جريدة الرؤية العمانية:
2026-06-03@07:04:42 GMT

"مفاوضات مسقط" والحرب على إيران

تاريخ النشر: 6th, February 2026 GMT

'مفاوضات مسقط' والحرب على إيران

د. سالم أحمد بخيت صفرار

منذ أن بدأت الولايات المتحدة الأمريكية إرسال حاملات طائراتها مثل لينكولن وفورد والقطع العسكرية المرافقة لها إلى منطقة الشرق الأوسط، لتوجيه عمل عسكري تجاه الجمهورية الإسلامية الإيرانية، والتوتر يتزايد في المنطقة. 

وبات العالم يحبس أنفاسه في قلق وترقب لما ستؤول له مجريات الأحداث، وقد شهدت الساحة الإقليمية مؤخرًا حراكًا قويًا، لتفادي أي عمل عسكري ضد إيران، ومنح الدبلوماسية الفرصة؛ إذ إن دول المنطقة تدرك تمامًا أن الحرب على إيران لن تكون سهلة، وعواقبها ستكون كارثية على المنطقة، وقد تمتد انعكاساتها عالميًا حينما تتداخل فيها قوى كبرى، الأمر الذي ينذر بخروجها عن السيطرة، ولا يمكن حصر مداها ومدتها.

وتتجه الأنظار إلى العاصمة العُمانية مسقط، والتي تشهد عقد جولة من المفاوضات اليوم الجمعة بين إيران وأمريكا، بعد أن طلب الجانب الإيراني نقل المفاوضات من إسطنبول لتنعقد في مسقط. وقد برزت تساؤلات من عدة جهات حول ذلك، ولماذا طلبت طهران أن تُنقل المفاوضات من تركيا لتكون في سلطنة عُمان. 

لا شك أن هناك عدة عوامل شجعت على ذلك، أبرزها الدور العُماني التاريخي في المفاوضات بين إيران ودول (5+1) في العام 2014، والتي تكللت بتوقيع الاتفاقية بين إيران والغرب حول الملف النووي الإيراني في العام 2015، والدور الكبير لسلطنة عُمان في حلحلة تلك الأزمة، والثقة التي يقدرها الطرفان بالجانب العُماني، والسرية التي اكتنفتها المفاوضات، والتي يريدها الطرفان، وهذا ما صرح به طرفا التفاوض.

لا شك أن التحديات أمام هذه المفاوضات كبيرة ومعقدة جدًا، وهناك من يسعى جاهدًا بكل ما لديه من قوة لإفشالها، وهو الكيان الصهيوني، لأن هذا الكيان يضغط بكل ما يستطيع على الولايات المتحدة تجاه الحرب على إيران، فإسرائيل كانت لها أهدافٌ جلية في حرب الاثني عشر يومًا في يونيو 2025، ولكنها فشلت في تحقيق أهدافها التي عملت عليها لسنين من خلال عملائها، والتي كانت تسعى لتغيير النظام وتفكيك البلاد، ولكنها فشلت وكشفت مخططاتها، حتى وإن تمكنت من اغتيال بعض رموز النظام.

ولكن هناك من يسأل: لماذا ترددت أمريكا كل هذه الفترة عن توجيه الضربة العسكرية لإيران، رغم كل هذه الحشود العسكرية في المنطقة، والتي تتجاوز أعدادها ما أعدته في بداية حرب الخليج 1990؟ 

بحسب ما يراه بعض المحللين، يبدو أن هناك مفاجآت أظهرتها إيران من حيث الاستعداد، وإجراء تجارب على أسلحة جديدة لم تُستخدم في الحرب الماضية بينها وبين الكيان الصهيوني. في ذات السياق، برزت متغيرات ربما كان لها بالغ الأثر لدى أمريكا لإعادة صياغة استراتيجيتها، كما أنه برز على السطح التعاون الوثيق بين كل من الصين وروسيا، والذي يبدو أن تحالفات تعاون باتت رسمية بينهم. فمن خلال ما صرح به وزير الخارجية الروسي في الجزيرة الإخبارية، أن أي تصعيد مع إيران سوف يؤدي إلى مواجهة إقليمية ستخرج عن السيطرة، وأن روسيا لن تقف موقف المتفرج، ولن تكون مكتوفة الأيدي. ومن المرجح أن تلك من أهم الأسباب في إعادة صياغة الحسابات والتعمق الدقيق لدى الجانب الأمريكي قبل الإقدام على أي مواجهة مع إيران، وهذا ما صرح به وزير الحرب الأمريكي قبل أيام، بأن العملية تتطلب رؤية دقيقة ودراسة معمقة.

المصدر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

الدبلوماسية والحرب الإعلامية

في لقاء إعلامي مع رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في بدايات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران أجاب على سؤال لصحفية سالته عن رأيه في التصريحات التي أدلى بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب واعتبرت أنها استهزاء وسخرية من رئيس الوزراء. أجاب «إن ما يتعلق بالأمن والدفاع والاستخبارات فنحن نتشارك ذلك مع الأمريكيين وهذا أمر يجب ألا نفقده أيا كان رئيس الوزراء وأيا كان الرئيس، وإن المناقشات بيني وبين الرئيس الأمريكي كانت تهدف إلى الضغط عليّ لتغيير رأيي وجذبي إلى الحرب، لكنني لن أفعل ذلك. أنا رئيس الوزراء، وأتصرف وفق المصلحة البريطانية».

بدت لي هذه التصريحات درسا عظيما في ممارسة الدبلوماسية السياسية بعدم الانسياق وراء التصريحات الإعلامية والمناوشات الصحفية اليومية التي يمارسها -عن قصد- في أغلب الأحيان بعض السياسيين في محاولة منهم لجر الآخر للرد، أو لاتخاذ خطوات من شأنها أن توقعهم في بعض الأخطاء. وهذا ما يريده الطرف الآخر من إحداث استفزاز يؤدي إلى اتخاذ قرارات تكون مبنية على ردود الفعل، وليس على حسابات المصالح الاستراتيجية.

هذا النوع من الاستفزازات الكلامية يسمى بالحرب الإعلامية، وهي سلاح تستخدمه الدول في أوقات الحروب لإرسال رسائل واضحة أو مبطنة للطرف الآخر في محاولة منه للتأثير على القيادات العسكرية والجماهير أثناء الحروب؛ بهدف ممارسة ضغوط نفسية لكسر إرادة الطرف الآخر، وإضعاف جبهته الداخلية تارة عبر التهديد والوعيد لبث الرعب والارتباك، وتارة أخرى بالترغيب وصناعة الأوهام لشل القدرة على المقاومة ما يجعل الوعي بهذه الخطط خط الدفاع الأول في المعركة. وهذا النوع من الحروب استخدمته الجيوش قديما لبث الإشاعات والأخبار المضللة، وبث روح الفرقة والانقسام في صفوف العدو؛ حيث كانت تلك الرسائل تلقى عن طريق الحمام الزاجل في قديم الزمان، أو باستخدام الطائرات، كما حدث في الحروب الكونية العالمية حتى وصل أمر الحرب الإعلامية في الوقت الراهن إلى استخدام وسائل الإعلام ومنصات التواصل وغيرها من الأساليب التي تهدف إلى زرع الفتنة والشقاق في صفوف الطرف الآخر، وإلى شن حملات سخرية وتقليل من شأن إنجازات العدو، أو دفعه نحو اتخاذ موقف الدفاع المستمر عبر إغراقه باتهامات متلاحقة وضغوط نفسية مكثفة.

في المقابل؛ فإن الرد على الاستفزازات الإعلامية والحرب الكلامية في أوقات الحروب يأتي بطرق مختلفة؛ فالكثير من الدول تفضل الرد المباشر، وتفنيد الادعاءات، وتكذيب المعلومات، واعتمدت على استراتيجيات دحض واضحة وموثقة لكشف التضليل وحماية جبهتها الداخلية.

غير أن هناك دولا أخرى تنتهج استراتيجية «الصمت الدبلوماسي»؛ إذ تفضل عدم الانجرار إلى السجالات الإعلامية إدراكا منها أن الرد في كثير من الأحيان قد يؤدي إلى تعميق الأزمات، وتأجيج الصراعات بدلا من حلها.

سلطنة عمان تنتهج النهج الثاني في علاقاتها السياسية والدبلوماسية مع الدول الأخرى؛ فاستراتيجيتها السياسية والدبلوماسية قائمة على الاحترام المتبادل بين الجميع، وعدم التدخل في شؤون الغير، وأيضا عدم تأجيج النزاعات، ولا الدخول في قضايا تؤدي إلى الخلافات بين الفرقاء فهي تلعب دور الوسيط المحايد، وتبتعد عن الحروب الكلامية والإعلامية، وفي كثير من الأحيان تفضل اللجوء إلى الصمت الدبلوماسي كأداة من أدوات الرد على الآخر؛ فالصمت في كثير من الأحيان أبلغ من الكلام كما تقول العرب في أمثالها.

سلطنة عمان تؤمن أن العلاقات بين الدول لا تبنى على المواقف الارتجالية، أو تقاس بالمواقف العارضة؛ فسياستها قائمة على النظر إلى التاريخ من جهة، والنظر إلى المستقبل من جهة أخرى في محاولة للموازنة بين الماضي والحاضر والمستقبل؛ إيمانا منها بأن السياسة لا تصنع أو لا تقوم بناء على المواقف أو المصالح، وإنما هي ثوابت راسخة تتوارثها أجيال بعد أجيال، ولا تبنى على مواقف عارضة من أحزاب أو منظمات أو رؤساء دول يأتون ويرحلون.

مقالات مشابهة

  • إيران تدرس مقترحاً لوقف الحرب وعقوبات أميركية جديدة على طهران
  • جمود المفاوضات يُطيل أمد الحرب.. وجون بولتون: ترامب في مأزق حقيقي
  • وكالة الطاقة الذرية: هناك تغير جوهري في تقييم برنامج إيران النووي
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • نافيا توقف المحادثات مع إيران .. ترامب: المفاوضات مستمرة والوقت حان لإبرام اتفاق
  • مع استمرار المواجهات.. انطلاق جولة جديدة من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل
  • الكتائب يدعم مفاوضات واشنطن ويطالب بإنهاء حالة الحرب في لبنان
  • الدبلوماسية والحرب الإعلامية
  • وزير الخارجية الأميركي: هناك احتمال بأن تكون إيران وافقت على التفاوض بشأن جوانب من برنامجها النووي
  • مسؤول إسرائيلي: لن ننسحب من جنوب لبنان طالما بقي هناك تهديد على الأرض