أعلنت الإدارة الأميركية عن تركيبة "مجلس سلام غزة " وتعيين ممثل سامٍ في قطاع غزة ولجنة تكنوقراط فلسطينية لإدارة القطاع أعمالها، ويأتي هذا مع بدء المرحلة الثانية من الاتفاق، التي تتضمن الانتقال إلى نزع سلاح حماس، وتشكيل حكومة تكنوقراط، والشروع في إعادة الإعمار، وأعتقد أن هناك ربطا بين إنشاء مجلس السلام ونزع سلاح حماس، كما تم الاتفاق على فتح معبر رفح وخروج ٣ فلسطينين مريض واثنين مرافقين مقابل دخول فلسطيني واحد لقطاع غزة وسيسمح الاحتلال بدخول 50 فلسطينيا فقط من مصر مقابل خروج 150.
وأعلن الجيش الصهيييوني أنه انتهي من بناء ما يسمونه (مجمع تفتيش) وفيه سيتم تفتيش الفلسطينيين الداخلين من مصر لغزة وأمتعتهم وقد لا يسمح لهم بالدخول، وأعتقد أن هذه بداية التهجير الصامت للفلسطينيين.
المجلس الحالي ما هو إلا نوع من أنواع الوصاية الأمريكية على غزة وهو مرحلة انتقالية بين التهجير والإعمار، ومسرحية الحكومة الانتقالية، التكنوقراط، وغزة، والحكم الفلسطيني ليست سوى مرحلة انتقالية من حكم حماس لغزة إلى حكم أمريكا لغزة كدولة اقتصادية متعددة الجنسيات.
ما يُطرح تحت مسمى «مجلس سلام غزة» لا يعكس مشروع سلام بقدر ما يمثّل إطارًا إداريًا اقتصاديًا، تقوده مجموعة من السياسيين والاقتصاديين والممولين في جوهره، لا يبدو هذا الطرح موجهًا نحو إعادة إعمار غزة للفلسطينين، بل نحو إعادة ترتيبها بما يخدم أجندات اقتصادية، وهو ما حذّرنا منه من قبل وهو تفريغ غزة لا إنقاذها.
فلو كانت النية الحقيقية ترك غزة للفلسطينيين، لكان الأولى تمكينهم من إعادة بناء حياتهم، لا تركهم يواجهون الدمار، ويعيشون في الخيام وعلى أنقاض منازلهم، معتمدين على مساعدات غير مضمونة.
من وجهة نظرى الحرب لم تنته بل انتقلت من سيناريو عسكري "الحرب العسكرية" الظاهرة إلى سيناريو "الحرب الصامتة"، وهو تهجير يتم للفلسطينيين ولكن في صمت بعيدا عن الإعلام تحت ذرائع كثيرة منها معالجة المرضى والخروج للدراسة والزيارة، والخارج لا يعود، وهو الأصل في قيام الحرب، فما يحدث الآن هو تفريغ غزة بهدوء في أكبر عملية "تهجير صامت" في التاريخ الحديث.
ما يحدث اليوم في قطاع غزة ليس له علاقة بقوة حماس أو ببعض النشاطات المحدودة لبعض الفصائل الفلسطينية حيث لا وجود حقيقيا لمقاومة حقيقية تمتلك قدرة مؤثرة، فغزة سياسيًا وجغرافيًا قد تم تدميرها وما تقوم به إسرائيل حاليًا هو تفكيك آخر ما تبقى من جسم مادي قابل للحياة في القطاع، تمهيدًا لإخراج السكان بطريقة مدروسة وطوعية وصامتة بدون ضجيج إعلامي نحو الخارج.
وقد جهز جيش الاحتلال الإسرائيلي منطقة لتكون سجنًا مفتوحًا لا دخول ولا خروج منها، عرفت بخطة "المنطقة الإنسانية" والتي صرح بها وزير الدفاع الإسرائيلي وانتقدها رئيس وزراء إسرائيل الأسبق
"إيهود أولمرت" ووصفها بأنها ستكون أقرب ل "معسكرات اعتقال" كبيرة على غرار معسكرات الاعتقال في ليبيا أيام الاحتلال الايطالي لليبيا، وهي نوع من أنواع التطهير العرقي للفلسطينيين ووسيلة من وسائل التهجير القسري لهم.
هذه الخطة لا تعني فقط تصعيدًا عسكريًا فحسب بل تعني أننا دخلنا رسميًا في المرحلة الثانية من خطة التهجير الجماعي عن طريق حصر الناس في منطقة محددة تحت السيطرة ومنع المساعدات عن باقي المناطق للضغط الإنساني والنفسي ثم تسويق ما يحدث لاحقًا على أنه "هجرة طوعية"، في حين أنه تهجير قسري وكل هذا يحدث في صمت.
وقادت إسرائيل خلال أكثر من عامين سياسة ممنهجة لإقناع الغزيين والعالم أن لا مستقبل لهم داخل القطاع وأن الهجرة باتت الحل الوحيد، لكن هذه المرة لن يتم التهجير كما حدث في نكبة 1948 أو نكسة 1967 فالعالم تغيّر وقواعد اللعبة تغيّرت أيضًا، اليوم تُدار العملية بشكل ناعم وصامت بعيدا عن الإعلام تحت غطاء الأزمات الإنسانية والقصف المتقطع، وبآليات مدنية وليست عسكرية فقط وتحت غطاء منظمات دولية، فخطة التهجير الرئيسية تتركز على تفتيت المجتمع الغزي وتوزيعه عالميًا مع منحهم جنسيات الدول المستقبلة لهم مقابل إسقاط إقامتهم في غزة.
الخطير أن كل هذا يتم تحت عنوان محاربة حماس بينما الهدف الحقيقي هو تفريغ غزة من أهلها، خطوة خطوة، من هنا يتضح ما حذرنا منه وأصبح واقعًا ملموسًا، رفح تُفرّغ، المواقع تُحشد، والحدود المصرية تترقب المرحلة القادمة بصمت.
في المقابل سيدفع سكان غزة الثمن، لأن إسرائيل رغم معرفتها بأن 60% أو أكثر من الغزيين لا يريدون حماس لكنها مقتنعة بأن جميع الفلسطينيين يحملون بداخلهم العداء و الرغبة في الانتقام من إسرائيل وقد نشأوا على معاداتها وتوارث فكرة حق العودة. لهذا، لن تقبل إسرائيل بوجودهم في غزة ولا حتى في سيناء، حتى لا يشكل اللاجئون بؤرا انتقامية جديدة. وهذا ما يقلق مصر بأن تتخذ سيناء قاعدة فيما بعد للهجوم على إسرائيل ثم تتخذها إسرائيل ذريعة لمهاجمة سيناء.
لذلك قد تعتبر مصر عبر معبر رفح " ترانزيت" فقط لتهجير الفلسطينيين إلى دول أخرى حول العالم وقد أبدت كثير من الدول استعدادها لقبول الفلسطينيين على أرضها وكان آخر "صومالي لاند " أرض الصومال التي اعترفت بها إسرائيل مقابل قبولها تهجير الفلسطينيين إليها.
هكذا تدير إسرائيل بهدوء أعقد عملية تفريغ سكاني في التاريخ الحديث تحت أنظار العالم وفي صمت وبدون ضجيج في أخطر مرحلة من مراحل الحرب فيما يطلق عليها "الحرب الصامتة".
المصدر
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: تهجير الفلسطينيين الحدود المصرية قطاع غزة مجلس سلام غزة الحرب الصامتة الإدارة الأميركية
إقرأ أيضاً:
وفد من حماس يبحث مع رئيس المخابرات التركية تصاعد العدوان على غزة
أجرى وفد من قيادة حركة المقاومة الإسلامية "حماس"، برئاسة محمد درويش رئيس المجلس القيادي للحركة، مباحثات وصفت بالمعمقة مع رئيس جهاز المخابرات التركي إبراهيم قالن، تناولت تطورات العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، وتداعيات خرق الاحتلال لبنود اتفاق وقف إطلاق النار.
وبحسب ما أعلنت الحركة، فقد ركزت المباحثات على ما وصفته بـ"تنكر الاحتلال لالتزاماته في اتفاق شرم الشيخ"، وعدم استكمال تنفيذ المرحلة الأولى من الاتفاق، في ظل استمرار العمليات العسكرية والانتهاكات الميدانية في القطاع.
وضم الوفد كلا من خالد مشعل رئيس الحركة في الخارج، وخليل الحية رئيس الحركة في قطاع غزة، وزاهر جبارين رئيس الحركة في الضفة الغربية، حيث قدموا تقييماً شاملاً لمسار الاتفاق والتطورات المرتبطة به، مع الإشارة إلى ما وصفوه بجرائم القتل والقصف والانتهاكات اليومية التي تعرقل التقدم في المباحثات الخاصة بالمراحل اللاحقة.
وأكد وفد الحركة التزامه باتفاق وقف إطلاق النار، معرباً عن تقديره لجهود الوسطاء في كل من تركيا ومصر وقطر، من أجل وقف العدوان وتخفيف تداعياته الإنسانية، داعياً في الوقت ذاته المجتمع الدولي إلى اتخاذ موقف "واضح وحاسم" تجاه استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية.
كما استعرض الوفد، وفق بيان الحركة، ما يجري في مدينة القدس والمسجد الأقصى، بما في ذلك الاقتحامات المتكررة ومحاولات التهويد المتصاعدة، إلى جانب الاعتداءات المستمرة للمستوطنين في الضفة الغربية، والانتهاكات بحق الأسرى الفلسطينيين، مشيراً إلى ما اعتبره "جرائم ممنهجة" ترتكبها إسرائيل بحق الفلسطينيين.
وأعرب وفد "حماس" عن شكره للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وللجهود التي تبذلها أنقرة في إطار مساعيها لوقف الحرب على غزة وإنهاء تداعياتها، بحسب ما أفاد به بيان الحركة.