الجزيرة:
2026-06-03@05:58:23 GMT

خلف ستار العقل: كيف ينسج الدماغ عوالم غير مرئية؟

تاريخ النشر: 4th, February 2026 GMT

خلف ستار العقل: كيف ينسج الدماغ عوالم غير مرئية؟

مقدمة الترجمة

قد يتقافز يوما ما إلى ذهنك هذا السؤال المحيّر: من أين تنبثق الصور التي تشكِّلها أذهاننا؟ كيف يمكن للعقل أن يشيّد عوالم غير موجودة على أرض الواقع، ويستدعي ماضيا ولى منذ زمن بعيد؟ بل ويصوغ احتمالات قد تحدث في مستقبل لم نصل إليه بعد؟

يأخذنا هذا المقال المترجم من مجلة "نيوساينتست" (New Scientist) إلى رحلة عبر ثلاث شبكات عصبية مترابطة تشكّل صورنا الذهنية، وتمنح الإنسان قدرة على التفكير فيما يتجاوز العوالم المادية، إلى عوالم أعمق وأشد رحابة، وهي شرارة تفرّد تفجرت جذوتها في الوعي البشري، فميزته عن باقي الكائنات الأخرى.

يتسائل الخبراء عن قدرة الدماغ على التخيل (بيكسابي)نص الترجمة

على خلاف المعالجات الذهنية المتخصصة، لا تُظهِر فحوصات الدماغ منطقة بعينها يمكن تسميتها "قشرة دماغية مخصصة للخيال". فالخيال لا يقطن زاوية بعينها في أدمغتنا، بل هو نتاج مدخلات من جميع أنحاء الدماغ، ومن مختلف أجزاء الجسد كذلك.

نعلم جيدا أن الخيال لا يأتي في صورة واحدة، ولا نختبره جميعا بالطريقة ذاتها. إلا أن علماء الأعصاب في السنوات الأخيرة، اهتدوا إلى فهم أوضح للآلية التي تتفاعل بها عناصر الخيال داخل الدماغ.

فقد أظهرت التطورات المتعلّقة بصور المسح الدماغي النشط، وتحديدا التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (وهي تقنية تصوير متقدمة تُستخدم لتحديد مواقع مراكز الدماغ الحيوية*)، أن الدماغ منظّم في عدة شبكات رئيسية. تتبادل كل شبكة المعلومات داخل نطاقها، مع حفاظها على تواصل دائم مع غيرها. وهو ما يمكّن الدماغ من الانتقال بين أنماط مختلفة من التفكير باختيار الشبكة الأنسب لكل مهمة.

يعتمد خيالنا على ثلاث شبكات محورية تأتلف مع بعضها لتشكيل هذه الصور التي تطرأ على مخيلتنا. أما الشبكة الأقرب إلى هذا العالم الداخلي، فقد ظهرت إلى العلن صدفة في أواخر التسعينيات، عندما استرعى انتباه علماء الأعصاب نمطا مميزا لنشاط دماغ المتطوعين أثناء انتظارهم داخل أجهزة الرنين المغناطيسي الوظيفي.

إعلان

ففي الوقت الذي كانت فيه أذهان المشاركين حرة طليقة، وغير معقودة على مهمة بعينها، راحت مناطق الدماغ المرتبطة بالذاكرة، وبالحالة المزاجية، وباستبطان النفس، تنبض بنشاط متزايد، وهو ما يعكس حالة من الانغماس الذهني، والتأمل في فضاء النفس. عُرفت هذه الحالة "بشبكة الحالة الافتراضية"، وهي شبكة من الأعصاب تنشط بمجرد أن نمنح عقولنا مساحة للتجول بحرية، أو ننقّب في أرشيف الذكريات، أو ينساب تفكيرنا نحو المستقبل، أو ننغمس في أحلام اليقظة.

غير أن "شبكة الحالة الافتراضية" ليست المُساهم الوحيد في نسج ما نسميه خيالا، فلكي تتجلى تأملات شبكة النمط الافتراضي في وعي الإنسان، ينبغي للدماغ أن يدمج "شبكة التميّز" أو ما يعرف باسم شبكة الأهمية أو البروز في المشهد.

الأفراد الذين يحرزون تقييما أعلى في اختبارات الإبداع، يتمتعون بروابط أقوى بين الشبكات الثلاث المسؤولة عن تشكيل الخيال في الذهن (شترستوك)

تبتدع هذه الشبكة آصرة تربط بين المناطق المسؤولة عن العاطفة، والانتباه، والتحفيز، فتتصرف كمدير للمشروع، يميز بين المحفزات الخارجية، والضوضاء التي تختلج دواخلنا، ليقرر ما يستحق انتباهنا في النهاية. وفيما يتعلق بالخيال، تلعب هذه الشبكة دورا في تأجيج الأفكار والذكريات الجوهرية، أو المباغِتة، أو الملّحة لدرجة يصعب تجاهلها.

كما أن شبكة "البروز" التي تحدثنا عنها سابقا هي المكان الذي تؤثر فيه مدخلات الجسد على الخيال. (بمعنى أن الخيال ليس صنيعة العقل وحده، بل يشارك فيه الجسد أيضا*). تستقر هذه الشبكة في الفص الجزيري، وهو جزء من الدماغ يعالج الأحاسيس الجسدية التي قد ترتبط بالحالات العاطفية. فعندما تُؤَجج هذه الأحاسيس بسبب خيالنا، أو ذكرى ما، كاستحضار تجربة مخيفة تزيد من خفقان ضربات قلبك، تتحول خواطرنا في هذه اللحظة أو ما يدور في أذهاننا إلى شعور حي، ونابض.

صحيح أن تفاعل شبكة النمط الافتراضي مع شبكة البروز يصنع ما نسميه تجربة الخيال – كاستدعاء صورة البيت الذي ترعرعنا فيه، أو تخيّل المذاق الأمثل لقطعة بيتزا- إلا أن هذا التآزر على ثرائه، لا يكفي وحده لخلق عملية الإبداع. فكما تقول الباحثة إيفانجيليا كريسيكو: "الخيال لا يساوي الإبداع" بمعنى أن هاتين الشبكتين تساعدان على عملية التخيل، لكن لكي تحدث عملية الإبداع، يحتاج الدماغ إلى شبكة ثالثة إضافية.

ولكي تُثار مكامن الإبداع في أذهاننا، بمعناها العصبي، أي القدرة على ابتكار أفكار أصيلة تخدم غرضا في العالم الحقيقي، فإن عقلنا يستدعي شبكة أخرى تُعرف بالشبكة التنفيذية المركزية ، التي تمد جسرا يربط المناطق الأمامية من الدماغ بأجزائه الخلفية في القشرة الجدارية، فتمنحنا القدرة على توجيه انتباهنا والحفاظ عليه، بحيث يبقى الهدف راسخا في أذهاننا، بينما نجوب بين الاحتمالات بحثا عن حلول ممكنة.

أظهرت الدراسات المتعلّقة بصور المسح الدماغي التي أجرتها كريسيكو وآخرون، أن الأفراد الذين يحرزون تقييما أعلى في اختبارات الإبداع، يتمتعون بروابط أقوى بين الشبكات الثلاث المسؤولة عن تشكيل الخيال في الذهن، وهو ما قد يتيح لهم الانتقال بخفة وسرعة بين ابتكار الأفكار، والانتباه لها، وتمحيصها.

إعلان

فكيف يمكننا إذن أن نحث هذه الأنظمة على الائتلاف معا وتعزيز قدراتنا التخيلية؟ أول الطريق هو تحفيز نشاط شبكة الحالة الافتراضية عبر تخصيص وقت نسمح فيه لأفكارنا بالانسياب على سجيتها، والتجول في فضاء الرحب لأذهاننا. وحينما نتحدث هنا على التجول، فنحن لا نقصد أذهاننا فحسب، بل نستطيع أن نمارسه بأجسادنا أيضا. إذ تشير دراسة أجراها باحثون من جامعة ستانفورد بولاية كاليفورنيا، إلى أن نزهة قصيرة كفيلة بإشعال شرارة الإبداع بنسبة تصل إلى 60% أثناء المشي نفسه، ويظل أثرها ممتدا لبرهة وجيزة بعده.

وبمجرد أن ينتهي بك المطاف متلمسا طريقك إلى الخارج، تاركا العنان لذهنك لكي يتجول بحرية، جرّب أن تركز أثناء تلك النزهة القصيرة على أمر يهمك. فشبكة البروز في الدماغ تساعدك على الانتباه للحظات المفاجئة، كلحظة اكتشاف خاطفة. وهذا يعني أنه كلما انكب اهتمامك على التوصل إلى حل، زادت احتمالية أن يطرق الإلهام بابك، وكذلك سيزداد دافعك للعمل على تنفيذها.

تطور المخيلة

للخيال البشري قدرة استثنائية على إدهاشنا، فبفضله ظهرت روايات جين أوستن إلى النور، وأغاني لفرق عالمية شهيرة، بجانب القنابل الذرية التي كانت من صنع الخيال البشري أيضا.

في خيالنا، يمكننا تصور تاريخا بديلا لم تحدث فيه الحرب العالمية الثانية، أو نسترجع في أحلام اليقظة حبا فقدناه منذ زمن طويل أيام المراهقة.

وعن ذلك، يقول أغوستين فونتيس، عالم الأنثروبولوجيا البيولوجية في جامعة برينستون ومؤلف كتاب "الشرارة الإبداعية: كيف جعل الخيال البشر استثنائيين": "تنبثق جميع هذه الأشياء من قدرة الإنسان على التفكير فيما يتجاوز الماديات أو الحيز الحسي المباشر. وقد تتساءل من أين أتى هذا؟ من الواضح أن قدرة كهذه مرت بمراحل من التطور."

على الجانب الآخر، سنجد أن الحيوانات تتمتع أيضا بقدر معين من الخيال. فالكثير منها قادر على التخطيط المسبق، فعلى سبيل المثال، يمكن لعناكب بورتيا القافزة ابتداع هجمات معقدة للانقضاض على فرائسها. أما خيالنا البشري فهو نسخة معمقة مقارنة بهذا.

يمكن تتبع بزوغ الخيال عبر السجل الأحفوري للبشر الأوائل، ويتجلّى ذلك بوضوح في الأدوات الحجرية التي أبدعتها أيديهم. وتأكيدا على ذلك، يقول فونتيس: "إن تغيير شكل الصخرة إلى شكل جديد يمكن استخدامه، يحتاج إلى نوع من الخيال لم يسبق أن رصدنا دليلا عليه في الكائنات الحية الأخرى من قبل."

يعود تاريخ أقدم الأدوات الحجرية المعروفة، إلى ما يقارب 3.3 ملايين سنوات، وقد اكتُشفت في لوميكوي بكينيا. وهو ما يدل على تمتع البشر الأوائل بقدر كاف من الخيال مكنهم من صناعة الأدوات الحجرية واستعمالها.

ثم نمت هذه القدرة لاحقا لتتجاوز المنفعة، وتُضفي معنى على أفعالهم، فبدأوا -على سبيل المثال- في نقش الرموز على جدران الكهوف، وتلوين أجسادهم وجدران كهوفهم بالطين الأحمر.

يرى فونتيس أن ظهور اللغة شكّل مرحلة تحول جذرية أطلقت العنان لخيالنا البشري، بقوله: "إن طريقتنا في نقل المعلومات، وتخزينها، واستدعائها، فتحت آفاقا واسعة لإمكانات أخرى." والأهم من ذلك أننا أصبحنا قادرين على تبادل أفكارنا بسهولة وسلاسة، وهي قدرة تعجز عنها جميع الكائنات الأخرى.

في نهاية المطاف، من المهم إدراك أن الدور الذي تلعبه اللغة في نسج خيالنا، يقودنا إلى حقيقة أوسع. فالتخيل – كما يرى فونتيس – نشاط اجتماعي بامتياز، بمعنى أننا كثيرا ما نستحضر خيال الآخرين، خاصة حين نتحدث عن الفنانين والعباقرة، كما أن خيالنا في جوهره ليس نتاجا فرديا خالصا، بل نسيج تتداخل فيه خبرات حياتنا مع تجارب لا تُحصى خاض غمارها آخرون.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات وهو ما

إقرأ أيضاً:

المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش

حين يكون الفشل مُقيما لا عابرا

هناك فارق جوهري بين المعارضة التي تخسر وتلك التي لا تُحارب أصلا؛ الأولى تستحق الاحترام حتى في هزيمتها، والثانية لا تستحق إلا التشريح.

والمعارضة المصرية في الخارج، بكل أطيافها وبكل ما أُنفق في سبيلها من مال وجهد ووقت، تقع في خانة الثانية بامتياز مُحزن. ليس هذا حكما صادرا عن خصومها، بل هو ما تكشفه وقائع السنوات الأخيرة بلا رحمة ولا مجاملة.

فبينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد.

ويأتي الاعتداء الوحشي على الناشط أنس حبيب ليكشف أن هذه المعارضة لم تفشل فقط في بناء نفسها، بل باتت تواجه بيئة عدوانية مُنظّمة على أرض المهجر ذاته، في الوقت الذي تتفرج فيه العواصم الأوروبية التي تؤوي هؤلاء المعارضين.

أولا: الفن غائب والقضية تنزف

عندما تبحث في تاريخ السياسة الحديثة لن حركة مقاومة حقيقية خلت من الفن؛ الفن ليس ترفا يُلحق بالنضال، بل هو عصبه الناقل الذي يحوّل الفكرة إلى مشاعر، والمشاعر إلى حشود، والحشود إلى تغيير.

بينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد
من غيفارا الذي جعل منه الفن أيقونة لا تموت حتى بعد موته، إلى باتريس لومومبا الذي حوّلته أغاني أفريقيا إلى رمز حيّ، إلى الأغاني الفلسطينية التي حملت هوية شعب عبر عقود من القمع والاحتلال.

الفن هو ما يُبقي القضايا حية حين تنكسر الأجساد وتنهك العقول، وانظر ما فعله الطوفان. فمنذ السابع من أكتوبر 2023 وما قبله وحتى اليوم، تتدفق من غزة ومن حاضنتها الثقافية في المهجر الفلسطيني موجة فنية شبه أسبوعية لا تهدأ؛ أغانٍ تنتزع الدمع في لحظة وتشعل الغضب في اللحظة التالية، أناشيد تُطلق في قلب القصف ثم تجتاح في ساعات ملايين الهواتف في أربع قارات، مقاطع تُوثّق الدم والصمود في آنٍ واحد، يصنعها أطفال بين ركام بيتهم، ومغنّون يقفون على بلاط مدمّر ويُطلقون أصواتهم كأنها آخر ما تبقى من الوجود. هذا الإنتاج لم يكن فائضا عن الحاجة بل كان هو الحاجة بعينها؛ هو ما أبقى العالم مُوصولا بغزة حين كانت القنوات الرسمية تُغلق أبوابها واحدة تلو الأخرى.

والسؤال الذي يجب أن يُحرق كل من تولّى شأنا في المعارضة المصرية: ماذا أنتجتم أنتم؟ الجواب مُرّ كالعلقم: لا شيء يُذكر إلا جهد قليل القليل؛ عمل أو اثنان ولا يتم تذكرهما.

في سنوات من الوجود خارج مصر، بتمويل يُقدَّر بمئات الآلاف من الدولارات -سواء من المنح الدولية أو من مساهمات الأفراد أو من الهيئات الحقوقية- لا تكاد تجد أغنية واحدة تسكن القلوب، ولا مسرحية توثيقية تهز الضمائر، ولا فيلما قصيرا يُعرض في برلمان أوروبي ليُجبر النواب على رؤية وجوه المعتقلين. ثمة ومضات بالطبع، ومحاولات فردية مبعثرة، لكن لا مشروع ثقافي ممنهجا، ولا استراتيجية فنية تتوازى مع المطالبات السياسية.

يصرف المال على مؤتمرات وإفطارات في فنادق باهظة في لندن وإسطنبول، تنتهي بتوصيات تُودَع في أدراج لا يُفتح لها درج. يصُرف على مسميات وظيفية وهمية وشبكات علاقات لا تُولّد ضغطا حقيقيا على أي قرار في أي عاصمة. وأما الفن والثقافة، تلك الأداة التي وحدها قادرة على تحريك الرأي العام الغربي والعربي معا، فقد ظلت طويلا في آخر سلم الأولويات، أو خارج السلم تماما.

ثانيا: لماذا يصنع الطوفان فنا ولا تصنعه المعارضة المصرية؟

السؤال ليس ترفا أكاديميا، إنه يمس جوهر الفارق بين نضال يعيش ونضال يحتضر. تُنتج غزة فنا لأن لديها قضية تعيشها في دمها ولحمها وكل يوم من أيامها. الفن الحقيقي لا يُؤمَر بالخروج، بل يخرج لأنه لا يستطيع أن يظل محبوسا داخل الإنسان.

يكتب الشاعر الغزاوي تحت القصف، لا يفكر في الجمهور ولا في المنصة، بل هو يكتب لأن الصمت سيقتله قبل الصاروخ. وهذا هو مصدر القوة الحقيقية: الفن المُنبثق من الألم المُعاش، لا المُصطنع من أجل الأجندة السياسية.

لكن ثمة عاملا ثانيا لا يجب إغفاله: المقاومة الفلسطينية تعرف تماما أن الرأي العام العالمي ساحة حرب موازية للميدان، وأنها لن تنتصر بالسلاح وحده في مواجهة ترسانة إسرائيل العسكرية والإعلامية معا. لذلك توجد استراتيجية وإن لم تُصغ في وثيقة، فهي راسخة في الوعي الجمعي الفلسطيني: كل أغنية هي رصاصة، وكل مقطع مصوّر هو جبهة.

تفتقر المعارضة المصرية في الخارج إلى هذا الوعي الاستراتيجي افتقارا مُقيما. وهذا ليس لأن المصريين أقل موهبة أو أقل ألما، بل لأن الهياكل التنظيمية القائمة تديرها عقليات سياسية ببيروقراطية بيانات وبروتوكولات لا تُغذّي الفن بل تخنقه. الفنان لا يعمل بلجان، والمبدع لا يشتغل بمحاضر اجتماعات.

يُضاف إلى ذلك أن كثيرا ممن يتولّون مقاليد العمل المعارض المصري في الخارج ينتمون إلى خلفيات حزبية أو إسلامية أو ليبرالية أكاديمية تنظر إلى الفن كأداة ثانوية، وليس كبنية أساسية في المعركة. فالبيان السياسي الذي يُوزَّع على وكالات الأنباء يبدو لهم أثقل وزنا من أغنية تُشاهَد مئة مليون مرة، وهذه نظرة قاصرة تعكس انفصالا عميقا عن طبيعة الزمن الذي نعيشه، وآخر هذه البيانات؛ تطالب إحدى الحركات الكبري في مصر القيادات الأوروبية بعدم إدراجها في قوائم الارهاب.

الزمن الذي نعيشه يُقاس بالمشاهدات والمشاعر والانتشار العاطفي، لا بالبيانات التي يُرسلها مكتب صحفي إلى قائمة بريدية لا يفتح معظم أصحابها رسائلها أصلا.

ثالثا: أنس حبيب وأذرع النظام الطويلة

في قلب أوروبا، بعيدا عن سجون مصر وكاميرات مراقبتها، جرى الاعتداء على الناشط أنس حبيب. والحادثة في ظاهرها اعتداء جسدي، لكنها في جوهرها رسالة مفادها: لا يوجد خارج آمن.

ما يُسمى بـ"اتحاد شباب مصر في الخارج" هو اسم يستحق التوقف عنده. اتحاد يفترض فيه أنه مُعبّر عن المصريين المقيمين في المهجر، لكنه في الواقع ليس أكثر من ذراع تنفيذية من أذرع النظام المصري المُمتدة خارج الحدود. هذا ليس اجتهادا أو ظنا، بل هو ما تُوثّقه طبيعة تصريحاتهم وتوقيت تحركاتهم وانسجام خطابهم مع الرواية الرسمية المصرية في كل المحطات. هؤلاء ليسوا شبابا مندفعين خارج السيطرة، بل هم أداة مُبرمجة بعناية لتنفيذ مهمة واضحة: تخويف المعارضين وإسكات الأصوات وإيصال رسالة صريحة: أنتم في متناول أيدينا حتى في عواصمكم ، ولهذا أقرب وصف لهم هم اتحاد بلطجية مصر في الخارج.

هذه المنهجية ليست جديدة ولا مُفاجئة لمن تابع تطور أدوات الاستبداد في المنطقة. السعودية قبلهم أوفدت فرقة الاغتيال إلى قنصليتها في إسطنبول لتُقطّع صحفيا اسمه جمال خاشقجي، الاحتلال يطارد النشطاء الفلسطينيين في عواصم أوروبية وتُنفّذ عمليات اغتيال في برلين وفيينا وباريس. والآن مصر، التي دأب نظامها على اعتقال أقارب المعارضين داخل البلاد كورقة ضغط، تمضي خطوة إلى الأمام وتُطوّر قدراتها في ملاحقة المعارضين على أرض المهجر.

الاعتداء على أنس حبيب ليس حادثة فردية خرجت من عدم، بل هو حلقة في سلسلة ممنهجة؛ هو اختبار للبيئة وقياس لردود الفعل: هل تتحرك الشرطة الأوروبية؟ هل تُحرّك الحكومات الأوروبية ملفات؟ هل يُحدث هذا ضجة تُكلّف أكثر مما تجني؟ إذا كان الجواب لا، فالطريق مفتوح لما هو أشد.

رابعا: الفصل العنصري الإسرائيلي نموذجا.. هل تنسخه القاهرة؟

عندما نقارن بين سلوك نظام السيسي وبين نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في التعامل مع المعارضين فهذا ليس مبالغة بلاغية، بل هو وصف دقيق لمنهجية مُتشابهة في جوهرها وإن اختلفت في مستوى التطور والتنظيم.

إسرائيل بنت على مر عقود منظومة متكاملة لملاحقة منتقديها خارج حدودها: المراقبة الإلكترونية، والاختراق المُوثَّق لمنظمات فلسطينية في أوروبا والأمريكتين، والضغط المُمنهج على حكومات لتقييد نشاط الناشطين المؤيدين لفلسطين، فضلا عن العمليات الميدانية التي نفّذها الموساد في ست قارات.

هذا نموذج لدولة ترى أن حدودها الأمنية لا تنتهي عند حدودها الجغرافية؛ مصر المُتعثّرة اقتصاديا، المُثقَلة بديونها، لا تمتلك اليوم الإمكانات الكاملة لتطبيق هذا النموذج بالكامل، لكنها تمتلك الإرادة، وتمتلك الدافع، وتمتلك النمط الذهني للنظام الذي يرى في كل منتقد عدوا وجوديا يجب تحييده. وتمتلك أيضا ما هو أخطر من الميزانيات: شبكات من المنتفعين والمرتزقة الذين يعملون دون أجر رسمي لأن ارتباطهم بالنظام يُمنحهم امتيازات من نوع آخر داخل مصر والآن أصبح خارج مصر.

وإذا لم تُوقَف هذه المسيرة مبكرا، فإن المنطق الداخلي للنظام -الذي يُعامل المعارضة بوصفها تهديدا للأمن القومي لا رأيا مختلفا- سيقوده حتما إلى رفع منسوب العنف خارج الحدود؛ من الاعتداء الجسدي إلى التخريب الممنهج إلى ما هو أبعد وأخطر. هذه ليست نبوءة بل هي قراءة في منطق الأنظمة الشمولية حين تشعر أن بقاءها مهدد ومحاصر. والسؤال الذي يجب أن تُجيب عنه العواصم الأوروبية هو: حتى متى؟

خامسا: أوروبا الصامتة.. شريك في الجريمة أم شاهد مُتواطئ؟

تُؤوي الدول الأوروبية الكثير من المعارضين المصريين، لكنها تقف في موقف يستوجب المحاسبة الصريحة. ألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة وسواها منحت حق اللجوء لمئات المعارضين المصريين استنادا إلى منظومة حقوقية تُعلن أنها تُقدّس الحرية والحماية،  لكن حين تمتد يد النظام المصري لتضرب ناشطا على أرضها، تتحوّل هذه الدول إلى مراقبين يُسجّلون البلاغات في ملفات وينتظرون.

هذا التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها؛ فرنسا تبيع السلاح لمصر، ألمانيا تُصدّر التكنولوجيا، بريطانيا تُدير علاقات أمنية. وكل هذه المصالح تجعل المطالبة الرسمية بحماية المعارضين ورقة لا يُبادر أحد باستخدامها.

التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها
لكن الصمت له ثمن مُؤجَّل؛ حين تنجح الأنظمة الاستبدادية في جعل المهجر غير آمن لمعارضيها، فإنها ترسل رسالة مزدوجة: إلى الداخل، أن لا هروب، وإلى الخارج، أن الديمقراطية الغربية مجرد شعار أجوف لا يُترجَم في الممارسة. وهذا بالضبط ما تحتاجه الأنظمة الاستبدادية: إثبات أن المنظومة الدولية لحقوق الإنسان مزيفة، لأن ذلك يُفقد المعارضين الأساس الأخلاقي الذي يقفون عليه حين يستمدون شرعيتهم من القيم الغربية.

على أوروبا أن تختار: إما أنها تحمي من آوتهم، وإما أنها تعترف بأن مبادئها تتوقف عند مصالحها التجارية؛ لا يوجد موقف ثالث.

وعلى المستوى القانوني، الاعتداء على ناشط سياسي على أرض أوروبية يُشكّل -إن ثبتت الصلة التنظيمية بالنظام المصري- عملا عدوانيا من قِبَل دولة أجنبية على أراضي دولة ذات سيادة. هذا ليس شأنا أمنيا بوليسيا داخليا، بل هو مسألة دبلوماسية وقانونية دولية تستوجب ردودا على المستوى ذاته. السفير المصري يُستدعى في أقل من ذلك حين تتعلق المسألة بدول أقوى وأجدر بالمراعاة.

سادسا: ما العمل؟ قبل أن يصبح السؤال عبثا

انتقاد المعارضة ليس هدفا في ذاته، والمقال الذي يُشخّص دون أن يُشير إلى الطريق يظل منقوصا، لذلك لا بد من قول ما هو مطلوب بوضوح لا مُدارة فيه.

أولا: إعادة هيكلة جذرية لأولويات الإنفاق في المنظمات المعارضة. جزء لا يقل عن ثلث الميزانيات يجب أن يذهب لإنتاج ثقافي وفني ممنهج: أفلام وثائقية قصيرة تروي قصص المعتقلين، موسيقى تحمل الوجع المصري إلى الأذن العالمية، منصات رقمية تضخ المحتوى بانتظام لا بموجات متقطعة. المعركة الإعلامية خُسرت لأنها لم تُخَض بجدية، وإعادة خوضها ممكنة ولكنها تحتاج إرادة وإعادة ترتيب للأولويات.

ثانيا: بناء تحالفات مع المجتمعات المصرية في المهجر خارج الدوائر السياسية المعتادة. يشكل المصريون في أوروبا وأمريكا مجتمعات حيّة لها قدرة على الضغط حين تُوظَّف توظيفا ذكيا، لكن المعارضة دأبت على العمل في فقاعة مغلقة مكوّنة من وجوه تُعيد إنتاج نفسها في كل اجتماع. الانفتاح على الجيل الثاني من المصريين في المهجر، الذين يحملون جوازات أوروبية ويتحدثون اللغات ويعرفون ثقافة الضغط السياسي في بلدانهم، هو ما تفتقره المعارضة افتقارا فاضحا.

ثالثا: ملف أنس حبيب والاعتداء عليه يجب ألا يُطوى بـ"بيان إدانة" يُصدَر وينتهي الأمر. يجب أن يتحوّل إلى قضية قانونية مُتابَعة أمام القضاء الأوروبي، وأن تُوثَّق الصلات التنظيمية لهؤلاء المعتدين بالنظام المصري بالأدلة التي يعرفها الجميع؛ لكن لا أحد يُكلّف نفسه جمعها وتقديمها بصورة قانونية مُحكمة. القانون الأوروبي يتيح ملاحقة ممثلي الدول الأجنبية الذين يمارسون عمليات تخريبية على الأراضي الأوروبية، والسؤال: لماذا لم يُفعَّل هذا المسار حتى الآن؟

رابعا: على الدول الأوروبية المعنية -وهولندا على رأسها نظرا للجاليات المصرية الكبيرة فيها- أن تُنشئ آليات رسمية لرصد ومتابعة نشاط الأذرع الخارجية للأنظمة الاستبدادية على أراضيها. هذه الآليات موجودة في التعامل مع ملفات أخرى كالإرهاب وتمويل الجريمة المُنظّمة، ولا يوجد سبب منطقي يمنع تطبيقها على من يُنفّذون عمليات ترهيب وعنف بتوجيه من أجهزة استخبارات أجنبية.

ختاما: النار التي لا تبدأ بالأصابع

في النهاية، الفشل الذريع للمعارضة المصرية في الخارج ليس قضاء مبرما ولا حكما أبديا على شعب بعينه، لكنه فشل حقيقي يجب أن يُسمّى بالاسم لأن التجميل الكاذب يُطيل عمره ولا يعالجه.

المطلوب ليس ثورة ولا معجزة، المطلوب أن يُدرك من يتصدّر المشهد المعارض أن الجمهور ليس بحاجة إلى مؤتمرات يحضرها الجمهور نفسه ويُصفّق فيها كل واحد للآخر.. المطلوب أغنية واحدة تعبر الحدود، فيلم قصير يُبكي محاميا أوروبيا يلمس قضية معتقل مجهول، قصيدة تُردّد في بيوت المصريين في المهجر فيشعرون أن ثمة من يحمل همّهم ويعرف كيف يُعبّر عنه.

أما أنس حبيب، فاسمه يجب أن يبقى حاضرا في كل اجتماع ومنبر ومحفل، لا كمظلوم يُستعطف به، بل كدليل على أن النظام المصري يخاف. الأنظمة لا تضرب من لا تخشاه؛ الضربة التي تُوجَّه إلى ناشط ما هي اعتراف ضمني بأن صوته يُقلق ويُزعزع.

المعارضة التي تُدرك هذه المعادلة ستتعامل مع كل اعتداء ليس كجرح بل كوسام، والدول الأوروبية التي تُدير وجهها عن هذه الاعتداءات تتذكّر -أو يجب أن تتذكّر- أن الصمت أمام توحّش الأنظمة المستبدة خارج حدودها لم يُنتج يوما استقرارا، بل أنتج أنظمة أشد استبدادا بسبب غياب الكلفة.

النار لا تبدأ بإشعال كل شيء دفعة واحدة إنما تبدأ بعود ثقاب واحد، يوقد شمعة، تُضيء غرفة، تخرج منها شعلة. المعارضة المصرية تملك الأعواد، تملك العقول والأقلام والأصوات والوجوه الكريمة، وما تفتقره هو الشجاعة على إيقاد أول عود ثقاب، دون انتظار الإذن، ودون استئذان لجنة، ودون بحث عن ميزانية. الشعوب التي تريد الحرية تُنتجها أولا في خيالها وفنها قبل أن تصل إلى ميادينها.

المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.

مقالات مشابهة

  • كاتبة بريطانية تحذر: الاعتماد على الذكاء الاصطناعي يضعف الإبداع والوعي الإنساني
  • فضل دعاء واستغفار الحاج لأقاربه قبل دخول بيته .. علي جمعة يوضح
  • بخاخ أنفي يخفف آثار الشيخوخة الدماغية
  • في ذكرى رحيل سيدة المسرح العربي سميحة أيوب.. مسيرة فنية خالدة صنعت تاريخًا من الإبداع
  • «مبادلة للرعاية الصحية» تعزز العلاج الاستباقي لصحة الدماغ
  • علاء رجب: مرض الحب يفقد العقل السيطرة على القلب
  • محمد بوستة يحوّل المكان إلى عوالم تشكيلية تنبض بالضوء والانفعال والحنين
  • رصف طريق سيد بحر بالبحيرة لدعم شبكة الطرق
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • استشاري تغذية يُحذر من زيوت التحمير: سموم غير مرئية (فيديو)