تميزت أفلام الحركة (الأكشن)، عبر تاريخ السينما العالمية الطويل، بالإثارة والتشويق، حيث الاندفاع الخطير، وروعة الحركة، وخيال البطولة الذي يصل إلى أقصى حدوده.

وتُبنى هذه الأفلام حول "ذروات"، ولحظات مصممة لترك المشاهدين يلهثون، مقتنعين بأنهم يشاهدون أعلى مستويات الإثارة السينمائية.

اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2مارك رافالو يواجه "المنتقمين" في "يوم القيامة"list 2 of 2كيف أعاد التغير المناخي كتابة سرديات الرعب؟end of list

لكن بعض مشاهد الحركة أحدثت تأثيرا عكسيا غريبا.

وبينما كان يفترض أن تكون مثيرة ومشوقة، أصبحت خيبات لا تنسى، ليس لأنها تحتوي على نكات أو حوارات ذكية أو محاكاة ساخرة متعمدة، بل لأنها تصر بشدة على المستحيل.

ينبع الضحك من المبالغة نفسها، من اعتبار الفيزياء أمرا اختياريا، ومن تضخيم البطولة حتى تفقد معناها، ومن استعراضات مبالغ فيها لدرجة أن الجدية تنهار تحت وطأتها.

ورغم أن الظاهرة تتميز بها السينما الهندية بشكل خاص، إلا أن وجودها يستدعي الضحك فورا، لأنه يكشف عن سوء تقدير لا يتكرر كثيرا، وينتج نوعا من التخريب الذاتي.

لا يتم تقديم المشاهد التالية على أنها "الأسوأ" أو على أنها سخرية، بل كأمثلة رائعة لكيفية تجاوز سينما الحركة أحيانا عتبة يصبح فيها التوتر عبثا، ويتحول فيها الإفراط إلى مهزلة غير مقصودة.

المدرج اللانهائي

تبنت سلسلة أفلام "السرعة والغضب" عام 2011 (Fast and Furious) المبالغة بشكل صريح، وما بدأ دراما سباقات شوارع تحول إلى ملحمة أبطال خارقين تجوب العالم على عجلات. وبصدور الجزء السادس منها، لم تعد الأفلام مهتمة بالواقعية، بل أصبحت مهتمة بالتصعيد. ولعل مشهد تسلسل مدرج الطائرات هو المثال الأكثر وضوحا.

ملصق فيلم "السرعة والغضب" في جزئه السادس (الجزيرة)

في المشهد، تحاول طائرة شحن الإقلاع بينما يطاردها الأبطال بسياراتهم، ويتقاتلون داخلها، ويقفزون بين المركبات، ليصوروا فعليا فيلم حركة كاملا على مساحة صغيرة من أرض المطار. المشكلة ليست فقط في عدم واقعية المشهد، فالجمهور يتقبل الخيال في أفلام الحركة باستمرار، ولكن تظهر المشكلة في حجم هذا الخيال.

إعلان

يبدو المدرج وكأنه لا نهاية له، كما لو أن الطائرة عالقة في حلقة سرمدية، تتسارع بلا توقف دون أن تغادر الأرض. هنا، تصبح قوانين الفيزياء مجرد اقتراح قابل للاستبعاد، بدلا من كونها قواعد كونية، ويبدأ التوتر بالتلاشي.

كان المشاهد في انتظار توقف الطائرة، لكن صناع العمل أقاموا مدرجا لا نهائيا للطائرة!

يتضخم المشهد لدرجة أنه يفقد إحساسه بالخطورة ويبدأ في الظهور بمظهر كاريكاتوري. لا يذكر المشهد فقط بسبب أحداثه، بل أيضا بسبب الضحك الذي أثاره رفضه القاطع للنهاية.

بطولة الحركة البطيئة

تشتهر سلسلة أفلام "مهمة مستحيلة" (Mission: Impossible) بدقتها، فهي تضم مشاهد مثيرة تبدو واقعية، وتخلق توترا ينبع من مخاطر حقيقية. لكن فيلم "مهمة مستحيلة 2" (Mission: Impossible II)، من إخراج جون وو، ينتمي إلى تقليد مليء بالإثارة المبالغ فيها.

يتميز أسلوب الفيلم بالحركة البطيئة والموسيقى التصويرية الرائعة وحركات البطل المصممة بدقة. ومن أبرز اللحظات مشهد القفز، حيث ينتقل إيثان هانت بين الطائرات والمخاطر برشاقة فنية تبدو أقرب إلى الأداء منها إلى محاولة للبقاء على قيد الحياة.

ويستبدل التشويق في المشهد بالشعور بمفارقة ساخرة، لأن صانع الفيلم يصر على جعل كل حركة تبدو أسطورية لدرجة أنها تصبح مفتعلة. تضفي الحركة البطيئة طابعا فنيا على الإلحاح، ويبدو الخطر مجرد فكرة، ويبقى المشهد أقرب إلى فيديو موسيقي منه إلى مشهد بين الحياة والموت.

الجمهور لا يسخر من جهد توم كروز، بل من الجدية المبالغ فيها للعرض، والطريقة التي يصر بها الفيلم على أن كل لفتة يجب أن تكون أسطورية.

رصاص بلا مسار

من الطبيعي أن يتحول بطل أفلام الحركة إلى شخص لا يقهر، لكن فيلم "كوماندو" (Commando) عام 1985، من بطولة أرنولد شوارزنيغر، حوّل الطبيعي إلى سخيف بدرجة مضحكة.

في أحد أشهر مشاهد الفيلم، يندفع البطل وسط موجات من الأعداء المسلحين بينما تتطاير الرصاصات في كل مكان، ومع ذلك، لا يصيبه شيء.

يتحرك كرجل محصن ضد الواقع نفسه. يسقط جنود العدو بأعداد غفيرة، لكن البطل يبقى سالما، دون أن يتأثر ولو قليلا.

يصبح المشهد مضحكا بشكل غير مقصود لأنه يلغي العنصر الأساسي الذي يعتمد عليه الفعل وهو الضعف.

إذا كان البطل لا يُصاب بأذى، يصبح الخطر استعراضيا. ويتحول إطلاق النار إلى ضجيج لا تهديد حقيقي.

ويبدأ المشهد في التشبه بلعبة تمثيلية. يكمن الضحك هنا في نقاء المبالغة. الفيلم لا يلمح للجمهور، بل يعرض فكرة الحصانة المطلقة بكل جدية، وهذه الجدية هي ما تجعله عبثيا.

الدمار بلا مخاطر

تتميز أفلام المخرج مايكل باي من سلسلة "المتحولون" (Transformers) بضخامتها الهائلة: انفجارات لا تنتهي، مدن تنهار، وحروب آلية على مستويات كارثية. في فيلم "عصر الانقراض" (Transformers: Age of Extinction)، يصبح الدمار مستمرا وشديدا لدرجة أنه يفقد معناه العاطفي.

يتطلب الفعل تباينا، ويتطلب الخطر مساحة، ولكن عندما يكون كل شيء ينفجر باستمرار، لا خصوصية لأي شيء. يرفع الفيلم مستوى الفوضى إلى درجة تجعل المشاهد عاجزا عن إدراكها كتهديد. ويتحول المشهد إلى ضجيج، وأحيانا يتحول الإفراط إلى مهزلة. تنهار المباني كالألعاب. وتتوالى الانفجارات بلا انقطاع.

إعلان

يبدو أن الفيلم أقل اهتماما بالتشويق من اهتمامه بإثبات كمية الدمار التي يمكن أن يحتويها مشهد واحد.

والنتيجة أنه كلما أصر الفيلم على رهانات ملحمية، فقد ثقله. لا يشعر الجمهور بالرعب، بل بالذهول، وأحيانا تصبح التسلية هي رد الفعل الوحيد المتبقي. لا تكمن الكوميديا في المحتوى، بل في المبالغة وسوء التقدير.

سينما مسرحية

يجمع فيلم "فيس أوف" (Face/Off) عام 1997 للمخرج جون وو، بين الميلودراما والحركة، وتدور فكرته الأساسية حول عدوين يتبادلان الوجوه حرفيا، وهي فكرة تبدو ملحمية بحد ذاتها وتدور أحداث الفيلم كما لو كان كرنفالا للهوية والأداء والعنف المنسق.

مشهد من فيلم "فيس أوف" (آي إم دي بي)

تتضمن إحدى أكثر لحظات الحركة التي لا تنسى في الفيلم مشاهد قتالية صممت بكثافة ومبالغة تصل إلى حد العرض المسرحي، فالحركات مهيبة، والتعبيرات مبالغ فيها، والتوتر يكاد يكون طقوسيا.

ما يفترض أن يكون ذروة درامية يبدو أحيانا وكأنه عرض مسرحي للتوتر بدلا من كونه خطرا حقيقيا، بحيث يصبح الفعل رمزيا بدلا من أن يكون فعليا.

لا يفشل المشهد لأنه سيء الصنع، بل لأنه مصمم ببراعة، ولكن لأن مبالغته العاطفية شديدة لدرجة أنها تصبح سريالية.

لا يضحك الجمهور على عدم الكفاءة، بل على الكفاءة المبالغ فيها، إنه الشعور بأن الفيلم يمثل الأحداث بدلا من أن يعيشها.

تزدهر الإثارة في بيئة تضخم فيها عناصر الواقعية. فالجمهور يتوق إلى مشاهد تتجاوز المألوف، ويريد أبطالا ينجون مما لا يستطيعون هم النجاة منه. لكن ثمة حد فاصل، خط تتوقف عنده المشاهد عن كونها مثيرة وتتحول إلى عبثية.

تظهر الكوميديا غير المقصودة عندما يتم تجاهل الفيزياء بشكل واضح للغاية، ويصبح البطل منيعا للغاية وحين يستمر التدمير بلا نهاية، ويصبح أهم من التوتر، ويصر صانع العمل على تقديم ما لا يمكن تصديقه، لأن النتيجة ستكون ضحكا، وهو هنا ليس قسوة بقدر ما هو رد فعل طبيعي على عدم التوازن.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات لدرجة أن بدلا من

إقرأ أيضاً:

“سيمفونية البناء”.. كيف تحولت المبادرات المجتمعية إلى شريان حياة للنهضة في اليمن

 في قلب التحديات الراهنة التي تعصف بالبلاد، انبثق من رحم المعاناة حراكٌ تنموي مذهل أعاد صياغة مفهوم العمل الجماعي في اليمن، لم تعد المبادرات المجتمعية مجرد أنشطة عابرة لسد الفجوات الخدمية، بل تحولت إلى استراتيجية وطنية صلبة يقودها المواطنون بأنفسهم، حيث تتعانق سواعد المزارعين والعمال مع رؤى الجمعيات التعاونية لتشييد صروح العلم وحبس قطرات الندى في خزانات عملاقة وشق الصخور الصماء لتعبيد طرق الحياة، لتتحول إلى “سيمفونية البناء” التي تعزف ألحانها اليوم في ذمار وحجة وريمة وصنعاء والحديدة والمحويت ومختلف المحافظات الحرة، معلنةً ميلاد فجر جديد يُصنع بإرادة محلية خالصة، وتكاملٍ رسمي وشعبي غير مسبوق.

 

يمانيون| محسن علي
 
الحراك التنموي الشامل في المحافظات
تشهد المحافظات اليمنية حراكاً تنموياً واسع النطاق، تقوده الجمعيات التعاونية الزراعية متعددة الأغراض، وبدعم لوجستي وفني من وحدة التدخلات المركزية التنموية الطارئة بوزارة المالية، هذا الحراك يرتكز على مبدأ “المشاركة المجتمعية” كحجر زاوية لتحقيق الاستدامة والنهوض بالواقع الخدمي والمعيشي للمواطنين.

جبهة الأمن المائي والخدمات اللوجستية (ذمار وريمة)
في محافظة ذمار، وتحديداً في مديرية وصاب العالي، نجحت جمعية وصاب العالي التعاونية في استكمال واحد من أهم المشاريع المائية في منطقة الحمراء بعزلة المربعة، مشروع خزان “المدن” المائي، الذي تزيد سعته عن مليوني لتر، يمثل قصة نجاح ملهمة؛ حيث تكفل الأهالي بـ 82% من تكاليف الحفر والبناء والتلييس، في حين ساهمت وحدة التدخلات بـ 18% عبر توفير مادة الأسمنت، هذا المشروع لا يلبي الاحتياجات المائية فحسب، بل يعزز الأمن المائي للمنطقة في مواجهة الجفاف.
وبالتوازي مع ذلك، شهدت محافظة ريمة تدشين العمل في مشروع شق طريق “ذرون – المطلس – القبلية – الحرث – بني شرعب” بطول 8 كم وبتكلفة إجمالية بلغت 120 مليون ريال، هذا المشروع الحيوي، الذي يخدم أكثر من 5 آلاف نسمة، يُعد جبهة صمود وتحدٍ، حيث يجسد روح المبادرات المجتمعية في تحسين الواقع الخدمي وفك العزلة عن المناطق النائية بتمويل مشترك بين المجتمع والسلطة المحلية.

تشييد صروح العلم (حجة، صنعاء، والحديدة)
انتقلت روح المبادرة إلى القطاع التعليمي بقوة، ففي محافظة حجة، وتحديداً في مديرية الجميمة، شارف الأهالي على استكمال قطع 7,000 حجر لبناء مدرسة في قرية راشد بوادي حكه، في حين يتواصل العمل بجدية في مدرسة الشهيد طه المحطوري بالمنطقة ذاتها، هذه المشاريع، كما يؤكد رئيس جمعية الجميمة محمد صنعاء، تجسد روح التعاون لتوفير بيئة تعليمية تليق بأبناء المديرية.
وفي مديرية سنحان وبني بهلول بمحافظة صنعاء، انطلقت أعمال بناء ثلاثة فصول دراسية إضافية في مدرسة جعفر الطيار، تحت إشراف هندسي دقيق من جمعية القطاع الجنوبي الشرقي، لتعزيز الطاقة الاستيعابية للمدرسة، أما في محافظة الحديدة، فقد دُشن في مديرية باجل مشروع بناء ستة فصول دراسية بمدرسة التعاون بمربع الأشراف، في خطوة نوعية تهدف لتخفيف الازدحام وتجويد العملية التعليمية بجهود مجتمعية خالصة.

ثورة الطرق وسلاسل القيمة الزراعية (المحويت وحجة)
تعتبر محافظة المحويت اليوم نموذجاً رائداً في مبادرات رصف الطرق؛ ففي مديريات الرجم وجبل المحويت وشبام كوكبان والمدينة، تتواصل أعمال رصف وتوسعة الطرق الوعرة. جمعية الرجم التعاونية قامت بنزول ميداني لتقييم رصف طريق “عبرتين – المخلفة”، بينما شهدت عزلة الوسط بجبل المحويت مبادرة لرصف طريق “بيت الدبش – الباور”، هذه الطرق ليست مجرد مسارات عبور، بل هي شرايين اقتصادية تسهل نقل المدخلات والمخرجات الزراعية وربط المزارعين بالأسواق.
وفي مديرية بني العوام بمحافظة حجة، أشرفت الجمعية التعاونية على ثلاث مبادرات لشق وتوسعة طرق بطول إجمالي يصل إلى 2600 متر، شملت مناطق السرو والغول، بدعم من وحدة التدخلات بمادتي الديزل والإسمنت، مما يعزز من حركة المواطنين والمنتجات الزراعية في هذه المناطق الجبلية الوعرة.

تعزيز الإنتاج الزراعي والاكتفاء الذاتي (الحديدة، حجة، وصنعاء)
على الصعيد الإنتاجي، أطلقت جمعية الحجيلة مبادرة طموحة للتوسع في زراعة أشجار السدر لتعزيز إنتاج العسل اليمني الفاخر، بينما بدأت جمعية الدريهمي بالحديدة برنامجاً متكاملاً لاستلام التمور المجففة من المزارعين وفق معايير جودة عالمية، لرفع قدرتها التنافسية وتطوير سلاسل الإمداد.
وفي سياق السعي نحو الاكتفاء الذاتي، نفذت جمعية معين بأمانة العاصمة مبادرة نوعية لتسويق 580 ديك فيومي بلدي بالشراكة مع جمعية خيرات بلادي ببني قيس، في خطوة تهدف لخفض فاتورة الاستيراد وتعزيز التكامل بين الجمعيات التعاونية الزراعية في مختلف المحافظات.

رؤية استراتيجية للمستقبل
تكشف المبادرات المجتمعية بحراكها الواسع عن حقيقة واحدة: أن اليمن يمتلك ثروة بشرية هائلة قادرة على صنع المستحيل حين تتوفر الإرادة والتكامل،  هذه المبادرات التي شملت المياه والتعليم والطرق والزراعة ليست مشاريع معزولة، بل هي لبنات في مشروع وطني كبير يهدف لتحقيق التنمية المستدامة والاعتماد على الذات، و “إن ما نشهده اليوم هو تحول جذري في عقلية المجتمع، من الانتظار إلى المبادرة، ومن الاستهلاك إلى الإنتاج، وهو الضمان الحقيقي لمستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً لليمنيين.”

مقالات مشابهة

  • جامعة الملك عبدالعزيز تتصدر المشهد الأكاديمي السعودي
  • ثروت : أنا أول واحد قلت إن الفيفا فيها نيفة
  • باذيب: المشاريع التوسعية لإسرائيل وإيران تجعل العودة إلى الوراء شبه مستحيلة
  • عالم أزهري يطالب بإنتاج فيلم عن البابا شنودة
  • فيلم عن البابا شنودة.. مقترح من عالم أزهري لإحياء القيم في المجتمع
  • حصاد الأخبار.. مآسٍ وتطورات ترسم مشهد العالم
  • ثمانية أيام قلبت المشهد.. ماذا جرى خلف الضربات المتبادلة بين إيران وواشنطن؟
  • صحيفة كندية تؤكد قدرة القوات اليمنية على شل الحركة البحرية السعودية
  • “سيمفونية البناء”.. كيف تحولت المبادرات المجتمعية إلى شريان حياة للنهضة في اليمن
  • وعد أم لطفليها ينتهي بفاجعة.. كيف تحولت أمسية شواء المارشميلو إلى مأساة؟