل حاجة اجتماعية محترمة للعزلة.
في مجتمعاتنا العربية يتوقع من الرجل أن يكون مصدر الأمان الاقتصادي ومتماسكا انفعاليا وحاضرا في البيت جسديا ونفسيا في الوقت نفسه، فإن قوله "أريد ساعة وحدي" قد يُستقبل بسوء فهم. أما قوله "سأنزل أتجول بالسيارة وأرجع" فغالبا يمر بحساسية أقل.
هكذا تصبح السيارة ترجمة عملية لنظرية ألتمن عن تنظيم الخصوصية، و"أداة لإغلاق الباب قليلا دون أن يقال إن الباب أغلق في وجه العائلة".
حين تتحول السيارة إلى قطعة من الوطن "غرفة المعيشة" الوحيدة باسمهبالنسبة للرجل العربي المغترب في الخليج أو أوروبا أو أمريكا قد تكون السيارة:
أول شيء كبير مكتوب باسمه في بلد لا يملك فيه بيتا ولا شبكة دعم عائلية قريبة. المكان الوحيد الذي يختار فيه إذاعة عربية أو تلاوة بأصوات قرّاء من بلده، أو أغاني طفولته. المساحة التي يجري فيها مكالمات طويلة مع أمه أو أبيه دون أن يسمعه زميل سكن أو صاحب العمل.من منظور علم النفس البيئي، تتحول هذه السيارة إلى "جزء من الهوية المكانية" (place identity) فهي مساحة مادية صغيرة لكنها مشبعة برموز الانتماء -مسبحة معلقة أو علم صغير أو رائحة بخور محددة- تعوض عن غياب "بيت العائلة" وشارع الطفولة.
الطريق ليلا.. كابينة الاعتراف مع الوطنفي شهادات كثيرة لمغتربين تتكرر هذه الصورة:
قيادة ليلية بلا هدف واضح. شوارع شبه خالية. مكالمة "فيديو" مع البيت أو سماع خطبة الجمعة من مسجد الحي في المدينة الأصلية.هنا تصبح السيارة ممرا عاطفيا بين جغرافيتين، البلد الذي يكسب فيه رزقه والبلد الذي يسكن فيه قلبه.
سؤال عادل ومهم، ماذا عن الرجل الذي لا يملك سيارة؟ أين يجد "مساحته الآمنة"؟
بدائل محدودة في المدن العربيةوفقا لأدبيات علم نفس البيئة والعدالة المكانية، يختلف وصول الناس إلى المساحات العامة المريحة والآمنة بحسب وضعهم الاقتصادي ومكان سكنهم.
الرجل الذي لا يملك سيارة غالبا يبحث عن بدائل مثل:
مقهى رخيص يمكن أن يجلس فيه طويلا مقابل ثمن كوب شاي. كورنيش أو حديقة عامة إذا كانت قريبة وآمنة. المسجد بعد الصلاة، خصوصا بين الأذان أو بين الصلوات. زاوية هادئة في مركز تجاري "مول"، إذا لم يشعر بأنه "غير مرحّب به" دون شراء مستمر.في مدن لا تُصمم مساحاتها العامة لتكون صالحة للجلوس دون استهلاك، تصبح القدرة على الجلوس مع النفس امتيازا طبقيا أيضا، فمن يملك سيارة يملك "غرفة مجانية متنقلة" ومن لا يملكها يبحث عن مقعد لا يطرده صاحبه.
السيارة باعتبارها امتيازا نفسياحين تصبح السيارة امتيازا نفسيا، يتبدل السؤال إلى "من يحقّ له أن يختلي بنفسه مجانا في مدننا؟". هنا لا يكون النقاش تقنيا فقط عن طرق أو جسور أو وقود، بل سؤال عدالة في الوصول إلى الهدوء.
من منظور نفسي يمكن قراءة عشق بعض الرجال للطريق على أنه حب للدقائق المؤجلة قبل مواجهة مشكلة معلّقة في البيت أو العمل، أو حب لوقت يكون فيه الإنسان حرا من التزامات الدور أمام الآخرين، فلا هو "في الشغل" ولا هو "في البيت".
وقد تكون الحاجة إلى "تنظيم انفعالاته" بعيدا عن أعين من يحبهم، حتى لا يروا ضعفه أو إرهاقه.
هكذا لا يعود سؤال "لماذا يجلس الرجل وحده في السيارة؟" سؤالا هزليا أو ترفا، بل نافذة على ضغوط أدواره وقصور المساحات العامة في مدنه وحدود لغته في طلب مساحة نفسية صحية.
كيف نتعامل مع هذه "الغرفة المتنقلة" صحيا؟ للرجل نفسه: أن يعترف لنفسه أولا أن احتياجه لهذه المساحة ليس أنانية، بل هي جزء من تنظيم صحته النفسية كما تقول نظريات الخصوصية. أن يحاول قدر الإمكان عدم تحويل السيارة إلى هروب دائم من مواجهة مشكلات البيت أو العمل، بل إلى مساحة للتحضير لمواجهتها. إن لم يملك سيارة، أن يبحث عن مساحة عامة آمنة وأن يطالب -مع غيره- بتحسين نوعية هذه المساحات في مدينته. إعلان للزوجة والأسرة: أن تقرأ جلوسه في السيارة أحيانا باعتباره طلبا لالتقاط الأنفاس، لا رفضا للبيت أو أهله. أن يُفتح حوار صريح في الأسرة عن الحق في المساحة الشخصية لكل فرد، رجلا كان أو امرأة، حتى لا تتحول السيارة أو غيرها إلى الملجأ الوحيد لالتقاط هذا الحق بصمت.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات بعض الرجال فی السیارة علم النفس فی البیت لا یملک یبحث عن
إقرأ أيضاً:
ترامب يعلن المشاركة في عشاء رابطة مراسلي البيت الأبيض
أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عزمه على المشاركة وإلقاء كلمة في عشاء رابطة مراسلي البيت الأبيض الذي أعيدت جدولته الشهر المقبل، وذلك إثر حادث إطلاق نار اضطره لمغادرة الحفل في أبريل.
وأشاد ترمب في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي بقرار الرابطة إعادة تنظيم العشاء في 24 يوليو واصفاً إيّاه بأنه «دليل على القوّة والصلابة».
وكان منظمو عشاء رابطة مراسلي البيت الأبيض أعلنوا، إعادة جدولة الحفل الذي حاول مسلح اقتحامه في أثناء حضور الرئيس الأمريكي.
إقرأ أيضا..رئيس لبنان: دماء شهداء الجيش والقوى المسلحة اللبنانية لن تكون موضع مساومة
وفي وقت سابق، قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، اليوم الثلاثاء، إن إيران تناقش جوانب في ملفها النووي كانت ترفض التطرق إليها، مُشددًا على أن الولايات المتحدة لن تسمح بأية طموحات نووية إيرانية.
واضاف روبيو - خلال الإدلاء بشهادته أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ - أن هذا التطور يمثل فرصة جديدة للمفاوضات، مشيرًا إلى أن إيران باتت الآن مستعدة للخوض في قضايا كانت تُعتبر من المحظورات قبل أشهر قليلة.
وأشار إلى أن الانقسامات الداخلية في الحكومة الإيرانية أبطأت العملية، حيث تستغرق الردود أياماً في كثير من الأحيان.
وأعرب روبيو عن أمله في إعادة فتح مضيق هرمز، وأن يتمكن الجانبان من التوجه نحو مفاوضات مركزة على قضايا محددة، بهدف التوصل إلى اتفاق مقبول للطرفين.
وقال روبيو إن هناك دلائل تشير إلى أن المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي يشارك بشكل متزايد على مستوى ما في المفاوضات.
وأضاف أن الشرط الأول في المحادثات مع إيران هو فتحها لمضيق هرمز، مشيرًا إلى أن طهران لن تحصل على تخفيف للعقوبات لمجرد فتح مضيق هرمز، وأن أي تخفيف للعقوبات سيكون مشروطاً.
فيما جاء الرئيس اللبناني، جوزيف عون، تأكيده أن دماء شهداء الجيش والقوى المسلحة اللبنانية لن تكون موضع مساومة مهما كانت الظروف أو المواقف، مشدداً على التزامه بحماية حقوق الشهداء وعائلاتهم وصون التضحيات التي قدموها دفاعاً عن لبنان.
هذا خلال استقبال الرئيس اللبناني، وفداً ضم ممثلين عن أهالي شهداء الجيش اللبناني في أحداث عبرا، حيث نقل أعضاء الوفد موقفهم من المداولات النيابية الجارية بشأن اقتراح قانون العفو وخفض العقوبات، معربين عن تخوفهم من إقرار أي نص قانوني يكون على حساب دماء الشهداء.
وأشاروا إلى أنهم أجروا اتصالات مع عدد من النواب ولاقوا تجاوباً من بعضهم، مؤكدين ثقتهم بأن الرئيس عون سيواصل الدفاع عن حقوق العسكريين الشهداء وفاءً لتضحياتهم.
وأوضح عون موقفه من الاقتراح المتداول، مشيراً إلى أنه ليس قانون عفو بالمعنى الفعلي، بل يندرج عملياً ضمن إطار خفض العقوبات.
وشدد على أنه لن يوافق على أي صيغة قانونية تشمل مرتكبي جرائم قتل المدنيين أو العسكريين، مؤكداً أنه سيستخدم صلاحياته الدستورية في كل ما يتعلق بهذا الملف.