حددت وزارة الأوقاف موضوع خطبة الجمعة غدًا بجميع مساجد الجمهورية، تحت عنوان «الدعوة إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة»، مؤكدةً ضرورة التزام الأئمة بالموضوع المقرر والوقت المحدد للخطبة، في إطار توحيد الخطاب الدعوي وتعزيز القيم الأخلاقية الراقية في المجتمع.

خطبة الجمعة غدًا

الحمدُ للهِ الذي أمرَ بالدعوةِ إليه بالحكمة والموعظةِ الحسنة، وجعلها سبيلَ الأنبياءِ والصالحين، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدهُ لا شريكَ لهُ، وأشهدُ أنَّ سيِّدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، الداعي إلى ربِّه بالحكمةِ والرفق، فاللهمَّ صلِّ وسلِّمْ وبارِكْ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ صلاةً تُزكِّي القلوبَ وتشرحُ الصدور، وبعد: فيَا عبدَ الله ِكنْ داعيًا إلى اللهِ بالحالِ والمقالِ.

١.  فعندما تنصحُ أحدًا فربما يختلطُ عندكَ أسلوبُ النصحِ بالتشهيرِ بالمخاطبِ ومعايرتِهِ بعيوبِهِ فتفضحُهُ على رؤوسِ الأشهادِ، وأنتَ تظنُّ أنكَ تنصحُهُ، ألا فاتركْ هذا وكنْ لطيفًا في نصحِكَ للناسِ مبتعدًا عن كلِّ ما فيهِ تشهيرٌ بالإنسانِ عندَ نصحِهِ، انصحْهُ بعيدًا عن الناسِ، وحينئذٍ تكونُ حكيمًا داعيًا إلى اللهِ بسلوكِكَ وتصرفِكَ، وتذكرْ قولَ الإمامِ الشافعيِّ رحمهُ اللهُ تعالى:

تَغمَّدْني بنصحِكَ في انفرادي... وجنِّبْني النصيحةَ في الجماعةِ

فإنَّ النصـحَ بينَ النـاسِ نوعٌ... منَ التوبيخِ لا أرضى استماعَهُ

وإنْ خالفتَني وعصيتَ قولي... فـلا تجزعْ إذا لم تُعـطَ طـاعــة

 فتجمَّلْ يَا أخِي الكريمَ بهذَا الأدبِ النبويِّ الشريفِ.

٢. وعندمَا تغضبُ، وتنفلتُ أعصابُكَ، ويضيقُ صدرُكَ، فإنَّكَ تخاطبُ الناسَ بأقبحِ ما يمكنُ من الألفاظِ، رغمَ أنَّكَ تستطيعُ أن تكونَ حكيمًا متحكمًا في غضبِكَ ممتثلًا وصيةَ الجنابِ المعظمِ (صلى اللهُ عليهِ وسلمَ) حينَ أتاهُ رجلٌ يسألُهُ قائلًا: أوصِني يا رسولَ اللهِ، فقالَ (صلى اللهُ عليهِ وسلمَ): «لا تغضبْ»، وكررَ الرجلُ سؤالَهُ ثلاثًا، فأعادَ الرسولُ (صلى اللهُ عليهِ وسلمَ) وصيتَهُ ثلاثًا، فاتركِ الغضبَ، وكنْ حكيمًا في أصعبِ الظروفِ حتى لا يصدرَ عنكَ في مثلِ هذهِ الأحوالِ إلا كلُّ جميلٍ، وحينئذٍ لا يعرفُ الندمُ إليكَ طريقًا، وبهذا تكونُ هاديًا داعيًا إلى اللهِ بحكمتِكَ في وقتِ الغضبِ، قالَ الجنابُ المكرّمُ (صلى اللهُ عليهِ وسلمَ): «ليسَ الشديدُ بالصُّرَعَةِ، إنما الشديدُ الذي يملكُ نفسَهُ عندَ الغضبِ».

٣. وعندمَا تختلفُ مع أحدٍ من جيرانِكَ أو زملائِكَ في العملِ، ويخاطبُ بعضُكم بعضًا بغيرِ اللائقِ من الحديثِ ويعتدي بعضُكم على بعضٍ، وربما وصلَ الأمرُ إلى المحاكمِ واستمرَّ النزاعُ، ويجتهدُ كلُّ واحدٍ منكم أن ينتصرَ لنفسِهِ ولو بالزور والكذب وإخفاءِ الحقائقِ، مع عدمِ إقرارِ الآخرِ بالحقِّ إذا ظهرَ لهُ خطؤُهُ، فإنَّ هذا حالٌ قبيحٌ يورثُ الوحشةَ في النفوسِ والخرابَ في العمرانِ، ألا فاتركْ كثرةَ المراءِ واللددَ في الخصومةِ، ممتثلًا قولَ الجنابِ النبويِّ المعظمِ (صلى اللهُ عليهِ وسلمَ): «أبغضُ الرجالِ إلى اللهِ الألدُّ الخصمُ»، وكنْ عندَ الاختلافِ مع الناسِ منصفًا مع النفسِ، محترمًا لحقوقِ العبادِ، متجملًا في كلِّ أمرٍ، لتكونَ حكيمًا داعيًا إلى اللهِ بجمالِ موقفِكَ عندَ الخصومةِ، مستحضرًا في روعِكَ قولَ الجنابِ المعظمِ (صلى اللهُ عليهِ وسلمَ): «إنَّ اللهَ جميلٌ يحبُّ الجمالَ»، إنَّ هذا الانضباطَ الأخلاقيَّ في مواطنِ النزاعِ هو الذي يبني جسورَ الثقةِ ويُحيي مواتَ القلوبِ، ويجعلُ منك ملاذًا آمنًا للحقِّ، ومنارًا يُهتدى بهِ في ظلماتِ الخصوماتِ، قالَ تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾.

واعلم بأنّ من أبهى تجلياتِ الإنسانيةِ الراقيةِ أن يتجملَ المرءُ بأدبِ الاختلافِ، ويتحلَّى بفقهِ الإنصافِ، جعلنَا اللهُ منْ المتجملينَ بهذهِ الأخلاق النبيلةِ، والخصالِ الكريمةِ.

 

الخطبة الثانية

الحمدُ للهِ، والصلاةُ والسلامُ على سيدِنا رسولِ اللهِ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ، وأشهدُ أنَّ سيدَنا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، وبعدُ:

فإنَّ الدعوةَ إلى اللهِ ليستْ وعظًا وليستْ خطبًا فصيحةً وليستْ كلامًا يقولُهُ الدعاةُ على المنابرِ، إنَّ الدعوةَ إلى اللهِ بالحكمة والموعظةِ الحسنةِ سلوكٌ جميلٌ يمكنُ لكلِّ واحدٍ منا أن يقومَ بهِ في دائرةِ سلوكِهِ وتصرفِهِ، ليكنْ كلُّ فردٍ منا داعيةً إلى اللهِ، بمظهرٍ من السكينةِ، وجوهرٍ من الرحمة ، وفيضٍ من العلمِ النافعِ، فكنْ داعيًا إلى اللهِ بتهذيبِ لسانِكَ وترقيةِ جنانِكَ؛ فكنْ في خطابِكَ مع الناسِ لطيفًا، وفي تعاملِكَ عفيفًا، لا تخرجُ منك كلمةٌ نابيةٌ، ولا تصدرُ عنكَ فاحشةٌ، بل خاطبْ كلَّ إنسانٍ بما يليقُ بمقامِهِ وبما يرفعُ من شأنِهِ، واعلمْ أنَّ خفضَ الصوتِ في الحديثِ هيبةٌ، والترفقَ بالخلقِ سيادةٌ، فما ارتفعَ صوتٌ إلا غابتْ خلفَهُ الحجةُ، وما لانَ كلامٌ إلا فُتحتْ لهُ القلوبُ المغلقةُ، فاجعلْ من سمتِكَ الهادئِ ورُقيِّكَ الأخلاقيِّ منبرًا صامتًا ينطقُ بجمالِ هذا الدينِ، ممتثلًا قولَ الحقِّ سبحانهُ: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾.

 

أيها النبيلُ: انظرْ إلى دائرتِكَ الأقربِ، فجمالُ السلوكِ لا يكتملُ حتى يفيضَ كرمًا وحبًّا على أهلِ بيتِكَ؛ فكنْ لزوجتِكَ مأوىً للرحمةِ، ولأولادِكَ قدوةً في الحلمِ والعطاءِ، فالداعيةُ الحقُّ ليسَ من تجمَّلَ للغرباءِ وساءَ خلقُهُ مع الأقربينَ، بل هو من جادَ بفضلِهِ على من في بيتِهِ، فبسطَ يدَهُ بالكرمِ، وملأَ قلبَهُ بالحنانِ، وأخفى عنهم ضيقَ صدرِهِ ليمنحَهم سعةً من رفقِهِ، فأرقى مراتبِ الإنسانيةِ أن يشهدَ لكَ من يعيشُ معكَ بأنكَ منبعُ الجمالِ والكمالِ الأخلاقيِّ، فاجعلْ من بيتِكَ محرابًا للأمانِ وواحةً للمؤانسةِ، يفيضُ على من فيهِ بجمالِ الروحِ وطيبِ المعاملةِ، فصدقُ الرسالةِ يظهرُ في رقةِ الكلمةِ، وفي التجاوزِ عن الهفواتِ، وفي تحويلِ البيتِ إلى مستقرٍّ للطمأنينةِ والسكينة تصديقًا لقولِ النبيِّ (صلى اللهُ عليهِ وسلمَ): «خيرُكم خيرُكم لأهلِهِ، وأنا خيرُكم لأهلِي».

 

المصدر

المصدر: بوابة الوفد

كلمات دلالية: الأوقاف وزارة الأوقاف الجمعة خطبة الجمعة الدعوة الدعوة إلى الله الحكمة والموعظة الحسنة بالحکمة والموعظة داعی ا إلى الله صلى الله ا داعی حکیم ا

إقرأ أيضاً:

فضل إلقاء السلام والمصافحة بالدلائل من السنة النبوية

من المقرر شرعًا أن السلامُ على الناس والمصافحة فيما بينهم من السنن الحسنة التي يغفر الله تعالى بها الذنوب، وهذا ما قررته السنة النبوية المطهرة؛ فعن البراءِ بن عازبٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيَانِ فَيَتَصَافَحَانِ، إِلَّا غُفِرَ لَهُمَا قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا» أخرجه أحمد في "المسند"، وأبو داود والترمذي وابن ماجه في "السنن"، وابن أبي شيبة في "المصنف".

فضل المصافحة

وعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا لَقِيَ الْمُؤْمِنَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، وَأَخَذَ بِيَدِهِ فَصَافَحَهُ، تَنَاثَرَتْ خَطَايَاهُمَا كَمَا يَتَنَاثَرُ وَرَقُ الشَّجَرِ» أخرجه الطبراني في "المعجم الأوسط"، وابن شاهين في "الترغيب".

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَا مِنْ عَبْدَيْنِ مُتَحَابَّيْنِ فِي اللهِ، يَسْتَقْبِلُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فَيُصَافِحُهُ وَيُصَلِّيَانِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، إِلَّا لَمْ يَفْتَرِقَا حَتَّى تُغْفَرَ ذُنُوبُهُمَا مَا تَقَدَّمَ مِنْهُمَا وَمَا تَأَخَّرَ» أخرجه أبو يعلى الموصلي في "المسند"، وابن السني في "عمل اليوم والليلة"، والبيهقي في "شعب الإيمان"، والشجري في "ترتيب الأمالي".

ومن ذلك ما أخرجه الإمام مالك في "الموطأ" من قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «تَصَافَحُوا يَذْهَبِ الْغِلُّ، وَتَهَادَوْا تَحَابُّوا، وَتَذْهَبِ الشَّحْنَاءُ».

وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ فَسَلَّمَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ وَتَصَافَحَا كَانَ أَحِبَّهُمَا إِلَى اللهِ تَعَالَى أَحْسَنُهُمَا بِشْرًا لِصَاحِبِهِ» أخرجه الإمام البيهقي في "شعب الإيمان".

 

الرد على دعوى أن المصافحة بعد الصلاة بدعة

أما دعوى عدم جواز المصافحة عقب الصلاة؛ لأنها بدعة، فهذا قول مردود؛ وذلك لأن للعلماء في تعريف البدعة شرعًا مسلكين:

المسلك الأول: وهو مسلك الإمام العز ابن عبد السلام؛ حيث اعتبر أن ما لم يفعله النبي صلى الله عليه وآله وسلم بدعة، وجعلها تدور مع أحكام الشرع التكليفية الخمس.

والمسلك الثاني: جعل مفهوم البدعة في الشرع أخص منه في اللغة، فجعل البدعة هي المذمومة فقط، ولم يسم البدع الواجبة والمندوبة والمباحة والمكروهة بدعًا كما فعل الإمام العز ابن عبد السلام، وإنما اقتصر مفهوم البدعة عنده على المحرَّمة، وعلى ذلك جماهيرُ الفقهاء.

 

مقالات مشابهة

  • أمن حجة يحتفي بيوم الولاية
  • فضل إلقاء السلام والمصافحة بالدلائل من السنة النبوية
  • حكم أداء صلاة الجنازة في الشوارع بالنعال
  • حجة .. ندوة في المحابشة بذكرى يوم الولاية
  • أمن محافظة حجة يُحيي ذكرى يوم الولاية بفعالية ثقافية
  • أمسيات في ريف حجة والشاهل والشغادرة بذكرى يوم الولاية
  • الأوقاف تحدد موضوع خطبة الجمعة المقبل.. «كن راضيا وإياك والتباهي»
  • فعالية لأمن محافظة حجة بذكرى يوم الولاية
  • فعالية في مديرية مبين في حجة بذكرى يوم الولاية
  • حكم الاكتفاء بأضحية النبي صلى الله عليه وسلم عن الأمة