مخرجة أمريكية للجزيرة: ما جرى في غزة يمكن أن يحدث في أمريكا
تاريخ النشر: 4th, February 2026 GMT
دعت المخرجة الأمريكية "بو سي تينغ"، مخرجة فيلم "أميريكان دكتور"، الأمريكيين إلى مراجعة أنفسهم، محذرة من اعتقاد أن ما يحدث من قتل للأبرياء في قطاع غزة هو أمر بعيد عنهم ولا يمكن أن يحدث في الولايات المتحدة.
ويلقي فيلم "أميريكان دكتور" الضوء على مأساة الفلسطينيين في غزة من منظور أطباء أمريكيين، وحظي باحتفاء واسع من النقاد والجمهور خلال عرضه في مهرجان صندانس السينمائي العريق في ولاية يوتا الأمريكية.
وعن دوافعها لإخراج الفيلم قالت بو للجزيرة: "بعد مرور عام على الإبادة الجماعية بدأت أتساءل: ما الذي يمكنني فعله لأقول شيئًا عمّا يحدث؟ كنت أرى زملاء سابقين لي يُستهدفون ثم يُعدمون، ولا أحد، خصوصًا في الغرب، يفعل أي شيء".
وأضافت أنها اختارت سرد القصة من وجهة نظر أطباء أمريكيين لأن الناس يثقون بالأطباء ولا أحد سيشكك في مصداقيتهم وقدسية حماية المستشفيات من الاعتداء، بالإضافة إلى أن الدراما والأفلام الطبية تحظى بشعبية كبيرة في الغرب، وهو ما ساهم في إعجاب الجمهور الأمريكي بفيلمها.
وعن التحديات التي واجهت فريق العمل خلال صنع الفيلم، قالت بو للجزيرة إن التصوير لم يتم في ظروف عادية، إذ كان طاقم الفيلم يعيش "إبادة جماعية أثناء التصوير. في الوقت نفسه كان هناك حصار ولم يكن الطعام يدخل، فكانوا يعانون من نقص الغذاء، وكانت عائلاتهم معرضة للقصف وإطلاق النار من مروحيات الأباتشي".
وتابعت: "هذا هو التحدي. وخلال كل سنوات خبرتي كصحفية، ومعدة وثائقيات، ومديرة تنفيذية في الاستوديوهات، ظننت أنني مستعدة، لكنني لم أكن كذلك"، مشيرة إلى حجم المأساة في قطاع غزة نتيجة الحرب الإسرائيلية.
وأشادت بو بفريق العمل الذي اعتبرته المساهم الأول في نجاح الفيلم، ومن بينهم الفلسطينيان، مدير التصوير إبراهيم العطلة، والمنتج المشارك محمد صواف.
إعلانوأشارت إلى أن الإقبال على فيلم "أميريكان دكتور" فاق التوقعات في مهرجان صندانس، قائلة: "كان الناس يتسابقون للحصول على التذاكر التي نفدت، ولم يخطر ببالي أبدًا أن الجمهور الأمريكي سيتدافع لمشاهدة فيلم عن أطباء في غزة. كان هناك تصفيق حار وقوفًا مرة بعد مرة. وكان الجمهور متنوعًا من حيث الخلفيات والفئات".
وأعربت "بو سي تينغ" عن أملها في أن يدفع الفيلم من يشاهده إلى التساؤل: "ما دوري في هذه الإبادة الجماعية؟ ما دور حكومتي؟ وما دور أموال دافعي الضرائب في قتل الأطفال والأبرياء؟ وألا يظنوا للحظة أن ما يحدث بعيد عنهم".
من المسؤول؟
من جهته، قال فيروز سيدهوا، أحد الأطباء الأمريكيين الثلاثة الذين شاركوا في الفيلم بجانب اليهودي مارك بيرلموتر وثائر أحمد وهو من أصول فلسطينية، إن أموال الضرائب التي يدفعها الأمريكيون هي المساهم الأبرز في قتل الأطفال والأبرياء في غزة.
وأضاف: "أريد من الجمهور أن يرى ما رأيته في غزة، وأن يفهم لماذا شعرت أنا ومارك وثائر وعشرات غيرنا من العاملين الأمريكيين في الرعاية الصحية، بضرورة الحديث عمّا شهدناه هناك، وبضرورة محاولة إقناع حكومتنا بوقف دعم القتل الجماعي للأطفال وتدمير مجتمع كامل".
وتابع سيدهوا: "الأمر بسيط. لا أريد أن أموّل قتل الأطفال. ومع ذلك، فإن حكومتي تجبرني على ذلك. أنا أدفع ثمن القنابل التي تُسقطها إسرائيل على غزة. إسرائيل لا تدفع ثمنها".
أما الطبيب ثائر أحمد، فتحدث عن مشاعره بشأن المشاركة في هذا الفيلم، بقوله: "كان قرار المشاركة في هذا الفيلم صعبًا جدًّا وترددت، لكوني فلسطينيًّا، وأدرك كيف ينظر العالم الغربي إلى الفلسطينيين، لكنني وثقت بالمخرجة بو وبالفريق الذي جمعته، وثقت بأنهم يدركون أن فلسطين بالنسبة لي ليست مجرد قضية أخرى أو صراع آخر، بل شيء مقدس".
وتابع أحمد: "الواقع في فلسطين كان يتعرض للتنقيح من عدة وسائل إعلامية هنا، وأعتقد أن ما يفعله هذا الفيلم بشكل ممتاز هو أنه يزيل تلك الحواجز، ويجبرك فعلًا على التفكير النقدي فيما يحدث في غزة، ومن المسؤول عنه، وما الذي يمكنك فعله للمساهمة في تغيير الواقع على الأرض".
يذكر أنه تم عرض 144 فيلمًا، تتنوع بين أعمال طويلة وقصيرة، خلال نسخة عام 2026 من مهرجان صاندانس السينمائي، ليؤكد كونه أضخم منصة عالمية للسينما المستقلة
وبحسب الأرقام الصادرة عن إدارة المهرجان، فقد عرض في المهرجان 90 فيلمًا طويلًا (روائيًّا ووثائقيًّا)، موزعة على مسابقات السينما الأمريكية والعالمية، وأقسام العروض الأولى، بالإضافة إلى 54 فيلمًا قصيرًا ضمن برنامج الأفلام القصيرة، الذي يُعتبر من أكثر أقسام صاندانس تنافسية.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات ا یحدث فی غزة
إقرأ أيضاً:
لغز الفيوم العظيم.. الملك المفقود الذي يروي مجد الدولة الوسطى وصراعاتها
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
في عمق تاريخ مصر القديمة، وتحديدًا خلال عصر الدولة الوسطى في الأسرة الثانية عشرة (نحو 1985–1773 ق.م)، خرجت إلى الوجود واحدة من أكثر القطع النحتية غموضًا وإثارة في تاريخ الفن المصري القديم: تمثال ضخم لملك مجهول الهوية بدقة، يُعتقد أنه أحد ملوك هذه المرحلة العظيمة مثل سنوسرت الثالث أو سنوسرت الثاني، وربما امتدت احتمالاته إلى أمنمحات الرابع.
هذا التمثال، الذي اكتُشف في منطقة هيراكليوبوليس ماغنا قرب الفيوم، لا يمثل مجرد عمل فني، بل هو وثيقة سياسية ودينية تعكس تحولات كبرى في مفهوم الحكم والسلطة والخلود في الحضارة المصرية.
ملوك الدولة الوسطى.. بناء دولة مركزية قويةشهدت الدولة الوسطى واحدة من أكثر مراحل مصر استقرارًا وازدهارًا، حيث أعاد ملوك الأسرة الثانية عشرة توحيد البلاد بعد فترات من الاضطراب، ونجحوا في بناء جهاز إداري قوي ودولة مركزية متماسكة.
برز من بين هؤلاء الملوك سنوسرت الثالث، المعروف بحملاته العسكرية في النوبة وإصلاحاته الإدارية الصارمة، إلى جانب ملوك آخرين مثل سنوسرت الثاني وأمنمحات الرابع، الذين أسهموا في ترسيخ قوة الدولة وتوسيع نفوذها.
وفي هذا السياق، جاءت التماثيل الضخمة لتكون أداة سياسية بصرية تعكس هيبة الملك وتؤكد طبيعته الإلهية.
فن يعكس التحول نحو الواقعيةيمثل هذا التمثال نموذجًا واضحًا للتحول الفني الذي ميّز عصر الدولة الوسطى، حيث ابتعد الفنانون تدريجيًا عن المثالية المطلقة التي كانت سائدة في العصور السابقة، واتجهوا نحو تصوير أكثر واقعية وصدقًا في ملامح الملوك.
فبدلًا من الوجوه الشابة المثالية، ظهرت تعابير أكثر جدية وصرامة، تعكس شخصية الملك كحاكم مسؤول عن حماية البلاد وإدارة شؤونها في عالم مليء بالتحديات.
ويُعتقد أن هذا الأسلوب بلغ ذروته في تماثيل سنوسرت الثالث، التي أظهرت ملامح تحمل مزيجًا من القوة والتجربة والرهبة، وكأنها تعكس ثقل الحكم ذاته.
لغز الهوية وإعادة الاستخدام الملكيإحدى أبرز نقاط الغموض في هذا التمثال هي هويته الدقيقة، إذ يرى بعض الباحثين أنه قد يمثل سنوسرت الثالث، بينما يرجح آخرون أنه يعود إلى أمنمحات الرابع، بسبب محدودية المعلومات المتاحة عن فترة حكمه القصيرة.
كما أن التمثال يحمل دليلًا مهمًا على إعادة استخدامه في عصر لاحق، خلال الفترة الرعامسية، وربما في عهد مرنبتاح، ابن رمسيس الثاني. وقد كانت إعادة النقش وإعادة توظيف التماثيل ممارسة شائعة في مصر القديمة، حيث كان الملوك اللاحقون يربطون أنفسهم بإنجازات أسلافهم لتعزيز شرعيتهم السياسية.
الأميرات إلى جانب الملك.. رمزية العائلة والسلطةما يجعل هذا التمثال أكثر تميزًا هو وجود شخصيات صغيرة لأميرات بجوار الملك، وهو عنصر نادر في النحت الملكي المصري. هذه الإضافة لا تحمل بعدًا عائليًا فقط، بل تعكس أيضًا فكرة استمرار السلالة الملكية وترسيخ مفهوم الوراثة الإلهية للحكم.
كما تُظهر هذه التفاصيل كيف كان الفن المصري القديم وسيلة للتعبير عن السلطة بوصفها نظامًا متكاملًا يجمع بين الملك والعائلة الملكية والدين والدولة.
شاهد حجري على تاريخ متغيراليوم، يقف هذا التمثال في المتحف المصري الكبير كطبقات متراكمة من التاريخ؛ فهو عمل فني من الدولة الوسطى، أعيد استخدامه في عصر لاحق، واكتشف في زمن حديث، ليصبح سجلًا مفتوحًا يروي قصة آلاف السنين من السياسة والدين والفن.
إنه ليس مجرد تمثال لملك مجهول، بل مرآة تعكس كيف كانت مصر القديمة تعيد تشكيل صورتها عبر الزمن، وكيف استطاعت أن تجعل من الحجر وسيلة لحفظ السلطة والهوية والذاكرة.
وهكذا، يبقى هذا التمثال الضخم شاهدًا على حقيقة واحدة: أن الملوك قد يرحلون، لكن الحجر الذي نُقشت عليه أسماؤهم يواصل الحديث عنهم إلى الأبد.
الملك المفقود